
“إن صبرنا قد ينفد”. قد يعتقد أحدنا وهو محق في اعتقاده، أن “موضوع” نفاد الصبر الذي تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي لـ”الحزب” محمود قماطي هو عن استمرار “احتلال إسرائيل” لأراضي لبنانية وتمادي هذا الاحتلال بالاعتداءات وأعمال النسف والتجريف، لنصدم بـ”سعة صبر قماطي” وحزبه ومحوره ورأسه الإيراني حيال موضوع الاحتلال والاعتداءات والتجاوزات، مقابل نفاد صبره حيال قضية تراها الأغلبية المشاهدة السامعة لكلام قماطي صغيرة تكتية، لا تحرر أرضًا ولا تغني عن انتهاكات وتوسعة احتلالات، إذ إن قماطي بقوله مهددًا “إذا لم تصحح السلطة العلاقات مع إيران وتحل مسألة الطيران الإيراني فإن صبرنا قد ينفد، هناك العديد من الطرق السلمية حيث لن يبقى أي طيران ينزل في لبنان ولن يبقى أي سفير في بيروت”… لم يضره أن يعرّض السلم الاهلي ولا تعطيل حركة الوافدين والخارجين والمقيمين والمغتربين، كرمى لعيون طهران، في حين يستمر “الحزب” وإيرانه باعتماد وممارسة “الصبر الاستراتيجي” أمام المحتل، ولطالما أوصيا بـ”التراجع الدفاعي” أمام العدو الخارجي في “الميدانين العسكري والسياسي”… فالصبر الذي ينفد من أجل إدخال طائرة إيرانية الى مطار بيروت لم ينفد طيلة 14 شهرًا من الاعتداءات والاختراقات والاغتيالات التي مارستها إسرائيل حتى يوم 2 آذار من العام 2026، حيث نفد صبر “الحزب” على الإيقاع والتوقيت الإيرانيين مع اغتيال مرشد الثورة وحزبها في لبنان علي خامنئي…
وسعة صدر “الحزب” وصبره الاستراتيجي بوجه ارتكابات العدو تجليا بعد الطوفان وفي الإسناد بقول أمين عام “الحزب” الراحل في 11 تشرين الثاني من العام 2023: “نحن في معركة الصمود والصبر”، مع أن هذا الصبر وفي استعمال خاطئ آخر لمفاهيمه ونتائجه كان ينفذ غير مستفيد من تجارب سابقة فاشلة لآخرين عندما صرّح الراحل قبل أيام على رحيله في 19 أيلول من العام 2024: “نحن نتمنى أن يدخلوا إلى أرضنا اللبنانية… ما يعتبره العدوّ تهديدًا، نحن نعتبره فرصة تاريخية ونحن نتمناها”.
وطبعًا لا يستوي نفاذ صبر “الحزب” على الداخل اللبناني الذي عبّر عنه قماطي تجاه “مطار رفيق الحريري الدولي” مع سعة الصدر والصبر تجاه الاعتداءات والاختراقات الإسرائيلية التي عبّر عنها أمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم بقوله في 4 تشرين الأول من العام 2025: “كانوا يتوقعون أننا سنبادلهم بالخروقات فيمنحهم ذلك مبررًا للتوحش أكثر، لكنّنا أسقطنا هذه الخطوة بعد أن اتخذنا قرارًا بأن الدولة هي المسؤولة وأن علينا الصبر”.
أما في مدى تطابق المرتجى من التهديدات مع واقع أحوال “الحزب” والمحور، فنحيل قماطي المهدد الى توصيفه شخصيًا للحالة التي وصل اليها “الحزب” نتيجة لمغامراته وحساباته الخاطئة، إذ يقول نائب رئيس المجلس السياسي لـ”الحزب” في 19 كانون الثاني من العام 2025: “لم نكن نتوقع أن تتم الحرب الإسرائيلية الآن وكانت رؤيتنا أن الأمور لن تصل لهذا الحجم وكان يجب الا نوصل لبنان لحرب موسعة ونحن حاولنا بداية القيام بذلك والالتزام بحدود الإفشال لكن الحرب الاستباقية أثرت علينا”.
وإذا سلمنا جدلًا بما يروجه “الحزب” وحلفاؤه عن مدى الخطورة الوجودية نتيجة لاتفاق الإطار على لبنان واللبنانيين وعلى “الحزب” ومقاومته وبيئته، فإن ردة فعل “الحزب” العملية لم تكن بمستوى ما هدد به قماطي من أجل التأشيرات والطائرات الإيرانية، وطبعًا لم تكن بمستوى ما قام به “الحزب” والحلفاء في 12 كانون الثاني من العام 2011 عندما أسقطوا حكومة الحريري مع دخول سعد الحريري الى البيت الأبيض تحت حجة منع تمويل المحكمة الدولية والتي عادت حكومتهم ومولتها في 30 تشرين الثاني من العام 2011.
ولأن الزمن الأول تحوّل، نشاهد “الحزب” كاظمًا غيظه، عاجزًا صابرًا ولو مهددًا متفرجًا على زيارة رئيس البلاد الى الولايات المتحدة الأميركية بعد انقطاع ومقاطعة شملت عهدي إميل لحود وميشال عون، حيث لم يستطع “الحزب” منع الزيارة أو إفشالها أو حتى حرفها عن مسارها ومضمونها، وطبعًا لم يستطع “الحزب” ولن يستطيع تغيير حرف من أبجدية السيادة الآتية مع اتفاق الإطار بـ”حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج الحدود اللبنانية”.
.jpg)