
في كل مرة يطرح فيها ملف سلاح “الحزب”، تعود إلى الواجهة اقتراحات تبدو للوهلة الأولى “حلولاً وسطية”: دمج عناصر “الحزب” في الجيش اللبناني، أو استحداث قوة موازية على غرار “الحشد الشعبي” العراقي. إلا أن هذه الطروحات، مهما بدت براغماتية، تصطدم بجدار القانون الدستوري ومفهوم الدولة الحديثة، وتناقض المبادئ التي يقوم عليها الجيش الوطني والسيادة والديمقراطية.
فالدولة، في تعريفها الكلاسيكي، تحتكر وحدها الاستخدام المشروع للقوة. وهذا ليس شعارًا سياسيًا، بل هو أحد أركان الدولة في الفكر الدستوري والعلوم السياسية، منذ ماكس فيبر وصولًا إلى النظريات الحديثة في بناء المؤسسات. أما عندما يصبح الجيش مظلة لاستيعاب تنظيمات مسلحة نشأت خارج الشرعية، أو عندما تنشأ قوة عسكرية موازية له، فإن الدولة لا تستعيد احتكار القوة، بل تضفي الشرعية على ازدواجيتها.
في الحالة اللبنانية، ينص الدستور بوضوح على أن القوات المسلحة هي المؤسسة الوطنية المخولة الدفاع عن البلاد، وتخضع للسلطة السياسية الشرعية. كما أن اتفاق الطائف قام على مبدأ حل جميع الميليشيات اللبنانية وتسليم أسلحتها للدولة، باعتبار أن إنهاء الحرب الأهلية لا يكتمل إلا بإنهاء تعدد “الجيوش”. ولذلك، فإن تحويل تنظيم مسلح إلى جزء من المؤسسة العسكرية، من دون المرور بمسار مساءلة وتفكيك كامل لبنيته العسكرية والسياسية، لا يمثل تطبيقًا للطائف، بل خروجًا عليه.
ثم إن الجيش ليس مؤسسة توظيف، بل مؤسسة عقيدة. والجندي لا يؤدي قسم الولاء لمرجعية حزبية أو دينية أو أيديولوجية، بل للدستور والعلم والجمهورية. أما التنظيمات العقائدية، فتنشأ أصلًا على مفهوم الولاء لتنظيم وقيادة ومنظومة فكرية مستقلة عن الدولة. والجمع بين العقيدتين داخل مؤسسة واحدة لا يصنع جيشًا أكثر قوة، بل جيشًا أكثر انقسامًا.
من هنا، فإن استنساخ تجربة الحشد الشعبي العراقي لا ينبغي أن يكون مطروحًا أصلًا كنموذج يحتذى. فبعد سنوات على إنشائه، بقي العراق يعاني من إشكالية تعدد مراكز القرار العسكري، وتداخل صلاحيات القوات المسلحة مع تشكيلات تمتلك هياكلها الخاصة وقياداتها ونفوذها السياسي، الأمر الذي جعل مسألة احتكار الدولة للسلاح موضع جدل دائم، على الرغم من الاعتراف القانوني بتلك التشكيلات.
والتجارب المقارنة لا تقدم صورة أكثر تفاؤلًا. ففي ليبيا، فشلت الحكومات المتعاقبة في دمج المجموعات المسلحة داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، فتحولت عملية الدمج إلى تكريس لسلطات أمر واقع داخل الدولة نفسها. وفي اليمن، أدى استيعاب قوى مسلحة ذات ولاءات متباينة داخل المؤسسة العسكرية إلى استمرار الانقسامات وانهيار وحدة القرار العسكري مع اندلاع الحرب. وحتى في بعض الدول الإفريقية التي اعتمدت برامج دمج المقاتلين بعد النزاعات، أثبتت التجربة أن النجاح الحقيقي لم يتحقق إلا بعد حلّ التنظيمات المسلحة بالكامل وإخضاع الأفراد لشروط تجنيد فردية صارمة، لا عبر نقل الميليشيا كوحدة متماسكة إلى داخل الجيش.
فالجيش الوطني لا يدمج الميليشيات، بل يستقبل مواطنين فقدوا أي ارتباط تنظيمي سابق، ويخضعهم لعقيدة عسكرية واحدة، وسلسلة قيادة واحدة، ونظام تأديبي واحد، وقسم واحد. أما إدخال مجموعات تحتفظ بروابطها السابقة، أو منحها وضعًا خاصًا، فيحوّل المؤسسة العسكرية إلى اتحاد فصائل، لا إلى جيش دولة.
والأخطر من ذلك أن الدمج، بصيغته المطروحة، يثير مسألة العدالة. فمنذ عقود، شهد لبنان حروبًا مدمرة وقرارات عسكرية اتخذت خارج مؤسسات الدولة، وكان اللبنانيون، باقتصادهم وأرواحهم وسيادتهم، من دفع أثمانها. وفي أي دولة تحترم القانون، لا يمكن تجاوز سؤال المسؤولية والمحاسبة قبل الانتقال إلى أي تسوية مؤسساتية. فالدولة لا تبني شرعيتها على مكافأة من حمل السلاح خارجها، ولا تمنح امتيازات عسكرية لمن تجاوز مؤسساتها، لأن ذلك يرسل رسالة معاكسة تمامًا لكل مواطن التزم القانون.
إن العدالة الانتقالية، كما تعرفها التجارب الدستورية المقارنة، لا تقوم على الإفلات من المسؤولية، بل على كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وجبر الضرر، ثم إعادة دمج الأفراد بوصفهم مواطنين، لا بوصفهم ممثلين لتنظيماتهم المسلحة. أما تجاوز هذه المراحل، والقفز مباشرة إلى منح الشرعية العسكرية والسياسية، فيعني تحويل القوة المسلحة إلى وسيلة ناجحة لتحصيل المكاسب.
إن بناء الدولة لا يبدأ بتوسيع الجيش ليستوعب “الجيوش” الأخرى، بل بإلغاء الحاجة إلى أي جيش غير الجيش. والسيادة ليست جمع الأسلحة تحت سقف واحد مع بقاء ولاءاتها المختلفة، وإنما توحيد القرار العسكري والسياسي تحت سلطة الدستور وحده.
ولذلك، فإن أي مشروع إصلاحي جدي في لبنان يجب أن ينطلق من مبدأ بسيط لا يقبل المساومة: دولة واحدة، جيش واحد، قيادة واحدة، وسلاح واحد. وما عدا ذلك ليس حلًا لأزمة الدولة، بل إعادة إنتاج للأزمة نفسها بصيغة قانونية جديدة. فالدول لا تستقيم بالمحاصصة العسكرية، ولا تُبنى بتقنين ازدواجية السلاح، بل بإخضاع الجميع، بلا استثناء، للقانون والمؤسسات والمساءلة. وحدها هذه المعادلة تفتح الطريق أمام استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها الكاملة، وترسيخ جيش وطني تكون عقيدته حماية الوطن والدستور، لا موازنة الولاءات أو استيعابها.