#adsense

خاص ـ الله كبير يا 4 آب.. (فيرا بو منصف)

حجم الخط

بيروت

لم يرحل بعد أي من عناصر إطفاء بيروت الذين تفجرت بهم مئات الكميات من نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت. لم يرحل الـ230 ضحية ولم يشف الـ17 ألف جريح، ولا عمرت المدينة، وما زالت آثار التفجير الإرهابي تعيش كالسرطان في خلايا المكان. ما زالت رائحة الأشلاء عالقة على حيطان المدينة، ما زال الضحايا يصرخون من تحت الأنقاض، ما زال الجرحى جرحى، على الرغم من مرور ست سنوات على أقوى تفجير غير نووي بتاريخ العالم، أتعرفون لماذا؟ لأن العدالة لم تتحقق بعد. في سرّنا وفي العلن أيضًا نقول، إن بعضًا من عدالة السماء تحقق، إذ مَن خزّن النيترات وراكمها لسنين في العنبر 12 الشهير ومنع دخول القوى الأمنية الشرعية اليه، هو أيضًا صار ترابًا من تراب بعدما اختنق في جحره على أثر قصف إسرائيلي غير مسبوق للمبنى الذي كان مختبئًا فيه. قد تكون تحققت بعض من عدالة السماء لأن الأصفر الباهت الذي قلب حياة بيروت الى جحيم الجحيم، تحولت حياته نفسها الى جحيم، وها هي المدينة والبلد كله، يتفلت منه تباعًا، ليصبح ملعونًا منبوذًا بسلاحه، ونيراته وأنفاقه وترساناته. ثمة مفارقة زمنية ربانية، أن من قتل الأبرياء قتل، ومن دمّر بيروت دمّر هو نفسه، هذا بعض كبير لا يستهان به من عدالة لا أعرف ما إذا كانت من السماء أم الأرض، وإن كان ثمنها باهظ وباهظ جدًا، وهي أرواح أبرياء ودمار جنوب لبنان.

ما عادت الحاجة، أم حمد العطار تبحث عن إبنها بين الأنقاض وتخبر الناس بأن “إبني حلو وعيونو عسلية” علّها تجد من يتعرف اليه ويرده اليها، فقد رحلت اليه من قهرها وماتت مكسورة باللا عدالة. ما زالت أم رالف ملاحي غارقة في عطر بدلة فوج الإطفاء، تستنشق ما علق من عطر اللي راح وبعدو هون، ما زال وليام نون مؤمنًا انه سيجد شقيقه جو حين يرتفع قوس العدالة، ما زال والد ألكسندرا يحتفل بعيد ميلادها الثالث، طفلة العلم تلك التي ابتلعها غول الإرهاب وشلّع طفولتها بوحشية غير موصوفة… على الرغم من الأعوام الستة التي عبرت، ما زالت كل تلك الحكايات تعيش على حيطان بيروت، لا تريد أن تموت مرة سادسة والعدالة حتى اللحظة معلقة على زمن اللاعدالة.

على الرغم من الأعوام الستة التي عبرت، ما زالت أطيافهم تسبح على خيالات بيروت، يريدون الاستراحة الأبدية في أحضان الرب، لكنهم أيضًا يريدون العدالة على الأرض كما في السماء.

كل سنة ومنذ ست سنوات، نكتب هاشتاغ #كلنا_4_آب وينتهي يوم الذكرى ونعود الى حياتنا اليومية، إلا هُم، الأهالي والضحايا. 4 آب ليس تاريخ وذكرى ولا كلام حتى في السياسة، 4 آب محطة وطن، قضية كبيرة بحجم أشلاء الشهداء، 4 آب نحن، إنسانيتنا، وجعنا، دمعنا المالح، ضميرنا، نضالنا، غضبنا وعنادنا على الحق. 4 آب هذه السنة لبنان جديد مختلف، فيه ما فيه من الأمل، لبنان مضرج بالتجربة ناضج يعرف ما يجب أن يفعله، متحرر من احتلال الميليشيا ومن هول إرهابها وتغلغلها بالجسم القضائي وملاحقتها للقاضي بيطار.

4 آب هذه السنة لديه فرصة لتحقيق العدالة، إذًا يجب أن نتصرف. 4 آب هذه السنة، عيون مقدوحة بالدمع صحيح، لكن القلوب صخر ومطرقة تطرق بعنف على رأس الوحوش الإرهابيين الذين حاولوا قتل بيروت يومذاك، ولن تتوقف تلك المطرقة قبل أن يتعلق الوحوش الوقحين بإجرامهم ووحشيتهم على حبل العدالة.

صحيح ما زلنا نعيش تروما تلك اللحظة الرهيبة الخيالية بوحشيتها، ونبكي دمعًا ودموعًا ودمًا، لكن أيضًا ما زلنا نقف منتصبي القامة ولو كنا مكسوري الروح، ونكمل نضالنا لأجل العدالة، لأجل الضحايا الذين تشلّعوا وطرطشت أجسادهم حيطان بيروت. بيروت، بيروت يا حلوة الزمن يا وجع الوطن، يا مدينة النور والحياة. صلاة الأرض والسماء ما عادت تتسع ليرتاح ضحايانا ويهدأ ألم الأهالي، نحن مقصرون يا بيروت، نحن نبدو غالبًا أننا على قيد الحياة، ولكن عندما يقرع جرس 4 آب نكتشف أننا أحيانًا أموات، نمشي عندما نرى دمع الأهالي وقهرهم وعذاباتهم ونحن عاجزون أن نفعل أي شيء لأجلهم، لأجلنا، لا بل لأجل بيروت.

ست سنوات على تفجير وليس انفجار مرفأ بيروت، وما زال أحدهم يقف ببدلته الفاخرة فوق ركام الأشلاء يعلن “الثلاثاء الجايي نعلن الحقيقة” وهو كان يعلم ولم يبلغ، وصمت في قبره وهو بعد حي. جميعهم كانوا يعلمون والتزموا الصمت القاتل. هددوا القاضي، هددوا الأهالي، ممنوع أن تكشفوا الحقيقة التي احترقت من وهج التفحير، ممنوع أن تصرخوا، أقفلوا أصواتكم وموتوا بعد كل يوم ألف مرة مع العدالة. أين العدالة يا الله، وينك يا يسوع، أين الرب من هذه الوحشية؟ يحق للأهالي أن يسألوا إلههم الى أي دين انتموا، والرب يسمع جيًدا والله يرانا ويراهم، والعدالة التي ما زالت تزورب عند الإرهابيين الذين فجروا بيروت، بدأت تتحقق على مهل، ونحن نراقب دمارهم. الرب لا يترك مظلومًا، وستتحقق العدالة مهما حاولوا الهرب منها، ستتحقق لأجل كل العيون التي حرقها الإرهابي وحرق قلب بيروت ولبنان معها.

4 آب هذه السنة مضرج بعذاب الذكرى أكيد، ولكنه عالم على خيط أمل قوي بأنه صار بالإمكان المضي في فتح الملف وإصدار قرار ظني، وجر المتهمين الى التحقيق، طالما الإحتلال الإيراني بدأ يشيح بسطوته عبر عملائه عن دوائر العدل في لبنان، ولن يدخل بعد اليوم إرهابي بحذاء مقدوح الى قصر العدل يهدد القضاة إذا ما تابعوا التحقيقات. انتهى ذاك الزمن الأسود، ولعل قريبًا يرفع الأهالي الحجاب الأسود عن قلوبهم عندما ترتفع العدالة لأجل ضحايا 4 آب، ولن يرتاح الضحايا قبل أن نرى ذاك المشهد المنتظر، سجون تبتلع المتواطئين، ومشانق تعلق رؤوس المخططين والله كبير…

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل