

اعتمر قلوسة البطاركة الحمراء، لبس عظمة قفطان البطاركة الموارنة وقداسة المقاومين في وادي قنوبين، تعطّر بنضال أسلافه البطاركة لأجل كرامة لبنان وسيادته. لم يشأ يومها أن يبقى لبنان عبدًا ذليلًا للمحتل السوري، الذي لطالما عرقل مصالحة أبناء البلد الواحد. وكان أصدر قبل عام تمامًا بيان البطاركة الموارنة الشهير الذي طالب فيه وبالمباشر، بجلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان، بيان كتبه بخط يده المباركة، وأعلنه على مسؤوليته الخاصة، من يومها بدأ قلب الاحتلال وعملائه، يتورم حقدًا على البطريرك الذي رفض زيارة سوريا، فقرر زيارة الجبل وتكريس المصالحة التاريخية مع زعيم الدروز آنذاك وليد جنبلاط.
تزنّر جيدًا بإسكيمه، استقل سيارة البلايموس العتيقة وذهب بموكب متواضع، مرّ الى الجبل والتقى وليد جنبلاط وأهل الجبل، ودوّى اللقاء في أرجاء لبنان كله. تحققت المصالحة أخيرًا بين المسيحيين والدروز، تجرأ أحدهم أخيرًا على إعلان النية وتقاطعت النوايا عند هدف واحد اسمه لمّ الشمل من شتات حرب جبل قاسية، وحصلت المصالحة التاريخية التي لم تكن مجرد محطة، بل مسيرة وطن.
انتهت زيارة الجبل التاريخية وصوت مفاعيلها، وعاد البطريرك بقلب مفعم بالأمل بأن ما حصل في الجبل سينسحب تدريجًا على لبنان كله، وأن اللبنانيين إذا ما التقوا على هدف واحد وقلب واحد، هم قادرون على طرد أي احتلال مهما بلغت ترسانته وبطشه.
لعل البطريرك لم يكن يتوقع ما سيحصل وهو في طريق عودته من الجبل، أي يوم 7 آب وأيضًا 9 آب، كان يظن أنه سيكون للاحتلال وأزلامه الصغار، بعض من حياء بأنه على الأقل لن يتعرضوا بهذه الوحشية للحشود التي كانت في استقبال البطريرك أثناء عودته، لم يكن ليتوقع بأنهم سيبدعون في التنكيل بالشباب اللبناني الحرّ المرحب بعودة بطريركهم، بطلهم، ملهمهم، من الجبل، متوجًا بمصالحة تاريخية، بقي الاحتلال حتى اللحظات الأخيرة مراهنًا على فشلها وعدم تحقيقها، ولكن الصفعة دوّت، وحصل ما لم يكن يريد الاحتلال ورغمًا عن إرادته… جنّ جنونه، فقد أعصابه، فقرر الانتقام من البطريرك تحديدًا ومن الثوابت اللبنانية وكل السياديين، فأمر عدنان عضوم وجميل السيد، عملاء الاحتلال السوري “الأوفياء”، بأن يبطشوا بالذين استقبلوا البطريرك وأن يحوّلوا ليلهم نهار، وأجسادهم الى بقع دماء علّها تلقنهم بأن الحرية والسيادة والتعبير عنهما وعن كل تلك القيم المقدسة، هي من المحرمات، وأن مصير كل حرّ التعذيب والاعتقال والاغتيال، فكانت تلك اللحظات العظيمة، التي شهدت عليها شخصيًا… هناك، عند كوع عاريا والكحالة بالتحديد، قبل أن تتوسع الى مناطق مسيحية اخرى.
إنهال النظام الأمني السوري اللبناني على الشباب بالضرب بأكعاب البواريد، وبالرفس بوحشية غير اعتيادية. أوقفوا مواكب سياراتهم، أنزلوهم منها بالقوة، صبايا شباب رجال لا يهم، فكل من هلّل للبطريرك هو عميل للبنان، وكل من هلّل للمصالحة التاريخية هو مجرم، وكل من ينده على وحدة اللبنانيين سينال أشد العقاب وهذا ما حصل.
أشعل الاحتلال وعملاؤه الأرض بالتنكيل، وجعلها المناضلون مقاومة ورفضًا وعنادًا، تحت الضربات وخراطيم المياه والدخان، وفي النظارة تحت وابل التحقيقات والإساءات، قالوا لهم نعم لسيدنا البطريرك و10452 مليون لا للاحتلال السوري ولكل هؤلاء العملاء السفهاء.
كان شباب لبنان يُعتقل يُضرب يُنكّل به، وما كان يسمى آنذاك برئيس البلاد إميل لحود، يبتسم سعيدًا لان اللبنانيين يُنكل بهم، وغاضبًا في آن لأن هؤلاء تجرأوا على التصدي ومواجهة أحباب قلبه، أي النظام السوري المجرم.
لم يكن يعلم أن تلك الرفسات والاعتقالات والتحقيقات كانت أوسمة شرف تعلّق على صدور نضال الشباب اللبناني الحرّ. لم يكن يعلم أن ضربات السوري الذليل على وجوه شبابنا ستعلم لاحقًا حرية وانعتاقًا واستقلالًا واندحارًا ذليلًا لذاك الجيش الأسود المعالم، وأن إميل لحود سيصبح واحدًا من أسوأ الرؤساء الذين عينهم النظام السوري رئيسًا ليكون عبدهم الذليل.
لم يكن يعرف كل هؤلاء أن بطلًا عظيمًا من لبنان اسمه البطرك صفير، لقّن الاحتلال دروسًا لن ينساها، أدّت لاحقًا الى إعلان استقلال لبنان الثاني، والى مصالحة متجذرة لن تغيرها لا أنظمة ولا قوانين ولا رؤساء، وأن 3 و7 و9 آب تاريخ مجيد من تاريخ الأمة اللبنانية، سطّر حروفها بطريرك ماروني، ومشى على السطور المذهبة شباب وصبايا، نساء ورجال وأطفال، حسبهم أنهم عاصروا بطريركًا عظيمًا، فقرروا أن يحملوا تلك الوزنة العظيمة ليكون إرثهم دائمًا لبنان سيّد حرّ مستقل مثل أنفاس البطاركة الموارنة المناضلين لأجل المسيح ولبنان، المغمسين بعبق وادي قنوبين وأرز لبنان، فاشهد يا زمن على كل ذاك التاريخ…
