
ضجّت طوال الأسبوع الماضي وسائل إعلام “الحزب” وتصدرت شاشاتها وصفحاتها الورقية والإلكترونية، تغريدة رئيسة برنامج الشرق الأوسط “ستيمبسون” في واشنطن، الباحثة رندا سليم، التي انتقدت فيها أداء الوفد اللبناني المفاوض بقولها: “سلوك الوفد اللبناني في المفاوضات سيصبح حالة تدرس بوصفها مثالًا على سوء التفاوض”. التقط النائب ابراهيم الموسوي هذه التغريدة وأعاد نشرها تحت عبارة “هل كنا نتوقع نتيجة غير هذه من وفد يرأسه الفاشل سيمون كرم ويديره جوزيف عون (رئيس الجمهورية)؟
إن الاستناد الى موقف “رندا سليم” كمرجع يُحاجج منه للنيل من الرئيس ويقارع به لإعلان فشل المفاوضات والمفاوضين “كحجة ضائعة ولقيناها”، غير موفق، لأنه يُقابَل بمواقف كثيرة أعلنتها الباحثة من واشنطن، من شأنها لو استند اليها نائب “الحزب” وإعلاميوه ولو أعادوا نشرها، أن تعيد الموسوي وجماعته الى صوابهم، لأنهم كانوا قرأوا فيها على سبيل المثال لا الحصر قول سليم في 27 تموز من العام 2025 إن “الحل في لبنان يدور عبر معبر هو حصرية السلاح بيد الدولة. أنا ما بحب مصطلح نزع السلاح لأنه هيدا بيعني في فريق خاسر وفي فريق رابح”، مؤكدة في 27 تشرين الأول من العام 2025، “أن نزع السلاح أو حسمه سيكون شرطًا أساسيًا لملف إعادة الإعمار”.
في شهر آذار من العام 2026 وبعد أن انخرط “الحزب” في معركة زج لبنان في أتون إسناد إيران، تساءلت سليم كما تساءل الموسوي عن التوقعات، وعن “ما هي قدرات الحزب كي يتدخل في حرب تقودها وتخوضها أميركا وإسرائيل”.
ومن التوقعات نزيد على شعر ابراهيم الموسوي بيتًا من نظمه، غرده في 1 تشرين الأول من العام 2025 على إكس:
“حملة تهويل شديدة لدفعنا إلى الاستسلام تحت عنوان نزع السلاح. يزعمون أن غزة ستنتهي، وأن الحرب واقعة على لبنان وإيران، بكل بساطة وهدوء وإيمان ثابت، نقول ما قاله الله سبحانه وتعالى، الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل”.
وطبعًا كانت توقعات الموسوي كاستناده، غير موفقة.
لم يقتصر فشل “الحزب” عندما كان قرار الحرب بيده في المواجهات على ما تبيّن من نتائج كارثية على الساحة اللبنانية حجرًا وبشرًا، بل سبق لـ”الحزب” أن فشل عندما كان ممسكًا بقرار السلم، إن خاض مفاوضات بالمباشر أو بالواسطة وبالتفويض… فمنذ تفاهم نيسان من العام 1996 وترسيم الخط الأزرق بعد الانسحاب الإسرائيلي والقرار 1701 في العام 2006 والترسيم البحري في العام 2022 واتفاق وقف إطلاق النار في العام 2024 وصولًا الى إجبار لبنان على التفاوض بعد استجرار الاحتلال الإسرائيلي واستجلاب القتل والدمار، لم ينجح “الحزب” الا بتراكم خسارات لا إنجازات…
ومن حديث ابراهيم الموسوي ومقاربات الرئيس نبيه بري، نفهم بأن التوقعات من المفاوضات مرهونة بنتائجها لا بمبدئيتها أو شكلها المباشر أو غير المباشر، فلو كان سيمون كرم على سبيل المثال “غير فاشل” لقبل بها “الحزب”، ولو أن المناطق التجريبية أو النموذجية فد طبقت على القضاء أو القرى المحتلة، لقبل بها الرئيس بري…
هنا لا بدّ أن نتوقف مع الموسوي ومع الرئيس بري على المرحلة التي “خرج منها الحزب منتصرًا” في اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني من العام 2024 بعد أن خاض معركة اولي البأس وبعد أن خاض مفاوضات مفوِّضًا فيها نبيه بري، ليبدو أن الثنائي يومها لم يكن أشطر من الدولة اللبنانية المتحررة من سلبطة “الحزب”، إذ يوثق كاتب “الحزب” ابراهيم الأمين في أخباره عن “الخديعة” التي وقع “الحزب” فيها ووقّع عليها وزراؤه ومسؤولوه وتباهى بها أميناه العامان نصرالله وقاسم، إذ كتب الأمين في افتتاحيته في 4 تموز من العام 2025: “هؤلاء، لا يريدون أن يقرّوا بأن الخطأ الذي ارتُكب خلال عملية التفاوض، وأدّى إلى الاتفاق الذي حصل من دون ضمانات واضحة، هو السبب في أن العدو قَدر على الدخول إلى بلدات كثيرة في الجنوب، وعمل على تهديمها. كما أن هذه الأخطاء هي المسؤولة أيضًا عن استمرار الخروقات الإسرائيلية… طبيعة التفاوض التي جرت في تلك المرحلة لم تكن طبيعية بشيء، ولأن نقصًا في التنسيق، كما في التواصل والنقاش، أدّى إلى ما حصل من اتفاق، وما نتج عن ذلك من أهوال، هناك مناخات تسود أوساطًا برجوازية شيعية حديثة العهد، تربطها علاقات برجالات نافذة في المنطقة، تطالب الحزب بوقف المقاومة. ثم يُشار إلى أن أوساطًا قريبة من الرئيس نبيه بري، على أنها هي أيضًا، تعتبر أن الشيعة في لبنان قاموا بواجبهم تجاه القضية الفلسطينية، وأنه آن أوانُ الاهتمام بالوجود الشيعي.”
كما نتوقف عند “شطارة” التفاوض المباشر الذي خاضه مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في “الحزب” الحاج وفيق صفا مع دولة الإمارات التي قصفها الإيراني أكثر من ما قصف العدو الإسرائيلي، كونها مقرًا للقواعد الأميركية وممرًا للاعتداءات الإسرائيلية، وكونها تقيم أطيب العلاقات الأمنية والاقتصادية مع الكيان الإسرائيلي الغاصب، ففي 18 آذار من العام 2024 توجّه الحاج وفيق صفا الى الامارات على متن طائرة خاصة يرافقه شخصان للتفاوض على إطلاق “معتقلين لبنانيين” في الإمارات، وعاد الحاج من دون أي معتقل، ولكن مع أخبار ذُكِرت في حينها عن تزامن وجود مسؤول أمن “الحزب” مع زيارة مسؤول أمني إسرائيلي من الموساد لدولة الإمارات، ومع إشاعات ظهرت لاحقًا عن لقاء عقد بين الطرفين اللدّودين، ومع حقيقة ناصعة باستمرار اعتقال اللبنانيين الشيعة ومحاكمتهم ومع إصدار أحكام جنائية مبرمة بحق بعضهم.
لتصح كلمة الرب في الكتاب المقدس في انجيل لوقا 41:6 لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلَا تَفْطَنُ لَهَا؟
.jpg)