Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ من فجر السيادة إلى فجر الولادة (د.ميشال الشمّاعي)

يطلّ شهر أيلول علينا هذه السنة، لا كما كان يطلّ في السنوات الماضية، بل يأتينا مثقلًا بذاكرة الشهادة، ومضيئًا بوعدٍ طال انتظاره؛ وعد ذلك الوطن الذي حلمنا به طويلًا، والذي من أجله مضى الذين أحببناهم إلى ذلك “الهناك”، تاركين “الهنا” لنا، لكي نبقى نحن في الحياة. وهكذا بقينا.

يطلّ أيلول، ونحن ننتظر أن يطلّ علينا الوطن. ليس أيّ وطن، بل الوطن الذي حملناه في قلوبنا قبل أن نحمله على أكتافنا، والذي استشهدوا هم لكي يولد. الوطن الذي لم يطلبوا منه مكافأة، ولم ينتظروا منه جزاءً، بل أعطوه أعمارهم لأنّهم آمنوا بأنّ الأوطان لا تولد بالكلمات، بل بالتضحيات، ولا تُصان بالوعود، بل بالدماء.

شهداؤنا هذه السنة لا يعودون إلينا مجرّد ذكرى. إنّهم يعودون إلينا سؤالًا، ويقينًا، ووعدًا. يحملون في ذكرى استشهادهم أمل الوصول إلى الوطن الذي نريده؛ بل إلى الوطن الذي هم أرادوه قبلنا، وحلموا به قبل أن نعرف نحن معنى الحلم، ومضوا إليه قبل أن نعرف نحن معنى الوصول.

إنّه الوطن الذي لم يولد من فجر الشهادة حتى اليوم. وما أطول المخاض عندما يكون المولود وطنًا! لقد قدّمنا من أجله فلذات أكبادنا عبر التاريخ، منذ نشأتنا الوجودية، إلى نشأتنا الكيانية، وصولًا إلى نشأتنا الاستقلالية الأولى والثانية. وكلّما ظنّوا أنّ القافلة توقّفت، وجدونا نسير في مقدّمتها، وكلّما اعتقدوا أنّ التعب نال منّا، وجدونا نصنع من تعبنا طريقًا جديدًا.

ما زالت القافلة تسير. ونسير في طليعتها. حتى إنّنا لم نعد نسير فيها فحسب، بل صرنا من طبيعتها؛ صرنا بعضًا من مسيرتها، وبعضًا من قدرها، وبعضًا من ذلك الإصرار الذي لا ينكسر مهما طال الليل.

هذه شهادتنا. وهذا إيماننا. وهذا يقيننا بأنّ النضال الذي بدأ منذ فجر التاريخ، منذ فجر الشهادة، قد وصل اليوم إلى فجر السيادة؛ وأنّ السيادة ليست نهاية الطريق، بل بداية الولادة. ولأنّ الوطن الذي نريده لا يُولد إلّا حرًّا، فإنّ فجر السيادة سيقود حتمًا إلى فجر الوطن.

هذه السنة نحتفل بهذه الذكرى، وأمام أعيننا صمود أهلنا في قرى الجنوب الحدودية؛ تلك القرى التي حاولوا أن يجعلوا منها حدودًا للنسيان، فجعلها أهلها حدودًا للثبات. هناك، سطّر رفيقنا “الحنتوش” ملاحم بطولة الصمود، يوم قرّر أن يبقى. بقي ليبقى الجنوب مسيحيًّا. وبقي ليبقى الجنوب لبنانيًّا. بقي لأنّ الأرض التي تُترك تموت، ولأنّ البيوت التي تُهجر تتحوّل إلى ذاكرة، ولأنّ الإنسان إذا تخلّى عن أرضه، وجد يومًا أنّ الأرض قد أصبحت غريبة عنه. فكان بقاؤه فعل إيمان. وكان صموده فعل مقاومة. وكان قراره أن يقول للريح التي أرادت اقتلاعه: لن أمرّ من هذه الأرض عابرًا، لأنّني منها ولأنّها منّي. بقي، ليعود الجنوب لبنانيًّا، بعدما أُريد إخراجه من الصيغة الكيانية، خدمةً للمشروع التوسّعي الإيراني الذي تقوده منظّمة “الحزب”.

ونحتفل هذه السنة، ودماء رفيقنا باسكال سليمان لا تزال تقضّ مضاجعنا وتهزّ ضمائرنا. لا نريد من دمائه خطابًا. ولا نريد من قضيّته موسمًا. نريد العدالة. العدالة التي نريدها، والتي يريدها شهداؤنا. أمّا الحقيقة، فنحن نعلمها. نعلمها مهما حاولوا إنكارها، ومهما أداروا وجوههم عنها، ومهما ظنّوا أنّ كثرة الكلام تستطيع أن تُسكت شهادة الدم. فالدم يعرف قاتله، ولو ضاع القاتل بين الكلمات. والذاكرة تعرف ما حدث، ولو حاولوا أن يكتبوا للتاريخ ألف رواية أخرى. فرواية التّاريخ الحقيقيّة غير قابلة للاستثمار أو حتى للانكار.

لذلك كلّه، دماء باسكال تصرخ اليوم مع دماء شهدائنا الأبرار، وترتفع دموع الذين أحبّهم باسكال قربانًا على مذابح الشّهادة لتزيد قرابين الوطن قربانًا طاهرًا. فالأوطان لا تحيا إلّا بتقديم القرابين. تمامًا كالوطن السماوي الذي قدّم مخلّصنا ذاته بطبيعتيها ليحيي هذا الوطن في كياننا، بعدما سقطنا في خطيئة نكران الإله المزروع في ذواتنا.

هكذا دماء باسكال ارتقت لتصبح هي بحدّ ذاتها القربان الذي سيحي الوطن الجديد لأولاد باسكال ولأولادنا جميعًا. فالويل لنا إن تجرّأنا يومًا على إنكار هذه القرابين كلّها!

ونحتفل هذه السنة، والعدالة الناقصة لم تُنصف بعد رفيقنا رولان المرّ، الذي استشهد لتبقى الأشرفية، وتبقى بيروت، على خطى ذلك البشير الذي ما إن سمع بشارته، حتى ارتقى شهيدًا. جاء إلى خاصّته، وخاصّته لم تقبله. بل أنكرته. وخوّنته. وقتلته. لكنّ الذين ظنّوا أنّ الرصاص يقتل الفكرة، لم يعرفوا أنّ الأفكار التي تُسقى بالدماء لا تموت. قتلوا الجسد، وبقي البشير. حاولوا أن يطفئوا الصوت، فصار صوته أصواتًا. أرادوا أن تنتهي المسيرة عند قبره، فإذا بها تبدأ من هناك. واستمرّت المسيرة، مع كلّ الذين استحقّوا أن يحملوا إرث البشير، لا ليعيشوا في اسمه، بل ليبقوا أمناء للمعنى الذي استشهد من أجله: أن يبقى لبنان.

نلتقي اليوم، وتجمعنا هذه الذكرى، ولو بطريقة مختلفة عن سابقاتها. لكنّ التاريخ، حين يعجز عن أن يهزم شعبًا، يعود إلى دفاتره القديمة، ويجرّب فيه الأساليب نفسها. ولأنّ يد الشيطان لا تتعب من تكرار نفسها، وبفضل معاونه الإسخريوطي، قد يحاولون أن يعيدوا إلينا تجارب التاريخ التي لا نريد تكرارها. لكنّهم ينسون أنّنا حفظنا الدرس.

نلتقي اليوم، ولقاؤنا يتميّز بوجودنا في قلب مؤسّسات الدولة. قد لا نكون قد وصلنا بعد إلى كلّ ما نريد، وقد لا تكون الدولة التي حلمنا بها قد اكتملت بعد، لكنّنا نسير في طريقها. نحن على فجر السيادة. ويقيننا أنّنا سنصل. لا لأنّ الطريق سهلة، بل لأنّنا نسير على خطى شهدائنا.

نلتقي اليوم، وندرك تمامًا أنّهم يخافون من لقائنا، كما خافوا يوم التقى شهداؤنا على جبهات الصمود. خافوا لأنّهم عرفوا أنّنا إذا اجتمعنا، بقينا. ولأنّنا بقينا، لم يتوقّفوا عن محاولة إلغائنا. لكنّنا نعرفهم. والتاريخ يعرفهم. وكلّ محاولة لإلغائنا لا تفعل سوى أن تُظهر حقيقتهم أكثر. أمّا نحن، فقناعتنا أنّ من لا يتعلّم من التاريخ، يتكفّل التاريخ نفسه بمهمّة إلغائه. وقد أثبت التاريخ صوابية المسار والقرار الذي اتّخذه رفاقنا الشهداء ذات يوم.

وها هو اليوم، عند كلّ مفترق، يعود ليؤكّد صوابية الخيارات التي اتّخذناها نحن، على خطى شهدائنا، وبصلواتهم وإلهاماتهم لنا. وليعلم الذين يسمعون قرع أجراسنا اليوم أنّ أجراسنا ستبقى ناقوس قلقهم في لبنان وفي هذا الشرق. لأنّ الجرس ليس مجرّد صوت. إنّه إعلان وجود. إنّه صوت بيتٍ لم يتركه أصحابه. وصوت كنيسة لم تُطفأ شموعها. وصوت شعبٍ يرفض أن يُمحى من أرضه. وإن نجحوا يومًا في إسكات الأجراس، فصيحات الدماء أقوى من أصوات قرعها. فالدم الذي سُفك من أجل البقاء لا يصمت. والدماء تعرف كيف تعود لتقرع في ضمير التاريخ.

فحذارِ من لعبة التاريخ. حذارِ من الذين يظنّون أنّهم يستطيعون كتابة المستقبل بممحاة الماضي. لأنّ لاعبي هذه اللعبة ساقطون حتمًا. هكذا علّمتنا التجارب. شهداؤنا لم يخافوا يومًا. ساروا في درب الشهادة حتى صاروا رمزًا لها. وهكذا نحن اليوم. لم نخف. ولن نخاف. لن نخاف من أيّ مواجهة قد تعود وتطلّ برأسها على مجتمعنا. من الميدان إلى السياسة، سنكون في طليعة المواجهة. هكذا كنّا. وهكذا سنبقى. وقوّات الجحيم لن تقوى علينا.

على الذين يسمعون قرع الأجراس في قدّاس اليوم أن يرتعدوا إن كانوا أبناء الظلمة. فالظلمة، مهما طال ليلها، لم تغلب النور يومًا. والنور لا يحتاج إلى أن يهزم الظلام؛ يكفي أن يظهر حتى يتراجع الظلام. لذلك أشرق فجر السيادة. ومن فجر السيادة سيولد فجر الولادة. تلك الولادة التي كانت صعبة، لكنّها لم تستنفدنا يومًا، لأنّنا أبناء هذا النور. من فجر الشهادة إلى فجر السيادة. ومن فجر السيادة إلى فجر الولادة. ولادة الوطن الذي استشهدوا هم في الماضي القريب والبعيد ليولد اليوم. وهو يولد اليوم مع قائد لهذه المسيرة لم يعرف الخوف، ولا الراحة، ولا التعب. قائد سار أمام خرافه لأنّه راعٍ صالح. لم يهرب ويتركها يوم جاء الذئب ليخطفها. بل سارع إلى تقديم نفسه فداءً عنها. لأنّه آمن بأنّ الراعي لا يقود من الخلف عندما تقترب الذئاب، بل يقف في المقدّمة. وآمن بأنّ فجر الشهادة ليس نهاية الطريق. فانتصر على جلّاديه. وعاد النور إلى الفجر.

واليوم، يشرق الوطن. لا من فراغ. ولا من منّة أحد. بل من دماء الذين سبقونا، ومن تضحيات الذين صمدوا، ومن إيمان الذين لم يتركوا الراية تسقط. يشرق الوطن الذي استشهدوا هم ليولد. يولد لأجلنا. ولأجل أولادنا. ولأجل أحفادنا من بعدنا. وإكرامًا لتضحيات آبائنا وأجدادنا الذين سبقونا. استشهدوا لكي نبقى. وتعبوا لكي نبقى. وقاوموا لكي نبقى. ونحن سنبقى. مهما تغيّرت الوجوه. ومهما تبدّلت الأزمنة. ومهما عاد التاريخ ليختبرنا. سنبقى.

إقرأ أيضًا

Exit mobile version