
في وقتٍ تشتعل فيه جبهة الجنوب تحت وطأة غارات وتدميرٍ منهجي يطوّق النبطية ويقترب من عزلها إثر سقوط تلال “علي الطاهر”، تقاطعت التحركات الدبلوماسية لتوجيه رسائل حاسمة تُعرّي سرديات محور السلاح. وترى مصادر دبلوماسية وسياسية مواكبة في هذا السياق، أن المشهد اليوم يضع الدولة “الحبلى بالتأجيل والتردد” أمام اختبار الأفعال؛ إذ حققت الدبلوماسية السيادية اللبنانية خرقاً بارزاً بالإجماع العربي في القاهرة، تزامناً مع موقف أميركي عالي النبرة من الحازمية يضع “البيئة الشيعية” أمام مسؤوليات الخلاص من ارتهان الفصيل الإيراني لخطابات الوهم.
حسم في القاهرة: تبنٍّ عربي شامل للشروط السيادية
إذاً، توقفت مصادر دبلوماسية من القاهرة عند المقررات الختامية للدورة 166 لمجلس جامعة الدول العربية. واعتبرت، أن هذه القرارات مثّلت نجاحاً باهراً لوزير الخارجية يوسف رجي الذي تبنى المجلس مندرجات كلمته أمامه بالكامل.
وأكدت المصادر لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن العرب، وربما لأول مرة بهذا الوضوح، تبنوا بالإجماع “حق الدولة اللبنانية الحصري في اتخاذ قراراتها الوطنية السيادية بعيداً من أي تدخلات”، معلنين دعمهم لإجراءات “استعادة صلاحية قرار الحرب والسلم، وحصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، استناداً إلى اتفاق الطائف والقرار 1701”.
وتلفت المصادر ذاتها، إلى أن هذا التضامن العربي غير المسبوق حظر صراحة “النشاطات العسكرية والأمنية خارج إطار القانون”، وطالب بـ”وقف التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية”، وهو ما يمنح لبنان فرصة ذهبية لترميم صورته وعزل مفاعيل الدويلة التي أمعنت في عزله عن محيطه العربي.
واشنطن تكشف الخديعة وتُحمّل المسؤولية
على مقلب الحراك الأميركي في بيروت، قرأت أوساط سياسية متابعة كواليس اللقاء الذي جمع السفير الأميركي ميشال عيسى مع نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب.
وأشارت المصادر لموقع “القوات”، إلى أن الموقف الأميركي حمل وضوحاً استثنائياً؛ إذ تعمَّد السفير عيسى مخاطبة “القسم التابع للحزب” داخل الطائفة الشيعية، مُحرّكاً تساؤلات الوجدان الشيعي حول من المسؤول عما أصاب الجنوب من دمار وتشريد.
السفير عيسى أعلن صراحة: “لدينا مشكلة أننا لا نستطيع الوصول إلى نتيجة مع قسم من هذه البيئة، وأن صالح هذه البيئة هو بأن يفهم هذا القسم ما هي مسؤولياته”. ورأت المصادر المواكبة في هذا التصريح، تحميلاً عسكرياً وسياسياً مباشراً لـ “الحزب” بتبديد فرص الإنقاذ.
مطالب الخطيب.. سرديات ثبت بطلانها
وفي المقابل، اعتبرت الأوساط نفسها، أن منطق الخطيب الداعي لتأجيل تسليم السلاح تحت شعار “فلتنسحب إسرائيل وعندها لكل حادث حديث”، هو استعادة باهتة ومملّة لسرديات ثبت بطلانها وبهتانها في كل الحروب السابقة؛ حيث ما إن يتوقف إطلاق النار حتى ينسى “الحزب” تعهّداته ويعود لبناء ترسانته، واستجرار حرب جديدة خدمة لأجندة طهران على حساب دماء اللبنانيين وأمنهم ومستقبلهم.
ميدان الجنوب: كماشة النار تلتهم أوهام “القوة”
ميدانياً، ترتبط هذه التحولات بالتطويق الناري العنيف المحيط بالنبطية والبلدات الساحلية كالمنصوري والقليلة ومجدل زون بعد سقوط تلال “علي الطاهر” الاستراتيجية وتفجير أكثر من 40 نفقاً عملياتياً. وتؤكد القراءات العسكرية أن هذا التدحرج المتسارع يعرّي بالكامل “القوة الكرتونية” لـ”الحزب”، ويهدد بفتح مسالك التوغل الإسرائيلي نحو صور والنبطية وفصل الجنوب كلياً عن عمقه البقاعي، وسط عجز مريب وتراخٍ رسمي من الدولة العميقة في تمكين الجيش اللبناني من التقاط حبل النجاة الأميركي، ما يهدد بتبديد زخم مفاوضات روما وإعطاء تل أبيب الضوء الأخضر المفتوح للقضم والتدمير.
أفق الإنقاذ: ممر إلزامي نحو الدولة الفعلية
وفي السياق، تعتبر مصادر سياسية مخضرمة “واكبت الأزمات المتعاقبة ولعبت أدواراً بارزة في محطات عدة”، أن التطورات الراهنة تشكل “الفرصة التاريخية” التي يُحظر على المسؤول اللبناني تضييعها. وترى المصادر، عبر موقع “القوات”، أن الطرح الوطني والدستوري والميثاقي الذي قُدِّم لهذا “الحزب” لتسليم سلاحه وحل بنيته العسكرية والأمنية، هو الممر الإلزامي والحل الأفضل لإنقاذ الكيان؛ ولكن في حال استمرار الرفض والارتهان لطهران، يصبح واجباً وجودياً على الدولة الرسمية ومراكز القرار أن تحسم أمرها وتضع حداً نهائياً لهذا النزيف المستمر، والانتقال فوراً من “الدولة الصورية” إلى “الدولة الفعلية” الحاضنة لجميع أبنائها تحت سقف القانون والدستور.
اقرا ايضاً:
خاص ـ لبنان و”الفرصة التاريخية”: إلى الدولة “الفعلية” أم يضيّعها “المسؤول”؟ (أمين القصيفي)
خاص ـ الجيش في النبطية.. بين “الانتشار المتردد” و”الانسحاب التكتيكي”!