Site icon Lebanese Forces Official Website

تغيير الوزراء لا يكفي.. أصل العلّة في بنية الدولة (المحامي ميشال فلاّح)

يدور الحديث عن إمكان إجراء تعديل في حكومة الرئيس نواف سلام، على خلفية ملاحظات واعتراضات على أداء عدد من وزرائها، فيما تتحدث الأوساط السياسية عن ظروف داخلية وخارجية تجعل تغيير الحكومة بكاملها خيارًا أكثر تعقيدًا. قد يكون تغيير وزير أو أكثر مشروعًا، بل ضروريًا متى ثبت الإخفاق السياسي أو الإداري. فالحكومة ليست ناديًا دائمًا، والوزارة ليست حقًا مكتسبًا. لكن السؤال الأهم، هل تكمن أزمة الدولة اللبنانية فعلًا في الوزراء؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

 

الوزير يحكم دستوريًا.. ولكن من يدير فعليًا؟

المادة 66 من الدستور واضحة، فقد نصت على ان الوزراء “يتولون إدارة مصالح الدولة” ويُناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين، كلٌ في ما يتعلق بإدارته. كما يتحمل الوزراء مسؤولية سياسية أمام مجلس النواب. أما المادة 65 فتجعل مجلس الوزراء المرجع الذي يتولى السهر على تنفيذ القوانين والأنظمة والإشراف على أعمال أجهزة الدولة. أي أن الوزير ليس زائرًا سياسيًا في وزارته. إنه رأسها الدستوري وصاحب السلطة التسلسلية على إدارتها. وهذا ما تؤكده أيضًا القواعد الناظمة للإدارات العامة.

لكن بين النص والواقع مسافة شاسعة. فالوزير يأتي ويذهب، بينما الإدارة باقية، والمقصود بها مدير عام، ومديرون، ورؤساء مصالح ودوائر وأقسام، وأجهزة ومؤسسات عامة، وموظفون يملكون ذاكرة الإدارة وخبرة النصوص ومفاتيح المعاملات ومسالكها. وهنا تنشأ مفارقة لبنانية لافتة، إذ أن الوزير يتحمل المسؤولية السياسية، فيما قد تكون أدوات التنفيذ الفعلية موزعة على جهاز إداري شديد التعقيد لا يستطيع تغييره بمجرد قرار. فالمدير العام ليس، قانونًا، “إمبراطورًا” مستقلًا عن الوزير. لكن بعض المديرين العامين يستطيعون، بفعل الاستمرارية والخبرة وتراكم الصلاحيات والمعرفة الدقيقة بمفاصل الإدارة، اكتساب نفوذ عملي هائل. يأتي الوزير لأشهر أو سنوات، بينما يكون المدير قد أمضى سنوات طويلة يعرف أين يمر الملف، وأين يتوقف، وأي نص يسرّعه وأي تفسير يدفنه.

 

هل هذه هي “الدولة العميقة”؟

ربما لا يكون التعبير دقيقًا بمعناه السياسي التقليدي، إذ لا توجد بالضرورة غرفة سرية تدير الوزارات من خلف الستار. الأدق الحديث عن “إدارة عميقة” تكونت عبر عقود من التشريعات المتراكمة، والمصالح، والتوازنات السياسية والطائفية، والحمايات، والروتين، وتشابك الصلاحيات. وهذه البيئة مثالية لنمو الفساد البنيوي. فالفساد ليس دائمًا رشوة توضع في ظرف. قد يكون نظامًا يجعل إنجاز المعاملة بصورة طبيعية أمرًا استثنائيًا، ويمنح من يعرف دهاليز الإدارة قدرة على تسريعها أو تعطيلها. وقد يصبح التأخير نفسه سلطة، والغموض سلطة، واحتكار المعلومة سلطة.

والدليل أن المرسوم الاشتراعي 111/1959 أتاح منذ عقود تحديد مهام الموظفين وأصول إنجاز المعاملات ومهلها. ومع ذلك، تقر وزارة التنمية الإدارية بأن معظم الإدارات لم تبادر إلى تطبيق هذه الآليات على النحو المطلوب، ولذلك ما زال مشروع توصيف الوظائف وتحديد المسؤوليات مطروحًا كجزء من تحديث الإدارة. أي أننا لا نعاني دائمًا من غياب القانون، بل كثيرًا ما نعاني من عدم تطبيق القانون.

 

أجهزة رقابة كثيرة.. ومحاسبة أقل

لبنان، للمفارقة، غني بأجهزة الرقابة: ديوان المحاسبة، التفتيش المركزي، مجلس الخدمة المدنية، الهيئة العليا للتأديب، القضاء، ولاحقًا الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة الشراء العام. المشكلة ليست في تعداد المؤسسات، بل في السؤال عن النتيجة. فإذا تعددت أجهزة الرقابة وبقيت المسؤولية مشتتة، وإذا استغرق اكتشاف المخالفة أو المحاسبة عليها سنوات، وإذا بقي المسؤول السيئ في موقعه لأن منظومة الحماية أقوى من منظومة المساءلة، نكون قد صنعنا رقابة على الورق أكثر منها رقابة منتجة.

وليس مصادفة أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد نفسها شددت على التنسيق بين ديوان المحاسبة والتفتيش المركزي ومجلس الخدمة المدنية والهيئة العليا للتأديب، وعلى تعزيز قدراتها وتوضيح مسؤوليات الموظفين وتقييم أدائهم وفق قاعدة الثواب والعقاب.

 

لا نريد وزيرًا أقوى.. بل دولة أقوى

الحل، إذًا، ليس منح الوزير سلطة مطلقة على الموظفين. فتلك وصفة أخرى للزبائنية، وقد تجعل الإدارة تتبدل مع تبدل الحكومات. المطلوب أصعب وأعمق: إعادة هيكلة الإدارة اللبنانية من أساسها. إعادة النظر في هياكل الوزارات ووظائفها، إلغاء الإدارات المتشابهة والمتداخلة، تحديد واضح للصلاحيات، توصيف كل وظيفة، وضع مؤشرات قابلة للقياس للإنتاجية، اعتماد المهل الإلزامية، رقمنة المعاملات بحيث يمكن معرفة أين توقف الملف ومن أوقفه، وتفعيل أجهزة الرقابة والقضاء الإداري والتأديبي بحيث تصبح للمخالفة نتيجة وللتقصير ثمن.

بل إن مشروع إعادة تنظيم التفتيش المركزي المطروح رسميًا يتجه إلى تجاوز الرقابة التقليدية نحو تقييم الأداء المؤسسي والتثبت من حسن استخدام الموارد وتنفيذ المشاريع وفق الأهداف الموضوعة. وهذا هو التحول المطلوب، من إدارة تسأل “هل احترمت المعاملة الإجراءات؟” فقط، إلى دولة تسأل أيضًا ماذا أنجزت؟ وكم استغرق الإنجاز؟ ومن المسؤول عن الفشل؟

 

غيّروا الوزير.. ولكن غيّروا الدولة أيضًا

ليس في هذا الكلام أي حصانة لوزير فاشل. من يفشل يجب أن يحاسب سياسيًا، ومن يعجز عن إدارة وزارته لا يكفيه أن يلقي المسؤولية على موظفيها. لكن استبدال وزير بآخر، ثم إدخال الوزير الجديد إلى الآلة الإدارية ذاتها، بالقوانين المتشابكة نفسها والروتين نفسه والحمايات نفسها وغياب المحاسبة نفسه، ليس إصلاحًا. قد نغيّر السائق، لكن السيارة ستبقى معطلة.

لذلك، إذا كان النقاش اليوم حول تعديل حكومة نواف سلام، فليكن. ولكن لعل السؤال الأجدى للبنان يتجاوز أسماء الداخلين إلى الحكومة والخارجين منها: متى نجرؤ على تعديل الدولة نفسها؟ فتغيير الوزراء مع إبقاء الإدارة على حالها يشبه، في نهاية المطاف، محاولة تعبئة الماء في سلّة.

إقرأ أيضًا

Exit mobile version