#adsense

خاص ـ أيلولهم الزَّيتي.. أفخارستيَّا المتراس والقدّاس (ميشال يونس)

حجم الخط

غسلوا حللهم العتيدة بدم ابن الله ونسيج اللبان .يأتي أيلول من جباههم وجبهاتهم، فنتسابق نحن والصَّفصاف على التَّعري من أوراقنا، وصفصاف الصَّيف ليس في أوراقه أثر لوخز الضَّمير، بينما ضمائرنا تعبر هي والحياء ذلك الممر الأكثر تخشّعًا وتهيٌّبًا، المبتدئ من باحة صرح سلطانة الشهداء والبطاركة، وأشجار الأرز والسَّرو والشربين تفعِّل التَّأملات الوارفة بالزوار والنّاذرين السّائرين على رؤوس أصابعهم، كي يلقوا تحيات الأبانا والسَّلام على أحبِّ الأحبّاء، هؤلاء المتزيِّنين بطوبى “الطَّاعنين في التراب حتَّى الحريّة”!!

أين ساحات تقادم صلوات البخور، مركزيَّة، ومناطقيَّة، ورمزية، وأيلولهم مساحاتٌ مرتقاها سابع السَّماوات، وأيَّامه الثَّلاثين أجيال، لا يجوز أن تُحصى بحسب أعداد المشمولين ببطاقات الدَّعوة وكراسيَّ صفوف النَّظام المرصوص المشغول عليه. إنها أمُّ الشهيد، أينما جلست يكون عرش الأمَّة، والأب الغاصص هو أركان الكيان. جموع أخوة ورفاق والعيون مفتوحة بأوسعها، لعلَّ مصابيح المذبح الكبير تحتاج دمعًا قد تحوَّل زيتًا. كهنة المسيح يسيرون نحو الأقداس المعطاة للقديسين، قديسون اعترفت بقداستهم أجسادهم المدموغة بالرَّصاص والشظايا، وممثل أنطاكيا وسائر المشرق لا بدَّ أن يصعد إلى وليمة الدّم الزكي، ثائرًا وأمام ناظريه طيف يسوع المدمَّى يغمر أطياف وجوهٍ تنضح منها أفخارستيا القداس والمتراس معًا وأبا الحق هوَّذا أبناؤه ذبيحةً ترضيه!!

 

ثنائيَّة أسرى ومصابين

لنا مخطوفون خطفًا خنجريًا عنجريًا، وما كانت الخناجر إلاًّ غدرًا وطعنًا في الظَّهر. الغادرون الطَّاعنون من الخلف هم أشباح ذلك الزمن القاتم الصورة، الكاتم الصَّوت… أشباهًا بين الرجال كانوا تحتَ مسمَّى “مسؤولين لبنانيين” طالما غدروا بميامين السيَّادة وفتيان الحرية وأصرّوا على تسجيلهم في معاهد فنون المسالخ البشرية، وزنازين الأسمدة الكيماويَّة، وغرف المِّلح المكرَّر بالأسيد، ومكابس الجثث المهروسة.

أمَّا المصابون فهم ليسوا حقًا ذوي الجروح والندوب والأطراف المبتورة، إنَّ جراحهم وندوبهم وبتر أطرافهم ليست إلاَّ أوسمة بليغة، لم ينل أرفع منها الوطن اللبناني. كل الذين ألحدوا بقانون إيمان الشهداء هم المصائب المتأصِّلة المتواصلة سابقًا ولاحقًا. وأشدهم خطورة هم هؤلاء المصابين بداء جائحة “خلخلة المسمار الدمشقي وتكسير رأس أسد المهاجرين”، ومن بعدها ذلك “الكتاب الزَّهري” والألزهايمر العقائدي المشترك الحالّ في الوثن الأكبر وعابديه لم يترك في جمهورية العوانزة مبدأً على مبدئٍ، ومنطقًا على منطقٍ، ومعقولاً على معقولٍ، وفهمًا على فهمٍ، وهم عند فواصل الوطن الكبرى ثابتون على التَّحزب للبغاء ولسان حال الببَّغاء !!

 

البربارة ستقوم في يوم الدِّين

السَّالكون إلى ظلمة الملاهي والمراقص والمرابع الليلة برعاية آلهة الزُّهرة، قد أعادوا صياغة القديسة الشهيدة بربارة ثمَّ حوَّلوها عيدًا للأقنعة الشَّنيعة، وشناعة الوجوه المقنَّعة… وأمَّا الذَّاكرة اللبنانية العامة فقد حلَّت على بعضها لعنة ونكبة وبلايا أقنعة أتباع بدعة “الصّندقلية”… رؤوس ممغنطة تمَّ تفريغها من جميع المواد النخاعية والدماغية، فتحوَّلت عقول الصندقليين مرَّة إلى ثعالب ماكرة، ومرَّة إلى نباحاتٍ شاردة، ومرَّة إلى ذئاب خاطفة، وانفلتت هذه اللواقط على حلِّ أكاذيبها، وتلفيقاتها، وتزويراتها، وموبوءات ألسنتها، فاستجمعت كلَّ ما حصل في لبنان منذ ما قبل 13 نيسان من العام 1975 حتى اليوم وحصرته في منطقة البربارة ـ الحلوة مدخل بلاد جبيل الشمالي وتاليًا جبل لبنان …

في أيام التَّجارب الهوجاء العمياء الصمَّاء ينقلب الأبيض أسودًا، والأسود أبيضًا وتصبح الحرباية سيدة الكلام… ذلك التَّحصين المنيع ما بين البربارة والحلوة قد كان القفلَ المتماسك الموثوق به، الحارس بوابة ما تبقَّى في الوطن من مناطق ذات سيادة، وعزَّة، وأمنٍ ردع مئات السيارات المفخَّخة… وأمانٍ معيشي، اجتماعي، استشفائي، وتعليمي. حاجز البربارة كان الجواب على نداء استغاثة جماعية بعد ليلة الاحتفال بسفك دماء بلدة “شموط “… وأمَّا سماجة أم خبار وخبرياتها المستدامة عن ربطات خبز البربارة، فقد كانت نسج أحقاد لابسي وجوه بربارة غازي كنعان ورستم غزالة، المستترين بمعارك التَّحرير والتَّطحير، في تناسٍ فضَّاح لحاجز جسر المدفون وبراميل “الرَّدع الأخوي” تمتلئ بالأسلاب المنهوبة قسرًا من أهل الأرض والدار والمحاصيل ومونة العائلة.

ها هي أرواح ثالوث الحيادرة الشهداء جورج ونصر وإدوار بأنَّ حاجز البربارة قد حرَّم رمي خبز البنين للضباع !!

 

شهداؤنا والقداديس لراحة أنفسنا

بعد أعياد صعودكم إلى السَّماء وجلوسكم عن يمين الألوهة الموشّاة بزمرد دمائكم ولؤلؤة أنفاسكم الأخيرة، قد أصبح الموت عندنا كثيرًا وكثيفًا.

أموات يأكلون ويشربون ويتزيّون ويتزيَّنون ويسهرون وينطربون وينامون ثم يستيقظون على دوران يوم آخر… الموت عندنا كثير وكثيف يتعلَّم ويتخصَّص وينال شهادات دسمة ثم يسافر منجذبًا إلى ربح يناصيب الحياة، متغنيًا بالوطن من بعيد إلى بعيد…

الموت عندنا كثيرٌ وكثيف، والأموات صيارفة، وتجار، وأطباء، وصيادلة، وتماسيح مخازن مواد غذائية، وحيتان مستودعات نفط… الموت عندنا كثير وكثيف، والأموات حكَّام من دون رحمة، ومحكومون من دون ثورة، ثم مستثمرون بين ألقاب السَّعادة والمعالي، ومدراء وحجّاب المدراء وأزلام بطون الثروات …

الموت عندنا كثير وكثيف والأموات يصرِّحون وينظمون المؤتمرات الصحافية والمؤامرات التَّعبيرية.

والأموات إعلاميون أنتنت ألسنتهم، وتقيَّأت شاشاتهم، وتدلَّست جيوبهم. هذا هو الموت المستشري فينا يا أقطاب وجودنا وأركان مصيرنا، وثوابت بقائنا!!

أيها الأخوة والرفاق السرمديون، المقيمون الأبديون في رؤيا القديس يوحنا الذين “هم تلقاء عرش القدوس، يخدمونه في هيكله ليلاً نهارًا، والذي على العرش يظلِّلهم في سرداقه، فلن يجوعوا، ولن يعطشوا، ولن تلفحهم الشمس، ولا السموم، لأن الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم ويهديّهم إلى ينابيع ماء الحياة، والآب يمسح كلَّ دمعةٍ من عيونهم”!!!

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل