
من الواضح أن “المبالغة” الكلامية التي اعتمدت على مدى سنوات طويلة بين “الحزب” وإيران من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، بقيت في معظم الأوقات، كلام صحف وإعلام. نستعرض في قراءتنا هذه، جملة من المواقف التي خرجت الى العلن وشكلت على مدى سنوات، ما اعتقده أنصار “المحور” خارطة طريق تجاه إسرائيل.
منذ صدور الكتاب الذي كتبه الصيني سون تزو في القرن السادس قبل الميلاد مرورًا بكتاب “الأمير” الذي كتبه الإيطالي نيكولو مكيافيلي في العام 1513 ميلادي، وصولًا الى كل الدراسات التي صدرت وتصدر عن الخبراء العسكريين السياسيين والباحثين الاستراتيجيين، هناك إجماع وتقاطع على ضرورة التكامل والاستكمال بين النوايا والأهداف المرصودة المرسومة وبين القدرات لضمان تحقيق هذه النوايا وبلوغ تلك الأهداف. فالنوايا والإعلان عنها من دون اقترانها بالقدرات والقوة على وضعها موضع التنفيذ على أرض الواقع، تبقى ضربًا من ضروب الدعاية وفي أحسن الأحوال من ضروب المواجهة النفسية لا الفعلية.
في تاريخنا الحديث المعاصر وخاصة بعد نكبة فلسطين 1948 وبعد الثورة الإسلامية في أيران 1979، رفعت شعارات بمثابة نوايا وقرارات قومية وطنية شرعية وحتى دينية الزامية تتحدث عن “ضرورة إزالة إسرائيل من الوجود” و”يا قدس قادمون” و”تحرير بيت المقدس” وغيرها، وصولًا الى يومنا هذا مع عملية 7 أكتوبر ومواكبة العمليات التي يقوم بها “الحزب” في الجنوب اللبناني “على طريق القدس”.
غالبًا ما عبّر المحور الممانع في أدبياته وخطاباته وإرشاداته وفتاويه الشرعية الدينية الملزمة، على ضرورة إزالة إسرائيل من الوجود كثابتة لا تتغيّر تعبّر عن نوايا وعقيدة القيمين على الجمهورية الإسلامية في إيران ووكلائها الأمينين في المنطقة، وغالبًا ما عبّر وصرح وكشف هؤلاء عن قدراتهم الهائلة الآيلة لتحقيق الأهداف وتنفيذ النوايا وفي مواقيت أقرب من القريبة، والشواهد على ما نقول كثيرة نذكر القليل المعبّر منها:
في 13 آذار 2009 يقول الأمين العام للحزب: “نحن قادرون أن نهزم هذا الكيان (إسرائيل).. بل قادرون أن نزيله من الوجود”.
بعد أشهر وتحديدًا في 8 شباط 2010، أعلن الإمام الخامنئي أن “تدمير إسرائيل بات وشيكًا”.
في 2 آذار 2017، صرّح المستشار العسكري لقائد فيلق “قدس” التابع للحرس الثوري الإيراني العميد أحمد كريم بور بأن “إيران قادرة على تسوية تل أبيب وحيفا مع الأرض في غضون 7 دقائق، لو استلزم الأمر ذلك، فلا هزل في الأمر”، ليعود ممثل
المرشد الأعلى للثورة الايرانية علي خامنئي لدى فيلق القدس، علي شيرازي، ويؤكد ما تعتبره إيران مؤكدًا في 12 نيسان 2018 بقوله: ”إيران قادرة على تدمير إسرائيل”.
في 26 كانون الأول 2019 يقول نصرالله: “جزء من خطتنا في الحرب المقبلة هو الدخول الى الجليل وقادرون على ذلك”، ليعود إعلام “الحزب” ويشير في 1 كانون الثاني 2023 الى أن “الحزب” وجّه رسالة إلى الإسرائيليين عبر فيديو حمل عنوان “قسمًا قادرون.. سنعبر”، يحاكي لحظة عبور عناصر الحزب الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، والدخول إلى شمال الأراضي الفلسطينية، وتدمير آليات الجيش الإسرائيلي ومدرعاته. ويشكل هذا الفيديو، رسالة إلى الإسرائيلي، الذي يعاني على المستوى القيادي واللوجستي، وسط تقارير إسرائيلية عسكرية وأمنية، تؤكد أنه سيمنى بالهزيمة، في أي مواجهة مقبلة، إن كان على جبهة لبنان أو على جبهة غزة.
ويتضمن مقطع الفيديو الذي انتجه إعلام “الحزب”، أيضاً بالتزامن مع الذكرى السنوية الثالثة لسقوط قادة النصر قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، مشاهدَ لهدم “بيت العنبكوت” بأقدام عنصر من “الحزب” في دلالةٍ وتأكيد على أن إسرائيل أوهن من “بيت العنكبوت”.
وجاء في المشاهد أيضًا عبور مجموعة من العناصر الحزبية السياج العازل ودخولهم فلسطين وتدمير دبابة إسرائيلية والقيام بأعمال عسكرية داخل فلسطين، تضمنت استهداف نجمة علم إسرائيل فضلاً عن تدمير سيارة.
وفي 14 آب 2023 أعلن نصرالله أنه “إذا أردتم المواجهة مع لبنان، أنتم أيضًا ستتم إعادتكم إلى العصر الحجري، وإذا تطورت المواجهة إلى مواجهة مع الممانعة لن يبقى شيء اسمه إسرائيل”.
كل ما ذكر يشير “شكلًا” الى أن إيران و”الحزب” لديهما القدرات الكافية الوفية لتحقيق هدفهما الأعلى بهزيمة إسرائيل وازالة كيانه الغاصب من الوجود، والقصة مسألة وقت لم يأتِ بعد.
اما واقع الأمر فهو بما تسرّب مؤخرًا من غضب ولوم وتخوين لـ”الحزب” على لسان قائد عملية 7 أكتوبر قائد حركة ح. في فلسطين، لتخلّفه عن ركوب قطار تحرير الأقصى و”إزالة إسرائيل من الوجود”، كما ينكشف واقع الأمر الأمَرّ في حوار وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في 24 كانون الأول 2018 مع مجلة Le Point الفرنسية، اذ نفى فيه الاتهامات عن ان بلاده تسعى إلى محو إسرائيل، وتساءل مستغربًا “متى أعلنا أننا سندمر إسرائيل؟ أرني مسؤولًا إيرانًيا واحدًا قال ذلك. لم يقل أحد هذا الأمر… إن الخميني قال إن السياسات الإسرائيلية الوحشية ستؤدي إلى تدميرها، ولم يقل إن إيران ستقوم بهذا الأمر”.
اما الواقع الأكثر مرارة فقد تجلّى في قول نصرالله في 16 شباط 2016: “يوجد الآن إجماع في إسرائيل على أن الحزب فاتح جبهة الآن وذاهب مثلاً يريد أن يزيل إسرائيل من الوجود؟ الواقع الآن ليس هكذا، الحزب هو خطر على مشروع إسرائيل الاستيطاني…”.
.jpg)