

كان الحدث أكبر من أن يوصّف. أصلًا لم نكن لنتصوّر يومًا اننا قد نعاصر حدثًا مماثلًا. أولًا حدث مروع لكنيسة سيدة النجاة، ومن بعدها كنا نرى النظام الأمني اللبناني ـ السوري يطارد القواتيين في البيوت والشوارع، ويأخذهم الى التحقيقات بالمئات، ومن بعدها الزلزال الكبير، حلّ حزب “القوات اللبنانية” واعتقال سمير جعجع.
يوم اعتقال سمير جعجع في 21 نيسان 1994، كأن الارض مالت بنا الى الهاوية. كنا يافعين، متحمسين، لا نملك النضوج السياسي الكافي لنستوعب لحظة مماثلة. لم نصدق المشهد، بقينا حتى اللحظة الأخيرة ننتظر الإفراج عن الحكيم، كنا نقول “مستحيل يتركوه بالحبس بتقوم الدول عليهن”، لم نكن نعلم أن الدول كلها تكاتفت مع الاحتلال السوري، لتطبق على القوات وعلى كل صوت حرّ يواجه ذاك الاحتلال البشع وتلك الدولة الأمنية العميلة له. أخذوا الحكيم الى الاعتقال ووقع الوطن في قبضة إرهاب المحتل السوري وعملائه. فجأة غابت الشمس عن لبنان وصار لون الأرض رماديًا. هكذا شعرنا. تكاثر المحتلون فحجبوا لون الأرز وصفاء السماء، وغاب الحكيم خلف مجهول القضبان، وغبنا معه في الاعتقال حتى لو كنا من خارج القضبان.
كانت أقسى اللحظات، أقسى الايام، أسوأ العملاء القبيحين الذين أحكموا قبضتهم على المناضلين الشرفاء الشجعان الأنقياء، وبدأت عمليات التعقب والاعتقالات والتعذيب والكل يعرف باقي التفاصيل التي دونها التاريخ لحظة لحظة، ويومًا ما، يومًا ما بالتأكيد، ستدرج في كتاب تاريخ وطن مناضل بأجمل وأحلا أانبل الرجالات والشباب والنساء.
“كانت أسوأ اللحظات يللي عشناها بهيداك الوقت، لحظة اعتقال الحكيم، لا أنسى عمري ما حصل” يقول مستشار رئيس حزب القوات اللبنانية لشؤون الرئاسة والإعلامي طوني مراد الذي واكب مسيرة اعتقال الحكيم لحظة بلحظة.
“قبل اعتقال جعجع بثلاثة أيام كنت عند الحكيم في غدراس، وكان المكان بحصار مطلق، وتعذبنا كثيرًا قبل الوصول الى المقر بسبب انتشار الحواجز والتفتيش المشدد من قبل عناصر الجيش، الذي اتخذ إجراءات متعمدة كي نخاف ونيأس، ولعزل الحكيم في مكانه كنوع من الضغط النفسي. وصلت اليه بعد نحو ساعتين، وقال لي حرفيا “خلي عينك عالاذاعة، هيدي أمانة وقِللو للمدير يشد ركابو”، يومذاك كنت مدير الأخبار في إذاعة لبنان الحر، ولكن كانت النشرات والبرامج السياسية توقفت بالكامل بعد حظر حزب القوات اللبنانية ومنع بث النشرات الإخبارية السياسية”.
عاد مراد الى الاذاعة يحمل وصية جعجع، كان قلبه قلقًا مثل الرفاق كافة، عما سيحصل في الساعات المقبلة. كان يشعر بخطر داهم ما يقترب من الحكيم “وبعد تلات أيام كنت مداوم بالاذاعة رغم قرار الدولة بمنع الأخبار السياسية، ولم نكن نعلم في أي لحظة ممكن أن يصلوا الينا ويضعوا اليد على الاذاعة، كانت الثامنة ليلًا وكنت وحدي ومهندس الصوت، شعرنا بتحرك ما باتجاه غدراس، وفجأة انقطعت الكهرباء عن كسروان كافة، وكانت الحواجز منتشرة على الاوتوستراد، وحركة السير شبه مشلولة في ظل جو ضاغط غريب، كان ظلام وظلمة، وكنت على تواصل مع زميل لي في جريدة النهار، لأعرف منه أي جديد يطرأ. وبعد دقائق اتصل بي وقال لي “الهيئة وصلوا على غدراس”، ثم عاد وأخبرني أنهم أوقفوا الحكيم ولا يعرف الى أين اتجهوا به. كنت خائفًا جدًا أن يقتلوه” يقول مراد الذي يروي لحظة بلحظة تلك الساعات الرهيبة التي عايشها بقلق وخوف كبير على مصير الحكيم من جهة، وعلى لبنان الكيان وعلى الشباب من جهة ثانية.
“مرق شوية وقت، وإذ أسمع هدير ملالات على الأوتوستراد، فعرفت أنه موكب الحكيم. جلست في ظلامي أصلي، وانتظرت مكالمة زميلي في النهار لأعرف المستجدات، وإذ به يخبرني لاحقًا أن الحكيم بخير ووصل بالسلامة الى وزارة الدفاع ولم يتعرضوا له جسديًا. شعرت في تلك اللحظة أن الدنيا تغيرت كليًا في لبنان، وأن ما حصل لم يكن مجرد اعتقال سمير جعجع، بل اعتقال وطن بكامله، اعتقال لبنان، لأن الحكيم والقوات كانوا آخر صوت حرّ في مواجهة منظومة الدولة الأمنية والاحتلال السوري” يقول مراد؟
لماذا نسترجع دائمًا لحظة اعتقال سمير جعجع؟ لماذا لم يخرج الرفاق بعد من تلك اللحظة التاريخية المدوية في سجل القوات ولبنان ككل، حتى لو رفض ممانعو آخر الازمان الاعتراف بتأثيرها المباشر على مسار الامور في البلاد؟
“لأنهم اليوم وللأسف يحاولون تكرار بعض المشاهد والأحداث التي سبقت اعتقال الحكيم، ولكن طبعًا المعطيات الآن مختلفة تمامًا، إذ لا يملكون لا القدرة ولا حتى الشجاعة على تركيب الملفات الأمنية كما فعلوا سابقًا مع القوات، ولا يمكنهم بالتالي حلّ الحزب واعتقال الحكيم لأسباب كثيرة” يقول مراد.
وماذا يمنعهم من تحقيق تلك الرغبة الجامحة باعتقال الحكيم أو اغتياله واعتقال الشباب وحل الحزب من جديد؟
“ما يشبه اليوم بالأمس هو أن سمير جعجع ما زال رأس الحربة في مواجهة الاحتلال الايراني المتمثل بالحزب، وهذا ما يفسر الضغوط والحملات التي تتعرض لها القوات اللبنانية والحكيم تحديدًا، وأيضًا هذا ما يفسر محاولات الترهيب والتخويف ورسائل القتل والاغتيال كما حصل مع رفيقينا الياس الحصروني وباسكال سليمان. هي رسائل يظنون أنها ستجعل القوات تتراجع عن مواقفها السيادية وعن مواجهة هؤلاء، ولكن القوات اللبنانية وسمير جعجع اليوم أقوى بكثير مما كانوا عليه العام 1994، البيئة الحاضنة للقوات صارت أكبر بكثير، وصار للقوات حضور سياسي محلي وعربي كبير جدًا، وعندنا مجموعة من الحلفاء السياديين الذين يواجهون معنا تلك المنظومة الممانعة، والعيون أصبحت مفتحة جدًا بظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، نحن تحولنا الى قوة لبنانية صميمة وجودنا فاعل وقوي في البرلمان وفي الجامعات والنقابات وما شابه، لم نعد لقمة سائغة لأي احتلال، ولم نعد لوحدنا، وهذا ما يغضب هؤلاء الممانعين” يقول مراد.
هل من باب أمل بالانعتاق والاستقلال الفعلي؟
“نحنا ما منيأس، ونحنا منتعب إذا ارتحنا، هيك بيقول الحكيم يا فيرا”، ويضيف مراد بأنه “صحيح أن الوضع صعب ولكن في أبواب أمل، ورغم كل الضغوطات، القوات والحكيم ما رح يتراجعوا، والأفق يوحي بتغيير المعادلات في المنطقة الى الأفضل، لمصلحة لبنان الحرّ المتنوع يللي بدنا إياه، حتى لو أخذت بعض الوقت الإضافي” يقول مراد، ويذهب الى معراب للقاء حكيمه، هو الرفيق الوفي له وللقضية، والذي لم يتركه مذ تلك الأيام، ومعه ومع القوات حتى آخر الأيام.
إقرأ أيضًا
