
لقد أصبح ضرب “الحزب” لأدنى معايير الديمقراطية والأسس والقواعد القانونية والدستورية والسيادية من البديهيات والمسلمات والعادات المكرّرة المجرّبة المتجلّية الظاهرة، عند كل مفصل واستحقاق ومنعطف وانزلاق، ولن يكون آخره المنزلق الخطير الذي جرّه “الحزب” على لبنان وجنوبه من ويلات وخسائر يراد للبنان الرسمي ـ الملتحق بالحزب ـ والشعبي أن يعوضها من خزينته وجيوبه على “الحزب”.
هذا التعويض يذهب حصرًا لحزب يتفاخر بأنه تنظيم مسلح مسبّب لتلك الويلات والخسائر، وللعناصر المنضوية تحت رايته التي تتوسطها العتاد العسكرية ولعوائل المرتقين منهم على طريق القدس مساندة لغزة، في حين ترزح مؤسسة الجيش اللبناني تحت مصاعب مالية ولوجستية لم تستطع الحكومة ولم تعزم على تلبيتها، لولا المساعدات الخارجية من دولية وأميركية وأوروبية واماراتية وقطرية وهي المؤسسة الشرعية التي يُناط بها حصرًا بقرار من الحكومة، مهمات حفظ الأمن وخوض غمار الحرب والحفاظ على السلم والأمن.
طبعا ليست المرّة الأولى التي تتمظهر فيها مصادرة قرار الدولة لصالح الدويلة وضرب مصلحة جيش الدولة لصالح الميليشيا ومشروعها تحت أعين “السلطة الرسمية” المكفوفة يدها عن القيام بواجبها تجاه مواطنيها، بأمنهم واستقرارهم وتأمين حياتهم ولقمة عيشهم… ولن يكون القرار بفتح خزائن الدولة الناضبة أصلًا وإغداق أموالها وتجييرها مع الضرائب المُجباة من المواطنين لميليشيا اصطلح عن خطأ تسميتها مقاومة، مقابل سياسة حجب الأموال ومنعها واعتماد أقصى التقشف وأقساه متى تعلّق الأمر بالقوى الأمنية الرسمية وضباطها وعناصرها، في الخدمة كانوا أو في الاحتياط، متقاعدين شهداء أحياء جرحى كانوا أم أموات.
مجرّد وجود فصيل مسلّح غير شرعي واستمراره بهذا الشكل، بعد قيام دولة ودستور الطائف الى جانب الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية الرسمية الأخرى، هو مظهر شاذ من مظاهر تحلل الدولة وهيبتها وسيادتها، فكيف إذا كان المشروع الحقيقي لهذا الفصيل على ما جاء في الخطب والكتب، أكبر من الوطن ودولته وجيشه وشعبه.
على الرغم من الباس الحزب لنفسه عباءة المقاومة، بعد الاستئثار بها بقوة سلاحه والقرار السوري الإيراني على حساب “المقاومين” في “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” -“جمول”، من أحزاب اليسار كمنظمة العمل الشيوعي والحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي بأجنحته الكثيرة المتكسرة وعلى حساب “أفواج المقاومة اللبنانية” أمل، ليترافق كل ذلك مع استهدافه لضباط وعناصر وثكنات الجيش في البقاع في الثمانينات، جهد “الحزب” لإضفاء شرعية رسمية ولو لغوية لفظية تمثلت بالثلاثية المفروضة على البيانات الحكومية، “جيش شعب ومقاومة”، لتكون التجربة والممارسة خير برهان على هشاشتها وخشبيتها وعدم احترام ضلعها الأخير، في الترتيب لضلعيها الاول والثاني للأسباب الشرعية الواردة في عقيدة الحزب الاسلامي المؤمن بولاية الفقيه المطلقة.
لم تكن يومًا نظرة “حزب المقاومة” للجيش اللبناني نظرة احترام أو ندية أو تماثلية أو حتى تكاملية، وقد لخّص هذه النظرة الناطق غير الرسمي للحزب الشيخ صادق النابلسي بقوله في 14 أيار 2024: “الجيش ليس للبنانيين ولم يؤسس للدفاع عن لبنان بل ليدافع عن مصالح المستعمرين”.
هذا الأداء قولًا وفعلًا، كان قد ترجمه نصرالله أيضًا في 13 أيلول 1993، إثر حادثة طريق المطار بين “التظاهرة” التي نظمها الحزب وبين الجيش اللبناني، اعتراضًا على اتفاق أوسلو: “لن نرد على من أطلق النار على رؤوس المتظاهرين بل على أسيادن الإسرائيليين”، ليوضح في 18 تشرين الأول 2018 مقصده بالقول: “نحنا بـ13 أيلول وبحي السلم وعلى مستديرة مار مخايل، الجيش اللبناني قوص علينا”.
وتمظهر هذا الأداء بتحذير نصرالله للجيش اللبناني قبل قيامه بالرد على ذبح ضباط الجيش وعناصره في مخيم نهر البارد في أيار 2007، واضعًا خطًا أحمر أمام دخوله المخيم.
حتى في معركة فجر الجرود في العام 2017، حرم “الحزب” الجيش اللبناني من ممارسة سلطته بالاقتصاص من قتلة عسكرييه أو اعتقالهم، بأن فاوضهم وهرّبهم بباصاته المكيفة مع أسلحتهم، آمنين مؤمنّين، كما حرم الجيش اللبناني الذي قاتل الإرهابيين في الجرود ودحرهم “جنبًا الى جنب” مع المقاومة، من إقامة احتفال الانتصار في ساحة الشهداء في بيروت بتاريخ 14 أيلول 2017 الذي دعا اليه كل من وزير الدفاع اللبناني يعقوب الصراف ووزير السياحة أفيديس كيدينيان، في مؤتمر صحافي في 11 أيلول، لتكريم العسكريين والضباط الذين شاركوا بانتصار فجر الجرود وشهداء الجيش الذين سقطوا، ليلغى المهرجان بـ”قرار من الحزب”، لمنع ما كان عبّر عنه وزير السياحة في الدعوة الى المهرجان: “سنقول من خلال المهرجان إن الجيش اللبناني والدولة اللبنانية تمكنا من القيام بإنجاز كبير”… وليقيم الحزب مهرجانه الحزبي الفئوي والذي مجد بالدورين السوري والإيراني والحزب الإلهي في الإنجاز الذي تحقّق، وطبعًا على حساب الجيش اللبناني وهيبته وشهدائه.
لم يعد في إطار الثلاثية ـ الشمّاعة من حاجة للحديث عن “الشعب” الرافض بأغلبيته لما يجري، من توريط قام ويقوم به “الحزب” كرمى لعيون قادة حركة ح. في فلسطين أو الخامنئي الإيراني ولو لوّح أمين عام الحزب بـ”سلاح العدّ”.
بالإضافة لما ورد، هناك استحالة التقاء أو تماهي أحد طرفي ثنائي “الجيش والمقاومة” مع الآخر حتى لو أراد، وفي هذا الإطار، ولتأكيد المؤكد غير السيادي والوطني و”الدولاتي”، نقرأ من البيان التأسيسي للحزب تاريخ 16 شباط 1985 ما يلي: “نحن في لبنان… نحن نعتبر أنفسنا – وندعو الله أن نصبح – جزءًا من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف”، ونتوقف عما نقلته صحيفة السفير في 16 حزيران 1986 عن نصرالله قوله: “الأولوية في صراع الحزب محكومة بأسـاسين، تحرير القدس وإزالة إسـرائيل من الوجود، وحفظ الثورة الإسلامية في إيران”، لنختم بما نقلته صحيفة “النهار” في 6 أيار 1989 عن نصرالله قوله: “علينا أن نبني مجتمع المقاومة ونهيئ أنفسنا للحرب الحقيقية وأن نبني الجيش العظيم الذي دعا اليه الإمام الخميني”.
… وللحديث تتمة!
.jpg)