#dfp #adsense

التلاعب على الدستور يفرِّغ الديمقراطية من مبدأ وجودها.. هل يفهم “النبيه” من الإشارة؟

حجم الخط

الدستورالدستور ـ رئاسة الجمهوريةالدستور ـ رئاسة الجمهوريةالدستور ـ رئاسة الجمهوريةالدستور ـ رئاسة الجمهورية

لا ضمانة في الدّول الديمقراطيّة إلا بدساتيرها، مهما اختلفت طبيعتها. فبقدر ما يتمّ الالتزام بتطبيق هذا الدّستور، تتحوّل الدّولة إلى دولة مؤسسات وقانون، ويسودها العدل والانتظام المؤسّساتي. وبالتّالي تنصرف لتأمين رفاهيّة المواطن الذي يعيش في كنفها، وللبحث في كيفيّة تطوير سبل حياته. أمّا إذا تمّ تجاوز الدّستور فتصبح عندها هذه الدّولة مسخًا متستّرًا بنقاب الدّيمقراطيّة ليمارس أشنع الفظائع بحقّ الذين أولوه ثقتهم.

في لبنان لنا خير مثال على تفريغ الديمقراطيّة من مبدأ وجودها الأساسي، حيث نجح دويتّو المنظومة والمنظّمة الذي تحكّم بلبنان بشكل شبه مطلق منذ ما بعد انقلاب السابع من أيّار 2008، بتحويل الديمقراطيّة التوافقيّة إلى ديمقراطيّة تعطيليّة بهدف السيطرة على الدّولة العميقة. وذلك عبر تفريغها من داخلها حتّى التوصّل إلى السطو عليها، وتثبيتها على علّاتها، لأنّه في حال نجح أيّ فريق بتغيير الدّولة، فهذا التغيير سيعني بأسوأ حالاته استعادة ولو جزء يسير من حياة هذه الدّولة. وحياة هذه الدّولة تعني حتمًا موتهم.

 

لماذا سعى الممانعون إلى السيطرة على الدّولة؟

قد أثبتت التّجارب أنّ هذا الثنائي الحاكم والمتحكّم لا يمكن أن يستغني عن الدّولة لأنّها الغطاء الوحيد الشرعي لأعماله كلّها، كما أنّها تمثّل الشخصيّة المعنويّة التي يستخدمها ليخاطب بواسطتها المجتمع الدّولي. وهكذا يدخل في عالم الصفقات، ويكون شريكًا مضاربًا في عمليّات البيع والشراء على اختلافها. ولو كانت على حساب الوطن أو الدّولة أو حتّى أبناء ملّته أنفسهم. ولهذه الغايات كلّها، عمل ما يعرف زورًا بمحور مقاومة العدوّ الإسرائيلي، على الاستيلاء على الموقع الدستوريّ الذي يؤمّن له الحصانة المؤسّساتيّة، والحضانة الدستوريّة. فأدرك هذا الفريق أنّ بوّابة السيطرة على الدّولة هي من باب مجلس النّواب فيها، وبالتحديد عبر رئاسة هذا المجلس.

ولمَن يتساءل حتّى الساعة عن أهميّة هذا الموقع يكفي الاطلاع على الصلاحيّات التي منحها الدّستور اللبناني لهذا الموقع حيث جعل منه المدخل إلى السلطات كلّها، فهو منبع القوانين والتشريعات. من هذه البوّابة بالذّات تستطيع القوى السياسيّة الولوج إلى قلب الدّولة العميقة. حتّى لو لم يكن رئيس المجلس النيابي وفريقه السياسي يملكان أكثريّة نيابيّة، يكفي أنّه يتحكّم بمواقيت فتح هذا المجلس وإدارته بحسب نظامه الدّاخلي.

 

ما هو دور رئيس المجلس النيابي؟

في حديث خاص لـ”المسيرة” مع الخبير الدّستوري الدّكتور سعيد مالك حول الدّور الذي يتمتّع به رئيس مجلس النواب اللبناني بحسب الدّستور اللبناني، يشير مالك إلى أنّ رئيس المجلس يتمتّع بدورين أساسيّين:

–  “الأوّل: هو دور سياسي عام. وهذا بالطبع ليس موضوع المداخلة.

– الثاني: هو دور إداريّ”.

ويتوسّع مالك في شرح دور الرئيس الإداري فهو “يرأس جلسات مجلس النوّاب ويطبّق النّظام ويراقب أعمال اللجان والمكتب. ويتكلّم باسم المجلس ويدير المناقشات ويطبّق العقوبات ويرأس اجتماعات اللجان المشتركة عملًا بأحكام النّظام الدّاخلي لمجلس النواب ولا سيّما المادّة السادسة من النظام الصادر بتاريخ 18/10/1994″.

ويعتبر مالك في حديثه لـ”المسيرة” أنّ هذا الدّور الإداري للرئيس يجعل منه المسؤول الأوّل عن جميع أعمال المجلس. فهو الذي يدعو النوّاب إلى الاجتماع، حتّى ولو كان موعد الاجتماع معيّنًا بنصّ الدّستور كما هي الحال في العقد الأوّل العادي، وفي العقد الثاني. والرئيس هو الذي يوزّع المشاريع والاقتراحات على اللجان المختصّة سندًا لأحكام المادّة 22 من النّظام الدّاخلي.

ويرجع الدّكتور مالك في حديثه إلى الأصول الدّستوريّة التي تمّ استقاء الدّستور اللبناني منها، دستور الجمهوريّة الأولى في العام 1926، فهو دستور الجمهوريّة الثانية في فرنسا، ويلحظ في حديثه مهمّة رئيس المجلس السامية فهو “يُعتبر واحدًا من حرّاس الدّستور”.

 

ما هي واجبات وصلاحيّات رئيس المجلس؟

يتابع مالك مفنّدًا واجبات الرئيس فهو “عليه في بداية كلّ عقد أن يدعو اللجان، ويسهر على تنفيذ الأعمال في مختلف الأجهزة”. أمّا في ما يتعلّق بتصويت الرئيس في المجلس فيوضح مالك أنّ «للرئيس في لبنان أن يشترك في التصويت كسائر النوّاب سندًا لأحكام المادّة 55 من النّظام الدّاخلي لمجلس النوّاب. لكنّه لا يشترك في مناقشة المشاريع والاقتراحات إلا إذا ترك منصّة الرئاسة وجلس في مقاعد النواب إلى أن تنتهي المناقشة، عملًا بأحكام المادّة 56 من النّظام”.

ويكمل مالك أنّ للرئيس في ما خلا ذلك كلّه “أن يتكلّم عن منصّة الرئاسة في إيضاح وشرح آراء النواب وتقارير اللجان”.

كما يعتبر مالك أنّ لرئيس مجلس النواب “صلاحيّات إداريّة منصوص عنها في الدّستور وفي النّظام الدّاخلي للمجلس”. ويوضح أنّه على رغم هذه الصلاحيات المناطة بالرئيس بحسب الدّستور والنظام الداخلي إلّا أنّ “هذا لا يجعله رئيسًا على النوّاب. إنّه رئيس المجلس النيابي، عليه أن يتقيّد بالأصول وبالصلاحيّات الممنوحة له في الدّستور وألّا يتجاوز هذه الصلاحيّات ويعتبر نفسه وصيًّا على عمل المجلس النيابي”.

 

من سيجرؤ على طرح إعادة النّظر؟

في مقاربة للوضع الراهن يعتبر مالك أنّ “ما يحصل راهنًا هو تجاوز واضح من قِبَل رئيس المجلس الذي قطع حدوده في هذا الشأن، وأوصد أبواب مجلس النواب، وصادر قرار السلطة التشريعيّة التي هي السلطة الانتخابيّة الأولى للرئاسة الأولى”.

وفي الرؤية الدّستوريّة لحلّ هذه المعضلة المستشرية منذ نيّف وثلاثة عقود، يرى مالك في ختام حديثه لـ”المسيرة” أنّ “هذا الأمر بحاجة إلى إعادة نظر كون الإستمرار بهذا النّهج سيجعل الجمهوريّة بخطر، وسيكرّس أعرافًا لا يمكن الاستغناء عنها، ولا يقتضي السير بها على الإطلاق”.

ولقد نجح الرئيس نبيه برّي على مدى أكثر من ثلاثة عقود في الاحتفاظ بقدرته على لعب دور الـ Moderator حيث طوّع هذه الصلاحيّات مستفيدًا من اللحظة السياسيّة التي مكّنته أكثر من التحكّم بأسس اللعبة البرلمانيّة. فنجح بترغيب كثر في مواكبته طوال مسيرته البرلمانيّة، كما تجنّبه آخرون لعدم قدرتهم على مواجهته دستوريًّا. وبعضهم مارس الألاعيب الدّستوريّة الرخيصة معه، يعتلون المنابر الإعلاميّة على حساب اعتباره “بلطجيًّا” ويبنون حملاتهم الانتخابيّة بمهاجمته في المحافل وعلى الشاشات، لشحذ النّصال بالنّصال، فيحصدون شعبويّة آنيّة تمكّنهم من الوصول بعد رضوخهم لعمليّة إعادة انتخابه أكثر من مرّة تحت ذريعة أنّه لا بدّ ولا غنى عنه لأنّه العارف بقواعد اللعبة البرلمانيّة. وذلك كلّه بدل دعوة هؤلاء إلى مجرّد طرح إعادة النّظر في هذه الآفة الدستوريّة.

 

ما هي حقيقة مشروع برّي للأجيال الطالعة؟

فيما بدت لافتة المواقف الحادّة التي اتّخذت بمقاطعة انتخابه من قبل فريق واحد وهو “القوّات اللبنانيّة”، مع الحفاظ على العلاقات البرلمانيّة لضرورة تسيير الشأن العام فقط، من دون أن تتخطّى هذه العلاقات الحدّ البرلماني إلى البعد السياسي. لكنّ الرئيس برّي، وتماشيًا مع المشروع الذي يمثّله، ما فتئ يسعى لتكريس الأعراف، إيمانًا منه بالقانون، وهو الفقيه، بأنّ العرف أقوى من الدّستور. حتّى أضحت ممارساته في البرلمان مادّة دسمة للتحليل السياسي، من حيث حركات الجسد، وتعابيره الحادّة أحيانًا، أو تلك التي يسعى عبرها لضرب موقف سياسي ما بتسخيفه بنكاته التي لم تعد تنطلي على أحد. وذلك لأنّ الحقيقة انكشفت وهي تكمن في تحوير النّظام من نظام برلماني – رئاسي عملاً بأحكام الدّستور وصلاحيّات الرئاسات، إلى نظام تحصر الصلاحيّة فيه بالمجلس النيابي. فيتحوّل بذلك النّظام اللبناني إلى نظام مجلسيٍّ بحت، تتحكّم فيه هويّة رئيس المجلس النيابي مهما يكن إسمه. فبرّي يزرع نظامه للأجيال الطّالعة من بعده والتي هي حصرًا من أبناء جلده فقط.

وهنا بالتحديد تكمن المخاطر الدستوريّة التي يتسبّب بها دولته، وبالطبع ذلك عن تصوّر وتخطيط مسبقين ورؤية ثاقبة في النسيج الحضاري اللبناني. ويسعى برّي في ذلك لتثبيت الغلبة الديموغرافيّة العدديّة على حساب التعدديّة الحضاريّة اللبنانيّة. وقد تكون الخطوة التالية بإقرار قانون انتخاب، مهما كان توصيفه، إنّما يؤمّن الأكثريّة العدديّة المطلقة المجلسيّة للمكوّن الشيعي. وهكذا ينتهي لبنان التعدّدي في المستقبل تحت السطوة العدديّة وغلبة الديموغرافيا، وبالتّالي سنصبح حكمًا في لبنان لا يشبهنا ولا نشبهه. وبأسوأ الأحوال، قد تبقى الفكرة التعدديّة على الورق وفي القوانين، ويتمّ الإلتفاف عليها في التطبيق والممارسة.

 

هل ينجح برّي في تحويل نفسه إلى “دستور” وممرّ إلزامي؟

من لم يعِ بعد خطورة القدرة السياسيّة التي يمتلكها نبيه برّي عبر هذا المركز المصيريّ، إضافة إلى المسار التصاعدي في عمليّة القضم المؤسّساتي، زد على ذلك محاولته تكريس أعراف أقوى من الدّستور، من مثل طاولة الحوار، وطريقة التصويت برفع اليد، ومزاجيّته في إدراج مشاريع القوانين على جدول الأعمال وغيرها من الأمور الكثيرة؛ إنّما هذه كلّها ليجعل من هذا المركز التشريعي الشرعي بوّابة العبور الإلزاميّة لكلّ الإستحقاقات الدستوريّة. فيصبح هو الدّستور والدّستور هو نفسه. ويصبح مَن يكون في هذا المركز الوصي على رئاسة الجمهوريّة ورئاسة الحكومة، وإن استمرّ بمساره هذا قد يتحوّل إلى الممر لتسمية الوزراء وتوزيع الوزرات. باختصار شديد، يصبح هو نفسه الدّولة.

 

ما هي مرامي استنساخ نظام الشريعة والإمامة الإلهيّة؟

وبعد هذه المرحلة سيطرح نظام الإستفتاء لتغيير الدّستور، تمامًا كما حصل في إيران يومي 30 و31 آذار 1979، يوم سقطت الملكية رسميًا وأعلنت الجمهورية الإسلاميّة. والضامن لهذه الجمهوريّة هو السلاح غير الشرعي الذي لن يتوانى في محاولاته لتشريعه وإدخاله في صلب التركيبة المؤسساتيّة للدولة. وبعدها ننتقل إلى “مجلس صيانة الدستور” والذي يصبح دوره مكمّلًا للبرلمان، أو بالحري ينوب عنه. فيوكل إليه مهمة التصديق على القوانين التي يقرّها البرلمان فضلًا عن بحث أهلية المترشحين في أي انتخابات سواء رئاسية أو برلمانية أو المجالس المحلية أو الخبراء، كذلك يتولى مهام تفسير الدستور.

وذلك كلّه يكون بإشراف المرشد. هذا المنصب الذي بات موجودًا بشكل مضمر في التركيبة اللبنانيّة، حيث يضطلع بهذه المهام أمين عام منظمة “الحزب” كونه يملك قرار الحرب والسلم، بحسب زعم رئيس حكومة لبنان الحالي نجيب ميقاتي. هذه المخاطر الدّستوريّة التي تترتّب على ممارسات الرئيس نبيه برّي وحليفه السرمدي منظمة “الحزب”. فضلًا عن المهلّلين والذين يحملون لواءه ويضربون بسيف حواره، علّه يمنّ عليهم بما تبقى من فتات في هذه الجمهوريّة العاطلة عن العمل.

 

كيف تستمرّ المواجهة ويسقط اليوضاسيّون؟

أمام الواقعيّة السياسيّة، يتبجّح هؤلاء في مطالبة كلّ الذين يواجهون هذا النّهج التغييري التدميري للكيانيّة اللبنانيّة بالخضوع وعدم المواجهة والقبول بواقع مغلوط من الإحصاءات الديموغرافيّة بحجّة السماح لعجلة المؤسسات بالسير من جديد. ولكن يغفل هؤلاء أيّ مؤسسات ستتقدّم عجلتها وهي باتت بلا عربة أساسًا؟ فالخضوع يعني الموت. ونحن لن نموت لتحيا قناعات هؤلاء ولتصبح إيديولوجيّتهم المذهبيّة فكرًا سياسيًّا دستوريًّا في قلب مؤسسات الدّولة. وأيّ تراجع أو تنازل يقدّم بعد اليوم خدمة لهذا المشروع يعني ذلك عمليًّا سقوط الكيانيّة اللبنانيّة.

سلاحنا الوحيد الفعّال اليوم هو سلاح الموقف والثبات في المبدئيّة السياسيّة مهما طال الزّمن. التراجع عن الالتزام بالآليّات الدّستوريّة لممارسة أيّ عمل سياسي مرفوض، ولن يتمّ. وما بات واضحًا أنّ الضغط الذي يمارسه هذا المحور ينبئ بمأزوميّته، ولا سيّما بعد تورّطه وتوريطه لبنان كلّه في حرب لا يريدها معظم اللبنانيين.

وتمسّكنا بالآليّة الدستوريّة أكثر يضعف حجج هذا الفريق المعطّل أكثر فأكثر. ففي نهاية المطاف لن يتمكّن من فرض مشيئته على اللبنانيّين كلّهم. وإن نجح بالاستمرار في عمليّة اختطاف الرأي الحرّ في صلب مكوّنه، فهو حتمًا لن ينجح بفرض خياراته على اللبنانيين كلّهم. فحتّى سقوط المنظومة فوق المؤسساتيّة التي نجح بخرق الدّولة العميقة فيها، سيعيش حربه وحده، وإيديولوجيّته وحده، وثقافته وحده، وفتاويه وحده، وموته بموته وحده.

أمّا نحن، فسنعيش سلامنا الكِياني بعضنا مع بعض، ولو اختلف الشكل الذي سيجمعنا، لكنّنا حتمًا سنعيش مع بعض. وسنعيش ثقافتنا في الحياة معًا، والقانون حرزنا الحريز، ولن نكون حتمًا إلا في دولة لبنان، وسيكون لنا فيها برلمان لبنان، وحكومة لبنان، ليبقى لبنان لنا ولكلّ المؤمنين به حتّى انقضاء الدّهر.

 

كتب د. ميشال الشمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1754

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل