.jpg)
.jpg)
(1).jpg)
.jpg)
على غرار كرة الثلج تتراكم أزمات السنة الدراسية، وهي ليست وليدة اللحظة إنما ظروف اقتصادية وسوء إدارة وفساد مؤسسات. مع بدء العام الدراسي الجديد، لم تعلن غالبية إدارات هذه المدارس عن جداول أقساطها بشكل واضح في ظل الزيادات التي تعتمدها والتي أصبحت جزءًا من سياسة التعليم الخاص في لبنان، مما يؤدي إلى تعاظم الضغط المالي على العائلات اللبنانية لتكون الحلقة الأضعف أمام هذه المدارس، خصوصًا أن معدلات الأرقام ضربت سقف المنطق، وكل ذلك من دون محاسبة الجهات المعنية ضمن الأطر الرقابية.
تنص المادة 26 من الدستور على أن “لكل فرد الحق في التعليم، ويجب أن يكون مجانياً، على الأقل في مرحلتيه الإبتدائية والأساسية”، هذا ما يؤكد عليه عضو لجنة التربية النيابية النائب أنطوان حبشي. فالدستور كفل حرية التعليم، والتي نعني بها هنا ليس فقط المواد التي تدرّس، وإنما المشارب الثقافية للمجموعات المتعددة التي تعيش في لبنان. ومشكلة التربية ليست آنية، وعلاقتها ليست فقط بأزمة اليوم التي أتت لتكشفها وتظهر حجمها.
في العودة الى ما قبل الأزمة كانت الكلفة المتوسطة للخدمة التربوية للتلميذ في المدارس الرسمية في لبنان حوالى 10 ملايين ل.ل مع كل النقص الموجود فيها، مقابل 4 ملايين و500 ألف ل.ل. متوسط كلفة التلميذ في المدارس الخاصة مع كل الخدمة التربوية الجيدة التي تقدمها إدارة هذه المدارس.
انطلاقًا من هذه المعادلة يرى حبشي أن هناك خطأ في مكان ما. فالمواطن يدفع ضرائبه لتمويل المدرسة الرسمية من جهة، ويدفع أقساط المدرسة الخاصة من جهة أخرى. ويضيف: “صحيح أن هناك معاناة في قطاع التربية اليوم، وهنا لا يمكننا تحميلها لوزير التربية الذي يبذل جهدًا كبيرًا لتخطي الأزمات المتراكمة منذ بداية الحرب اللبنانية ولغاية اليوم، لكن العمل على حل الأزمة يبقى آنيًا، لأنه لم يتم البحث ولا مرة واحدة عن حل هذه المشكلة بنيويًا، هذا عدا عن مشكلة المناهج التي يتم تحديثها منذ عقود على الرغم من الجهود التي تُبذل والتمويل الذي يُصرف لتجديدها، إلا أن هذا الأمر لم يتم. ونعرف أن هناك ورش عملٍ فاعلة اليوم تعدنا بمناهج جديدة”.
وإذ يؤكد حبشي على المؤكد لجهة غياب الدولة في هذه الأزمة، لكن من غير المنطقي توجيه السهام الى المدارس الخاصة لزيادتها الأقساط، في وقت يجب أن تكون الدولة هي الناظم في هذا الموضوع، على الأقل في تحديد نسبة الزيادة التي تتفاوت بين المدارس الخاصة والتي لا يمكن مقاربتها إلا بهذه الطريقة. فكل مدرسة تضع الزيادة بحسب الخدمة التربوية التي تقدمها وكلفتها، بالإضافة الى أن الأستاذ لا يستطيع التعليم بشكل جيد إن لم يأخذ حقه، وبالتالي أصبح لدى الأهل أزمة، ولدى الإدارة أزمة، وأيضًا لدى الطالب الذي يجب أن يحصل على خدمة تربوية جيدة. والحل يقع على عاتق الدولة الغائبة، لا بل المتفرّجة على المواجهة التي تحصل بين إدارة المدارس والأهل والأساتذة، حتى أنها تقف عاجزة بسبب تفككها. وهذا ما لم يفهمه ممثلو هذه القطاعات الثلاثة بأن مشكلتهم واحدة لذلك يجب عليهم التكاتف والتعاضد مع بعضهم البعض. من هنا علينا أن نفكر بحلٍ جذري لهذا الوضع كخصخصة الإدارة في التعليم الرسمي عبر البطاقة التربوية، بحيث تدرس الموازنة وتوزع على طلاب لبنان، ويصبح لكل مواطن يدفع ضرائبه الحق بأن يُغطى تربويًا، وبالتالي يصبح لديه الخيار بين المدرسة الرسمية التي تقدم خدمة تعليم جيدة أو دفع الأقساط في المدرسة الخاصة.
انطلاقًا مما تقدم تبقى المعالجات التي تتم اليوم في القطاع التربوي في إطار المعالجات الظرفية التي لا تعالج أصل المشكلة، لذلك لا نزال ندور في نفس الدوامة منذ خمسة أعوام عند الدخول الى العام الدراسي الجديد الذي يمر بين مد وجزر. على أن الرقابة في غياب الأرقام والمعطيات الصحيحة تكون غير فاعلة على الرغم من الجهود التي تبذلها لجنة التربية النيابية بهذا الخصوص.
ومما لا شك فيه أن القطاع التربوي لا يعيش اليوم في ظروف سليمة، وهو يعاني أزمة عميقة على غرار مختلف القطاعات السياسية والاقتصادية في لبنان، ومعلمو القطاع الخاص يشكون عدم القدرة على الاستمرار وفق الظروف الراهنة، ويطالبون بتصحيح فعلي للأجور.
أمين سر المجلس التربوي ورئيس مصلحة المعلمين في حزب “القوات اللبنانية” رمزي بطيش يطرح السؤال عن الفائدة ومردود الزيادة التي فرضتها إدارات المدارس الخاصة على الأساتذة. ويخلص الى القول إن هذه مدارس خاصة، وللأهل الحرية في اختيار المدرسة الخاصة التي يريدونها بحسب ميزانيتهم، وعلى الرغم من غلاء الأقساط، هناك إجحاف بحق الأستاذ وبحق الأهل، وأنا دوري أن أكون حاملاً لهذه المدارس لأنه لا يمكننا التخلّي عن دورها الريادي بالتربية.
وفي مقاربة واقعية، يشرح بطيش أن راتب الأستاذ الثانوي قبل الأزمة كان يوازي حوالى 4 ملايين ونصف ل.ل، أي ما يقارب 3000 دولار أميركي، وكان القسط في هذه المدرسة ما يقارب 5 مليون ل.ل. أي ما يعادل 3300 دولار أميركي. بعد الأزمة يمكن القول إن قسط هذه المدرسة عاد الى ما كان عليه سابقًا، 3300 دولار ولكن راتب الأستاذ لم يعد كما كان بل تناقص.
وفي دراسة تفصيلية لهذه الأرقام بحسب القانون الخاص بالمدارس التي لا تبغي الربح، يقسم القسط بين 65 في المئة رواتب و35 في المئة كلفة تشغيل. هنا تُطرح علامة استفهام كبيرة عن النسبة الباقية من الـ65 في المئة التي يجب أن تكون محتسبة كرواتب للأساتذة، إلا أنها لم تصل الى جيوبهم على الرغم من أنه تم رفع الرواتب الى 30 في المئة وفي بعض المدارس الى 60 في المئة. ويؤكد بطيش أنه من خلال عمله وجولاته على المدارس ثمة وضع متعثر لدى البعض بسبب الأزمة الاقتصادية الكبيرة. والبعض الآخر وضعه جيد بسبب الخطة المالية المتبعة لديهم، حيث إن إحدى المدارس الكبرى في منطقة كسروان عمدت في العام الماضي الى حسم 10 في المئة على القسط الكاش، فكانت النتيجة أن حوالى 70 في المئة من الأهل دفعوا أقساطهم، وهنا يُطرح السؤال: هل دفعت إدارة المدرسة راتب الأستاذ بنسبة 100 في المئة؟
من ناحية أخرى يسأل بطيش عن الحرب التي فُتحت في وجه وزير التربية، بسبب فرض رسم 50 دولارًا على أقساط المدرسة الرسمية، مستغربًا هذه الحملة التي من دونها لا مناص من فتح أبواب المدارس الرسمية.
ويلفت الى المطالب التي يرفعها نواب الجمهورية القوية والمجلس التربوي في القوات للتخفيف من عبء الطلاب الأجانب، خصوصًا أن هناك عددًا لا يُستهان به من الطلاب اللبنانيين المتعثرين، الذين هم بحاجة للتعلّم في المدرسة الرسمية، ولكن في الوقت عينه لسنا مع ضرب المدرسة الخاصة وتسليمها للدولة التي أثبتت فشلها في ادارة المدرسة الرسمية. لذلك نسعى وما زلنا نسعى الى أن لا تكون هناك مواجهة بين الأساتذة والأهل وإدارات المدارس الخاصة، لأنه يجب أن نتحد مع بعضنا لمواجهة هذه الأزمة التي لا تبشر ببداية عام دراسي جيد وكي نضع الدولة أمام مسؤولياتها.
للجان الأهل في المدرسة الدور الأساسي، فتصديقها على الموازنات وموافقتها عليها شرط أساسي لقبولها في وزارة التربية، وهو واجب على اللجنة وحق مكتسب لها مكفول بحسب قانون تنظيم الموازنات المدرسية وليس مطلبًا. فالأهل الذين تمثلّهم يموّلون القسط المدرسي بالكامل بحسب القانون 515، إذ إنّ الإيرادات في الموازنة تتكوّن من مجموع الأقساط المدرسيّة الموازي لمجموع النفقات، والتي يتحملّها الأهل بمفردهم من دون أيّ مساعدة من أيّ جهة كانت، ولا سيّما الدولة المسؤولة الأولى عن التعليم التي عليها تأمينه لجميع مواطنيها بجودة عالية.
رئيس اتحاد لجان الأهل في منطقة كسروان والفتوح رفيق فخري يشير الى أن القانون 515/96 الذي بموجبه يتم إنجاز الموازنة في المدارس الخاصة، بعد احتساب النفقات وقسمتها على عدد التلاميذ لاستخراج الموازنة بحيث يذهب 65 في المئة منها رواتب أساتذة وهيئة تعليمية وبدلات نقل، والـ35 في المئة يتم صرفها على التكاليف التشغيلية. لكن بعد الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار لم تعد المدارس الخاصة تلتزم بهذا القانون وبقيت تقدم موازنتها بالليرة اللبنانية، في حين أن القسط بالليرة اللبنانية لا يشكل أكثر من 10 في المئة من القسط المدرسي الفعلي، إلا أننا كلجان أهل لا نستطيع الاطلاع على القسط بالدولار لأن المدارس لا ترفع موازنتها به. وما يحدث في الحقيقة، أن لجان الأهل يحاولون التفاوض مع إدارات المدارس حول القسط الفعلي، من دون أن يكون بين أيديهم موازنة، وهذا العمل غير قانوني وغير شفاف ولا يسمح للجان الأهل بالرقابة.
تنص المادة 15 من القانون 515 بأنه إذا لم توقع لجان الأهل على الموازنة، يُجبر رئيس مصلحة التعليم الخاص بموجب المادة 13 من هذا القانون على استدعاء رئيس المدرسة، وتحويل الملف الى القضاء المختص، وتعين خبير محاسبة للتدقيق بها، ولكن وزارة التربية لا تملك القدرة على التحرك وتطبيق القانون بهذا الملف، لأن الموازنات المدرسية خلال السنوات الثلاث الماضية كلها كانت غير قانونية بحسب ما صرح به أمين عام وزارة التربية، يقول فخري، لذلك نعود الى التسويات مع إدارات المدارس الخاصة غير المبنية على أرقام وعلى قوانين للأسف، مما يسبب إجحافاً في القسط المدرسي في عدد من المدارس.
أما بالنسبة للتحركات والضغط الذي يمكن أن يمارسه الأهل الى جانب اللجان على إدارات المدارس الخاصة، يوضح فخري أنه سيتم خلال شهر تشرين الأول إجراء انتخابات مجالس لجان أهل جديدة في كل لبنان، وبالتالي على الأهل المشاركة بكثافة عبر الترشح والتصويت في الانتخابات ومعرفة اختيار ممثليهم في هذه اللجان كي تكون مستقلة وغير تابعة لإدارات المدارس.
ويشرح فخري أن وفدًا من اتحاد لجان الأهل في كسروان زار البطريرك بشارة الراعي في الديمان بخصوص هذا الملف، وتمنى مراجعة هذا الملف مع الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية التي يؤكد فخري أنه على تواصل مستمر بخصوص هذه المواضيع مع الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب يوسف نصر ويشغل في الوقت نفسه رئيس اتحاد المدارس الخاصة في لبنان، ولكن الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية ترسم الخطوط العريضة من دون التدخل في خصوصيات المدارس، وفي نفس الوقت تعمل على تأمين مساعدات خارجية بلغت حوالى 20 مليون دولار أميركي العام الماضي بحسب الأمانة العامة يقول فخري تم توزيعها على عدد من المدارس خاصة تلك الموجودة في الأطراف لدعمها.
وفي نظرة سريعة الى تفاصيل هذا الموضوع تأتي الاقتراحات التي تُطرح من الحين للآخر من المسؤولين لمعالجة الأزمات والمشاكل التربوية والتعليمية في لبنان بجوانبها كافة، بخاصة المالية، لا ترقى الى الحلول المطلوبة ولو بحدها الأدنى لأزمة شديدة القساوة.
*تجمّع للقوات وعودة الوزارة عن قرارها
بعد صدور التعميم رقم 2024/25 عن وزارة التربية الذي يسمح للطلاب السوريين الذين لا يحملون بطاقة إقامة قانونية أو بطاقة تعريف صادرة عن المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتسجيل في المعاهد والمدارس الرسمية والخاصة للعام الدراسي 2025/2024، وعلى رغم النداءات والدعوات التي وجّهها نواب تكتل الجمهورية القوية للعودة عنه من دون أن تلقى صدى، جاءت الدعوة للقيام بتحركات احتجاجية في الشارع، تصديًا للقرار الخطير، وأعلنت أنها ستذهب بالمواجهة الى النهاية، وأنها ستتقدم بشكوى أمام مجلس شورى الدولة لإلغاء هذا التعميم، وذلك صباح الثلاثاء 17 أيلول الجاري.
وصرّح النائب أنطوان حبشي خلال الوقفة أن أساس تحركنا هو المحافظة على لبنان ووجوده، ونحن نعلم بأن الحكومة وضعت خطة منذ 4 أشهر ووافقت عليها كل القوى السياسية. وبعد كل هذا نتفاجأ بقرار الحكومة ووزارة التربية بما خص المهنيات والتعليم، وهذا الموضوع يشبه اتفاقية القاهرة، ونحن دفعنا ثمنها حرباً طويلة وهذا الموضوع وكأنه يسعى لإلغاء وجود لبنان.
ومساء خرج وزير الإعلام زياد مكاري بعد جلسة مجلس الوزراء وأعلن أن الحكومة اتخذت قرارًا بتعديل القرار، بحيث يقتصر السماح بالتعليم للطلاب السوريين الذين يحملون بطاقة إقامة شرعية.
وكانت حشود المناصرين ولا سيما المعنيين بالملف التربوي من أساتذة وطلاب، قد تجمّعت أمام مبنى المديرية العامة للتعليم المهني والتقني في الدكوانة احتجاجًا على القرارات الأخيرة الصادرة عن وزارة التربية، على أن تحدد في ضوء النتائج الخطوات التصعيدية اللاحقة وصولاً إلى إلغاء القرارات المذكورة كلها واعتبارها كأنها لم تكن.
كتبت غرازييلا فخري في “المسيرة” ـ العدد 1754
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]