#dfp #adsense

مغامرات “الحزب” على الحدود الشرقية.. الحسم بيد الدولة

حجم الخط

الحزب

يعيش لبنان هذه الأيام توترات جديدة على حدوده الشرقية مع سوريا، إثر مواجهات مسلحة بين العشائر اللبنانية الشيعية، التي تربطها علاقات تاريخية مع “الحزب”، وبين الجيش السوري على الجانب الآخر من الحدود. هذه المواجهات، التي بدت للوهلة الأولى ذات طابع عشائري بحت، سرعان ما كشفت عن عمق سياسي وإقليمي يتخطى النطاق المحلي بكثير.

 

السياق الحقيقي للمواجهة: مصالح الحزب والأيادي الإيرانية

حافظت البيئة العشائرية الشيعية في لبنان على علاقة معقدة بـ”الحزب”، تقوم على المصالح المشتركة وأحيانًا الإلزامية، لحماية خطوط الإمداد والتهريب التي تعزز قوته اقتصاديًا وعسكريًا. هذه الشبكات الممتدة عبر الحدود اللبنانية ـ السورية، تعرّضت لضغوط شديدة في الفترة الأخيرة، خصوصًا مع الأحداث في الساحل السوري التي أدّت إلى إغلاق بعض مسارات الإمداد الاستراتيجية لـ”الحزب”، ما فرض عليه البحث عن بدائل أو إعادة فتحها ولو بالقوة. وفي هذا السياق تحديدًا، فإن العشائر تلعب اليوم دور “غطاء ميداني” مشابه لكتيبة الأهالي التي لطالما استخدمها “الحزب” في الجنوب اللبناني، مستعينًا بها كأداة قابلة للاستخدام عند الحاجة، ولإبعاد المسؤولية السياسية والعسكرية المباشرة عنه.

من السهل ملاحظة بصمات إيرانية غير مباشرة في هذه التطورات، إذ اعتمدت إيران منذ سنوات على “الحزب” كذراع لتعزيز مشروعها الإقليمي. وبالتالي، فإن ما يحصل اليوم قد يكون محاولة واضحة من إيران، عبر “الحزب”، لفتح مسارات تمويل وتسليح جديدة أو تأمين القديمة، في ظل الحصار الاقتصادي المفروض عليها وارتفاع وتيرة التضييق الدولي على شبكاتها المالية.

 

الدولة اللبنانية بين واجب السيادة والانفصام السياسي

على الجانب الآخر، بادرت الدولة اللبنانية، ممثلةً برئيس الجمهورية، إلى احتواء التوتر عبر القنوات الدبلوماسية، فوجهت وزير الخارجية المتواجد في بروكسل لفتح قنوات تفاوضية مباشرة مع الجانب السوري، كما أجرى وزيرا الدفاع اللبناني والسوري اتصالات مكثفة أثمرت عن اتفاقٍ لوقف إطلاق النار. يعكس هذا التحرك الرسمي رغبة لبنان في تأكيد سيادته الوطنية والالتزام بالمعايير الدبلوماسية والقانون الدولي. إلا أنّ هذه الجهود الرسمية اصطدمت مجددًا بتناقض حاد بين الموقف الرسمي للدولة من جهة، وبين الممارسات الميدانية لـ”الحزب” من جهة أخرى، والتي تُهدّد بتوريط لبنان في مواجهات إقليمية جديدة.

قصف “الحزب” للقرى السورية الحدودية، متجاهلًا قرار الدولة، يفتح مواجهة غير معلنة ويشكل انتهاكًا صارخًا للسيادة ويكرّس احتكاره لقرار الحرب والسلم. ومن غير الطبيعي أساسًا أن تتواجد مجموعات مسلحة ككتيبة “عشائر الحزب” مدججة بالسلاح والصواريخ تعمل على الحدود بالتوازي مع الجيش اللبناني، فهذه الحالة الشاذة ليست فقط استثناءً عن منطق السيادة الوطنية، بل تؤدي إلى إضعاف صورة الدولة اللبنانية داخليًا وخارجيًا، وتكرّس حالة الانفصام السياسي والأمني الذي يعيشه لبنان.

 

“الحزب” وضرورة إنتاج سردية جديدة لسلاحه

في ظل الدمار الهائل الذي لحق بالجنوب اللبناني نتيجة المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، وانسحاب “الحزب” إلى شمال الليطاني، يأتي التصعيد الجديد في منطقة البقاع ليطرح تساؤلات جديّة حول دوافع “الحزب” وحساباته الاستراتيجية. فهل يسعى “الحزب” من خلال فتح جبهةٍ جديدة إلى إنتاج سردية مختلفة، ولو على حساب تدمير مناطق لبنانية أخرى، تتيح له تبرير الاحتفاظ بسلاحه في مواجهة تصاعد الأصوات الداعية لتسليمه أو إخضاعه لسلطة الدولة؟

يسعى “الحزب” لخلق خصم جديد، مروّجًا لخطر التطرّف السنّي الآتي من سوريا، لتبرير استمرار سلاحه وفق روايات مقربين منه.

إنّ توقيت هذا التصعيد، بعد أيامٍ معدودة من الاضطرابات التي شهدها الساحل السوري، يشي بأن “الحزب” شعر بالتهديد المباشر في عمق مصالحه العسكرية والاستراتيجية والمالية. ومن هنا، يمكن قراءة المواجهة الحالية باعتبارها رسالةً مزدوجة: الأولى موجهة للداخل اللبناني، مفادها أنّ “الحزب” لا يزال قادرًا على فرض شروطه من موقع القوة، وأن سلاحه يبقى ضرورة وطنية؛ والثانية موجهة نحو القوى الإقليمية والدولية، مؤكدًا أنّ خطوط إمداده وشبكات تمويله ليست موضعًا للنقاش أو التفاوض.

 

مسؤولية الحكومة اللبنانية وضرورة المواجهة السياسية الجديّة

وسط هذه المعطيات المعقدة، تبرز مسؤولية الحكومة اللبنانية بشكل واضح. فالسكوت الرسمي عن انتهاكات “الحزب” المستمرة للسيادة اللبنانية يشكّل تهديدًا وجوديًا للدولة واستقرارها. والمطلوب اليوم موقفٌ واضح لا لبس فيه، موقفٌ سياسيّ ودبلوماسي متماسك، يُعيد الدولة إلى موقع القرار، ويضع حدًّا لأي فصيل يتجرأ على احتكار قرار الحرب والسلم.

من جهة أخرى، على القوى السياسية اللبنانية كافة اتخاذ موقف موحّد يُطالب “الحزب” بالتوقف الفوري عن ممارساته الخارجة عن سلطة الدولة، والعودة إلى المؤسسات الشرعية اللبنانية كجهة وحيدة تمتلك الحق في إدارة العلاقات الخارجية وتأمين الحدود.

 

لبنان بين استعادة السيادة وخطر المشاريع الإقليمية

استمرار تجاهل خطورة أفعال “الحزب”، تحت مسميات “المقاومة” أو “الخصوصية”، سيدفع لبنان نحو مواجهة جديدة. المسؤولية اليوم أكبر من أي وقت مضى على الدولة اللبنانية، فإما أن تتحرك بقوة لحماية سيادتها وإعادة القرار السياسي إلى يدها، أو تترك البلاد رهينة مشاريع إقليمية مدمرة.

تصرفات “الحزب” الأنانية ومحاولاته اليائسة لترميم قوته ونفوذه ستكون لها تداعيات كارثية على لبنان واللبنانيين، الذين لم يُبدِ “الحزب” تجاههم أيّ قدر من المسؤولية أو الاهتمام الحقيقي. إن استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها وهيبتها لا يتحقق إلا برؤية سياسية واضحة، وبقرار وطني شجاع يضع حدًا نهائيًا لأي طرف يختطف قرار الحرب والسلم. فإما أن يتحقق ذلك اليوم، أو سيكون لبنان مجددًا أسير مشاريع إقليمية لا ترحم.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل