#dfp #adsense

الشيعة ليسوا حزبًا.. بل هوية وطنية

حجم الخط

الشيعة ـ لبنان

ليس أخطر ما فعله “الحزب” هو سلاحه، ولا دوره العسكري في الإقليم، ولا حتى تعطيله المتكرّر لمؤسسات الدولة اللبنانية. الخطر الأكبر، هو أنه نجح، على مدى عقود، في تزوير الوعي الجماعي، وترويج معادلة مفادها أن “الحزب” هو الطائفة الشيعية، وأن كل ما يُصيب “الحزب” هو اعتداء على الشيعة، وكل من ينتقده إنما يطعن في بيئته. لكن هذا الادعاء، الذي تراكم بفعل الترهيب، والدعاية، والهيمنة، كاذب في جوهره وخطر في نتائجه. فالشيعة في لبنان كانوا ولا يزالون أبناء فكرة الدولة، لا غرباء عنها. أبناء الدستور، لا خصومه. أبناء الوطن، لا أدوات في محاور خارجية.

ما فعله “الحزب”، منذ نشأته، هو اختطاف هذه الجماعة الكريمة من قلب الشرعية إلى هامش الوظيفة الإقليمية، وتحويلها من شركاء في بناء الجمهورية إلى أدوات في خدمة مشروع خارجي لا يُشبه لبنان، ولا يُشبههم. لم يختطف الناس فقط، بل اختطف هويتهم، وأغلق أمامهم أبواب المستقبل، وفتح لهم بوابة واحدة: القتال من أجل غيرهم، والموت تحت رايات لا تشبههم.

 

الشيعة الذين شاركوا في صناعة الدولة

قبل أن يسمع لبنان باسم “الحزب”، كان الشيعة حاضرين في صلب التجربة اللبنانية، في السياسة، والثقافة، والاجتماع، والقانون، والمؤسسات.

كان كامل الأسعد رئيس مجلس النواب، لا بوصفه ممثلًا لطائفة، بل كأحد رموز الدولة الدستورية التي لا تحكمها البنادق، بل النصوص والشرعية.

كان الإمام موسى الصدر صوت المحرومين لا السلاح. نادى بالكرامة لا بالميليشيا. رأى أن الجنوب لا يُحرر بالسلاح الطائفي، بل بتحرير الطائفة من التهميش عبر الدولة لا ضدها.

كان السيد محمد مهدي شمس الدين مفكرًا في قلب بيروت، ينادي بوضوح: لا ولاية لفقيه في أرض العرب، والشيعة العرب ليسوا بيادق بيد أحد.

كان السيد هاني فحص يقول: الإيمان لا يكون بخندق، بل بفكرة. صوته كان أعلى من المدافع، وأصدق من البيانات. كتب عن الوطن أكثر مما كتب عن العقيدة، وقرأ التشيّع من كتاب التاريخ، لا من منشورات الحرس الثوري.

وكان السيد علي الأمين، ولا يزال، يقول بملء صوته: الدولة فوق كل سلاح، والإيمان لا يُقاس بحجم الترسانة بل بعمق الانتماء، والانتماء هو للبنان، لا لقم.

هؤلاء، وغيرهم كثيرون، لم يكونوا هامشيين، ولا معارضين طائفيين، بل كانوا ضميرًا حيًا في قلب الطائفة الشيعية، حملوا همّها دون أن يدّعوا امتلاكها، ودافعوا عن كرامتها دون أن يختزلوها بخندق وسلاح وعلم غير علمها.

 

كيف اختطف “الحزب” الطائفة؟

لم يكن صعود “الحزب” وليد لحظة مقاومة ظرفية أو رد فعل مباشر على الاحتلال الإسرائيلي، بل نتيجة مسار إقليمي متكامل بدأ مع الثورة الإسلامية في إيران، وتعمّق مع الدور السوري في هندسة النظام اللبناني، ثم انفجر مع الانكشاف العربي الكبير بعد غزو العراق. في هذا السياق، لم يكن “الحزب” مجرّد فاعل محلي، بل أداة تنفيذ لمشروع تتقاطع فيه العقيدة مع النفوذ، والدين مع الجغرافيا، والولاء مع التموضع الإقليمي.

استفاد من الدعم الإيراني المطلق، من الحماية السورية، من تفكك الدولة، ومن فراغ الهويات الوطنية، ليبني منظومة نفوذ تتجاوز حدود الطائفة، وتزرع نفسها في نسيج المجتمع. واستغل الاحتلال الإسرائيلي، كما استغل انهيار الحركة الوطنية، كما استغل تغييب الإمام الصدر، كما استغل فقر الناس وخوفهم، ليفرض نفسه “حارسًا” على الطائفة، ثم “مندوبًا” عنها، ثم “نظامًا” داخلها، ثم “هوية” بديلة لها.

لكن هذا التمدد لم يُفرض بالكامل بالقوة، بل بذكاء استثمر شعورًا تاريخيًا بالتهميش، وملأ فراغًا في التمثيل والكرامة داخل بيئته، وسوّق لنفسه كملاذ روحي ووطني في آن. اختلط الخطاب العقائدي بالتجربة القتالية، والمال بالخدمة، والدعاية بالإغاثة، حتى تماهى “الحزب” لدى شريحة واسعة من الناس مع الدين نفسه، ومع الوطن، ومع معنى الصمود في وجه الانهيار.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم حضور “الحزب” فقط كنتاج إكراه أو ترهيب، بل كمنظومة هيمنة ناعمة وخشنة معًا، نسجت ولاءً مركّبًا، لا يُفك إلا بمشروع وطني مضاد، أكثر صدقًا وعدالة وشجاعة.

أغلق “الحزب” الحياة السياسية داخل البيئة الشيعية، وألغى التعددية، وسحق كل من خالفه. اغتال الرأي، قبل أن يغتال السياسيين. شيطن كل صوت مستقل، وخوّن كل معارض، وألحق معظم رجال الدين به، وحوّل كل مؤسسات الطائفة إلى منصّات تطبيل لخيار واحد: خيار السلاح، والولاء، والوصاية الإيرانية.

لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن “الحزب” لم يكن مجرد تنظيم سياسي أو عسكري، بل قام على عقيدة دينية ـ سياسية تُلزم الشيعة بولاية فقيه غريب عن أرضهم وثقافتهم، وتجعل من طاعتهم له جزءًا من إيمانهم. هذه العقيدة لم تكتفِ بتهميشهم داخل الدولة، بل دفعتهم إلى حروب لا تخصهم، وقتلت أبناءهم تحت شعار خدمة “الولي الفقيه”، لا خدمة وطنهم. ومن خلال هذه العقيدة، تَحوّل التشيّع من فكر حيّ إلى طاعة عمياء، ومن مدرسة اجتهادية إلى تنظيم قتالي لا صوت فيه إلا لمن يحمل السلاح.

هكذا، لم يختطف “الحزب” الطائفة فقط، بل اختطف الجمهورية معها، وسجنها داخل خريطة غير لبنانية، وحدود غير وطنية، وعقيدة لا تمتّ إلى الإسلام العربي ولا إلى التشيّع التاريخي بأي صلة.

 

التشيّع ليس حزبًا… بل حضارة

الشيعة في لبنان والعالم العربي، هم طيف واسع من المؤمنين، المفكرين، المثقفين، الشهداء، الكادحين، الجامعيين، الثوار، الوطنيين. هم ليسوا صدىً لصوت واحد، ولا جبهة خلف بندقية واحدة. منهم من قضى عمره في الجيش اللبناني، ومنهم من دافع عن بيروت بوجه الاحتلال، ومنهم من واجه النظام السوري، ومنهم من كتب، ومنهم من قاوم، ومنهم من لم ينتمِ لحزب قط، لكنه لم يساوم يومًا على لبنان.

وما فعله “الحزب”، هو أنه غرس في وعي اللبنانيين، وفي عيون الخارج، أن الشيعة حزب. وأن التشيع هو السلاح. وأن كل شيعي هو مشروع متطرّف، أو مشتبه به. وهذا، قبل أن يكون خطرًا على الآخرين، هو خيانة لهوية الطائفة، وتاريخها، وعمقها، وإسهامها في بناء الجمهورية.

لقد حوّل “الحزب” الجنوب والبقاع إلى ساحات قتال، بدل أن تكون ساحات حياة. ارتفعت الكلفة الاجتماعية والاقتصادية على بيئته، فُرغت المناطق من أبنائها، حُرمت الكفاءات من فرصها، وتم تعويض ذلك ببطاقات تمويل حزبية لا تُطعم كرامة، ولا تبني مستقبلًا.

 

من الدولة يبدأ التحرير… لا من الطائفة

الرهان لم يعد على تغيّر “الحزب”، بل على صحوة الدولة. لم يعد جائزًا أن تبقى السلطة مترددة أو صامتة أمام واقع يُختصر في التالي: طائفة بكاملها محاصَرة داخل سردية حزبية تُصادر حقها في التنوع، وفي الولاء للدولة، وفي التعبير الحر عن ذاتها.

المعركة الحقيقية لا تبدأ من داخل “الحزب”، بل من خارج سلطته. من الشيعة الأحرار، من المثقفين، من الكوادر الصامتة، من العائلات التي سُحقت اجتماعيًا واقتصاديًا بسبب رفضها الانضواء في منظومة الولاء الأعمى. هؤلاء ليسوا أقلية. إنهم الكتلة الصامتة التي تنتظر من يُنصت إليها، من يحميها، ومن يفتح أمامها باب الدولة. ففي أحياء الضاحية، وفي قرى الجنوب والبقاع، يعيش الآلاف من أبناء الطائفة حالة من الخوف والاختناق. شبابٌ حُرموا من التعبير، أمهاتٌ يبكين أبناءهن في صمت، عائلاتٌ تدفع الثمن لأنها رفضت التطبيل. هذا الألم الصامت هو الحقيقة التي لا يريد “الحزب” أن تُروى، وهو ما يجب على الدولة أن تراه وتحتضنه، لا أن تتفرّج عليه.

وقد دفع البعض ثمن هذا الصوت الحرّ بأغلى الأثمان. لقمان سليم، المفكر الشيعي الجريء، قُتل برصاص الصمت في منطقة تخضع لـ”الحزب”، لأنه تجرأ وقال لا باسم الطائفة. قُتل لأنه آمن أن الشيعة ليسوا ملكًا لأحد. وقبله، واجه السيد علي الأمين الإقصاء، وأُخرج من موقعه الديني لأنه قال إن الدولة فوق الولي الفقيه. وتم تحييد أحمد الأسعد سياسيًا، وترويع نشطاء كُثُر، لا لأنهم خونة، بل لأنهم أحرار داخل الطائفة.

الدولة، إذا كانت جادة في استعادة سيادتها، فعليها أن تبدأ باستعادة أبنائها. بمدّ اليد إلى الشيعة لا التفرج على عزلهم، وبكسر الاحتكار لا الخوف منه، وببناء شراكة جديدة لا تقوم على التسويات الهشة بل على الحقوق المتساوية والولاء للبنان فقط.

أما إذا استمر الصمت والتردّد، فإن المشروع الإيراني سيستمر في استخدام “الحزب” كورقة مساومة حتى آخر شيعي لبناني، لأن إيران لا تقاتل بسلاحها بل بأجساد الآخرين، ولا تفاوض إلا على حسابهم.

وفي هذا المسار، إذا لم يتم احتضان الشيعة الوطنيين وحمايتهم، فإن لبنان سيدفع الثمن كله. لأن كل تطرف يأتي بتطرف مضاد، وكل هيمنة تُنتج رد فعل راديكالي، وفي النهاية لن يبقى من لبنان إلا أشلاء طوائف متناحرة، وسيكون الشيعة أول من يدفع ثمن الدويلة التي صنعها “الحزب” باسمهم وضدهم في آنٍ معًا.

ما يُهدّد الشيعة اليوم، هو ذاته ما هدد الطوائف اللبنانية الأخرى في مراحل سابقة من تاريخها: أن تتحوّل الهوية الجماعية إلى رهينة مشروع خارجي، وأن يُختصر الولاء للوطن بولاءات فئوية أو دينية مؤقتة. لقد دفعت كل طائفة، في زمن ما، ثمن ارتهانها لقوة خارج الدولة، قبل أن تكتشف أن لا خلاص إلا بالعودة إلى الدولة الجامعة وبالاعتراف بنهائية الكيان اللبناني. واليوم، يدفع الشيعة ثمن اختطاف مماثل، لا يختلف في جوهره، وإن اختلفت أدواته.

والخلاص لا يكون بعزل طائفة، بل بكسر الدوائر المقفلة التي حوّلت كل جماعة إلى قوقعة. المشروع الوطني لا يُعيد الشيعة فقط إلى الدولة، بل يُعيد الدولة إلى الجميع، على قاعدة الشراكة، والكرامة، والانتماء المتساوي للوطن الواحد.

دعم الشيعة الأحرار ليس مطلبًا طائفيًا، بل شرط بقاء لوطنٍ تعددي بنظام لامركزي متطور، يُقاوم من أجل الحياة، لا من أجل وظيفة في محور يتاجر بأهله. ومن حماية الشيعة الأحرار تبدأ حماية لبنان. ومن كسر القيد عن الطائفة، تُكسر قبضة المحور عن الوطن. فلبنان لا يُنقذ طائفة دون أخرى، ولا تقوم له قيامة ما لم تخرج كل طائفة من أسرِ ماضيها إلى أفق الدولة الجامعة.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل