
.jpg)

.jpg)

.jpg)
معركة جديدة خاضها اللبنانيّون مع ذاتهم الكيانيّة وكيانهم الوطني لمقاربة الاستحقاق الانتخابي البلدي والاختياري. تميّزت هذه المقاربة في عدّة مسائل، استحقت التوقّف عندها، وتفنيد أسبابها ونتائجها لفهم الخطّ البياني السياسي وكيفيّة تحرّك الذهنيّة الوطنيّة. ولا يمكن في هذا السياق إغفال التوق السياسي التحرّريّ الذي شكّل بوصلة هذه الانتخابات. فهل ينجح اللبنانيّون في استثمار النتائج؟ وهل ستنسحب مقاربة الاستحقاق البلدي على الاستحقاق النيابي القادم في العام 2026؟
من أصدق الأمثلة وأكثرها واقعيّة عن هذا التغيير هي الثورة الفرنسية عام 1789، باعتبار أنها شكّلت عماد التغيير في العالم كلّه، إذ نجحت بنقل العقليّة من مرحلة الإصلاح والتغيير إلى مرحلة التحرير والتثوير، ما سمح بتحرّر الفكر الإنساني. وهذا ما أدّى بدوره إلى إحداث صدع فكري عالمي نقل العقل البشري من حال الاسترقاق والإقطاع والاستعباد إلى حالة من التحرّر والتحرير والتسيُّد.
عام 1791 كتب المفكرّ إدموند بيرك (1729 ـ 1797) عن الثورة الفرنسية: “عندما تهزّ الدولة زلزلة تامة، ولا يبقى شيء على حاله، فإن أي نظام جديد سيعاني من ضعف التغيير”. ولعلّ هذا ما يشكّل عامل الخوف من حالة التغيير. هذه الحالة إن نجحت قد تطيح بالأعراف التي اعتاد النّاس عليها كموج البحر الجارف. ولكنّ ذلك قد يؤدّي إلى حالة من عدم الاستقرار، حتى وإن حاول الناس مجدّدًا العودة إلى النظام السابق.
الهويّة السياسيّة الجديدة
في كتابه “الديمقراطية الجديدة” (1912)، وصف المفكّر والتر وايل (1873 ـ 1919) المزاج السياسي الأميركي بقوله “أميركا اليوم في حالة من القلق والتساؤل العميق. نحن نعيد النظر بسرعة في كلّ مفاهيمنا الاجتماعية”. وهذا ما عكس وقتذاك حالة التغير والبحث عن هوية جديدة في السياسة الأميركية في تلك الفترة.
لعلّ هذا ما نحن بأمسّ الحاجة إليه في وطننا لبنان: البحث عن هويّة سياسيّة جديدة تشبه مجتمعنا اللبناني، ولا يتمّ إسقاط هذه الهويّة علينا كما حدث في فترة استيلاد الدّولة اللبنانيّة في عشرينيّات القرن المنصرم. لذلك علينا ألّا نخاف من تغيير المزاج السياسي العام في لبنان. وهذا ما عبّرت عنه صناديق الانتخاب في معظم المناطق اللبنانيّة، باستثناء تلك التي لا زالت تخضع للترهيب الفكري والتي كُمَّتِ الأصوات فيها تحت ذريعة التوافق في البلديّات بحجّة أمن المجتمعات المحلّيّة.
هذا المشهد انطبع في البلدات التي لا تزال خاضعة لفكر منظّمة “الحزب”؛ إذ رفضت الدّخول في التغيير بسبب ترهيبها من هذه الموجة التي باعتقادهم ستحدث الفوضى. وما عزّز هذه الفرضيّة أكثر، تلك الفوضى العارمة التي اجتاحت دول الجوار، ولا سيّما سوريا بعد حصول هذا التغيير بعد سقوط نظام آل الأسد في 8 كانون الأوّل 2024.
ولن يستطيع الشعب تحقيق أيّ تغيير إلا إذا نجح ببناء منظومة فكريّة – تفكّريّة – نقديّة تستطيع أن تحاسب كلّ الذين تولّوا إدارة شؤونها. وليس على قاعدة عفا الله عمّا مضى. حيث تؤكّد هذا المبدأ الكاتبة الأميركيّة أندريا لونغ تشو في صحيفة “نيويورك تايمز”، وتحديدًا في مجموعتها “السلطة” (2025)، حيث كتبت: “النقد الجيد يستمد سلطته من الأسلوب والقناعة، وليس من الموضوعية الأخلاقية أو الجمالية”. فدعوة تشو إلى نقد سياسي صريح وشخصي، تعتبر أنّ كل نقد هو بطبيعته سياسي وذاتي.
ولعلّ التغيير الأجرأ هو ذلك الذي حصل في المناطق المسيحيّة التي بايعت محور إيران وسوريا في لبنان طيلة أربعة عقود. حيث ثَبُتَ للنّاس أنّ التغيير الحقيقي لا يكون بالمطالبة بحقوق المسيحيين كشعار، ومن ثمّ تحويله إلى حقوق للأفراد على حساب المسيحيين أنفسهم. وهذا ما علّل التغيير في المزاج السياسي العام. ونجحت هذه البلدات بتحقيق التحوّل الاستراتيجي السلس ـ نوعًا ما – لما هو لمصلحة الجماعة وليس الأفراد.
سقوط الأنسنة على حساب الحَزْبَنَة
قمّة الانحطاط التي ممكن أن تطأها قدما أيّ سياسيّ في العالم تكون عندما يتحوّل الصراع السياسي من اختلاف فكري من أجل تقدم الوطن، إلى تفوّق سياسي حزبي، ولو على حساب تدمير الوطن بحزبنته أحاديًّا. وذلك لأنّ أيّ هدف من أيّ صراع سياسيّ يجب أن يكون لمصلحة الوطن، وليس لمصلحة المكاسب الشخصانيّة والفردانيّة الضيّقة على حساب وجوديّة هذا الوطن، وعلى حساب ضرب سلّم القِيَم.
وانطلاقًا من هذه الأسس الفكريّة اقترع معظم النّاخبين اللبنانيّين في انتخابات أيّار 2025 البلديّة والاختيارية. لأنّ التغيير الذي حصل هو تغيير جماعي في السلوك السياسي.
النمذجة السياسيّة سبيل التغيير الحقيقي
لم يكن النّاخب اللبناني ليحقّق هذا الانتقال السلس والصعب والحاد بالوقت نفسه، لو لم يرَ أمام عينيه نموذجًا نقيضًا للنموذج الذي اعتاده طيلة أعوام الفساد والانحطاط والذمّيّة التي عاشها.
ولعلّ هذا ما دفعه إلى إعادة قراءة للواقع الذي أوصل نفسه إليه بيديه العاريتين. لأنّ “السلطة هي مرآة للشعب”. واليوم بعدما تغيّر السلوك الجماعي للنّاس نتيجة للمارسة الفعليّة والفاعلة ضمن أطر القانون من قبل مجموعة من النواب والساسة، وهذا ما جعل النمذجة السياسيّة سبيلًا للتغيير الحقيقي؛ فاتّجه المواطن اللبناني نحو المحاسبة التي أعطاه إيّاها الدّستور اللبناني والمواثيق الدّوليّة كحقّ غير قابل للتنازل عنه.
لذلك كلّه، رأينا هذا الانتقال من الفكر العائلي الاقطاعي إلى فكر من نوع جديد مبني على تزاوج مارونيّ بين العائليّة والسياسيّة، حيث أضحت السيطرة في هذه الحالة للفكر السياسي على حساب العائليّة والقبليّة والعشائريّة والزعاماتيّة. وهذا ما سيُنتِج بدوره سلطة تشبه تطلّعات جيل الشباب الذي أقبل بكثافة، ترشيحًا واقتراعًا على هذه الانتخابات، لأنّ هذا الجيل يريد وطنًا يلحقه في موجة التطوّر العالمي الذي وجد نفسه منخرطًا في عمقها.
جرأة إعلان التغيير
عندما يتحوّل بعض مَن كان يدعم هذه العقليّة إلى منتقد لها فهذا مؤشّر واضح على انهيارها. وهذا ما حصل مثلًا في ألمانيا الشرقيّة حيث انتقد الكاتب والصحفي “شتيفان هايم” (1913 ـ 2001) النظام الشيوعي الذي بدأ كداعم له في ألمانيا الشرقية، لكنه تحوّل إلى ناقد له، ودافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، مما ساهم في تعزيز الفكر الديمقراطي.
حتّى إنّ آخر رئيس للاتحاد السوفياتي، ميخائيل غورباتشوف (1931 ـ 2022) أطلق إصلاحات “البيريسترويكا” (إعادة الهيكلة) و”الغلاسنوست” (الشفافية) التي ساهمت في تفكيك النظام الشيوعي وفتح المجال أمام الديمقراطية. وهذا ما جعله برغم الانتقادات الداخلية، شخصية محورية في الانتقال من الشيوعية إلى الديمقراطية.
ولعلّ الدور الأبرز يكمن في الثورة الفكريّة التي نجح بعض قادة الرأي والمفكرين في لبنان ببثّها في الأوساط الفكريّة والسياسيّة وحتى تلك الشعبيّة من خلال كتاباتهم وأعمالهم. فالكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين (1918 ـ 2008) كشف في أعماله مثل “أرخبيل الغولاغ” عن فظائع النظام السوفياتي، ممّا ساهم في زعزعة شرعيّة الشيوعيّة وتعزيز الفكر الديمقراطي.
وهذا الدور توسّع أكثر في زمن الثورة الرقميّة والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي على تنوّعها. ما ساهم بسرعة وتوسّع وانتشار الفكر التثويري اللبناني الجديد. لذلك نحن اليوم بحاجة لإعادة صياغة الفكر اللبناني على هذه القواعد والأسس الجديدة تمامًا كما فعل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس البالغ من العمر 95 عامًا اليوم، وهو الذي ساهم في إعادة بناء الفكر السياسي الألماني بعد النازية، من خلال تطوير نظرية الفعل التواصلي والدفاع عن الديمقراطية التشاركية. كذلك السياسي الألماني كورت شوماخر (1895 ـ1952) الذي عارض النازية وسُجن في معسكرات الاعتقال، وبعد الحرب أصبح زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وساهم في تأسيس الديمقراطية في ألمانيا الغربية.
وهذا الاعتراف بالتغيير نتيجة النقد الذاتي لا يستطيع إلّا المؤمن تحقيقه لأنّ الإيمان هو العبور بالذات إلى الخلاص.
شعبنا الحيّ هو مصدر سلطتنا الجديدة
هذا الدّور الذي نجح الاحتلال السوري والنّظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك بإسكاته من خلال اغتيال قادة رأي مثل رمزي عيراني (1966- 2002) وجبران تويني (1957 – 2005) وسمير قصير (1960 ـ 2005) ومحمّد شطح (1951 ـ 2013) وغيرهم كثر من قادة رأي وفكر ثورة الأرز؛ تلك الثورة التي كتب لروحها أن تبقى حيّة في نفوسنا، ونأمل أن تكون شهادة باسكال سليمان (2024) هي آخر شهادة بالدم أزهرت في صناديق انتخابات نوّار 2025، وستتفتّح براعمها أكثر فأكثر في انتخابات نوّار 2026.
ولأنّ الشعب هو مصدر السلطات، يقيننا أنّ شعبنا قام بإعادة إنتاج فكريّة تجلّت في الطريقة التي خاض فيها العمليّات الانتخابية المتتالية، منذ العام 2018 وحتّى أيّار 2025. ويقيننا أيضًا أنّ هذا التغيير الفكري في السلوك الجماعي سينسحب على الانتخابات النيابيّة القادمة في أيّار 2026؛ فاللبنانيّون بمعظمهم قد غيّروا بأنفسهم، لذلك إيماننا أنّ الله سيكون الفاعل فيهم وهو الذي سيحدث هذا التغيير انطلاقًا من التثوير.
كتب د. ميشال الشّمّاعي في “المسيرة” ـ العدد 1765
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]