#dfp #adsense

لبنان الأوّل عربيًا في العمل البلدي: من “ديوان المشورة” الى “القومسيون”.. يا رئيس البلدية

حجم الخط

لبنانلبنانلبنانلبنان

وصار الذي صار.. لبنان الذي لا يزال يجرجر مآسي ودمار حرب أُقحم بها، بأعجوبة، انتفض واحتفل بعرسه الديمقراطي، وخاض الانتخابات البلدية السابعة في تاريخه بنجاح باهر، ممارسًا تقليدًا صار عمره 161 عامًا. هي حكاية البلديات وهو صراخ الديمقراطية في لبنان، خربت أم عمرت، عبثًا يخفت. هي حكايا تتمدد منذ العهد العثماني، ولمن لا يعرف فليعرف، أول بلدية في هذا الشرق العربي كانت في لبنان، في عاصمة جبل لبنان، من هناك انطلقت وعمّت ونثرت حكايات عزّ وديمقراطية متجذرة حتى العظم.. ولن تستكين مهما صار، والتاريخ شاهد ويحكي…

نعم تمت بنجاح باهر، وتجددت بلدياتنا واحتفلت قرانا ومدننا. حلوة الديمقراطية، حلوة البلدية، حلو التجديد، وها هو عهد بلدي جديد يطل علينا بعد طول غياب وتمديدات أنستنا حضورها ودورها في نظامنا الديمقراطي، وحوّلتها الى كيان جامد، حاضر لكنه بحكم الغائب، وها هي أغنية “يا رئيس البلدية” لفيروز ونصري شمس الدين تعود وتصدح، وبطرافة وإبداع الأخوين رحباني، تصف واقع البلديات في لبنان بكل فساده ومحسوبياته، وتذكّرنا أنه يوم قُدّمت لأول مرة ضمن مسرحية “المحطة” على مسرح قصر البيكاديلي في الحمرا في العام 1973، ما كانت المجالس البلدية موجودة بعد في قاموس بعض دول عالمنا العربي.

نعم صدقوا، لبنان “المتخلّف” اليوم في العمل البلدي، كان مدخلًا لتاريخ العمل البلدي في هذا الشرق، وما سبقه الى ذلك سوى اسطنبول، يوم كانت عاصمة الحكم العثماني، كيف؟

هو التاريخ يخبرنا، كان ذلك في العام  1516، يوم خضع لبنان للحكم العثماني، وصار تابعًا لتقسيماته الإدارية التي تركت أثرها على تنظيم وطرق الإدارة في لبنان.

ففي أعقاب الفتنة الطائفية التي نشبت بين الموارنة والدروز عام 1840، أُعطي جبل لبنان وضعًا إداريًا خاصًا، وعلى إثرها قسّمت الدولة العثمانية جبل لبنان الى قائمقاميتين: قائمقامية مسيحية وقائمقامية درزية، لكن هذا النظام لم ينجح في وقف الفتن الطائفية التي تجددت عام 1860، مما أدى الى إلغاء القائمقاميتين، ووضع نظام جديد لجبل لبنان عُرف بـ”نظام المتصرفية”.

 

الروح الأوروبية تتمخض “القومسيون البلدي”

ويذكر الأديب اللبناني لحد خاطر في كتاب “عهد المتصرفين في لبنان 1861 – 1918″، أنه بموجب بروتوكول عام 1864، جُعِلَ من جبل لبنان متصرفية ذات حكم ذاتي من الناحية الإدارية عن باقي بلاد الشام، يتولاها متصرف مسيحي من رعايا الدولة العثمانية، تعيّنه السلطنة العثمانية بموافقة الدول الأوروبية العظمى الست: بريطانيا وفرنسا وبروسيا وروسيا والنمسا وإيطاليا.

وبذلك، كان المتصرف داوود باشا، أول من تولى هذا المنصب، مفتتحًا عهد متصرفية جبل لبنان الذي حمل الى الجبل اللبناني أولى المؤسسات الادارية التي وضعت حجر الأساس لممارسة اللبنانيين النظم الإدارية والمالية والقضائية والتمثيلية في جو من شبه الاستقلالية، لكنها الروح الأوروبية التي بدأت تسري في عروق الدولة العثمانية، من أدخل مؤسسة “البلدية”، أو ما عُرف يومذاك بـ”القومسيون البلدي” الى دائرة التنظيمات الجديدة التي سيكون للبنان نصيب منها في ظل إدارة متصرفية جبل لبنان.

كانت وظيفة “القومسيون البلدي” رفع وتيرة العمران والتنظيم المدني في المدن والقرى اللبنانية، ليشكّل ظهور البلديات طريقًا لتطوير الممارسة العمرانية، وأيضا الممارسة السياسية، مع المشاركة في لعبة الحياة الديموقراطية.

ويروي الكاتب عبدالله الملاح في كتاب “البلديات في متصرفية جبل لبنان”، قصة المحاولات التنظيمية الأولى، حيث جاء دخول البلديات إلى جبل لبنان بعدما طرحت اللجنة الدولية في 21 آذار 1861، مسألة استحداث المؤسسات البلدية، وإن كان الظهور الأول لما يُعرف بمجلس بلدي قد تشكّل في مدينة بيروت باسم “ديوان المشورة” في العام 1832 بعد أن أصبحت بيروت عاصمة لولاية، خصّصها الوالي بمجلسٍ يتولّى شؤون الصحة العامة والأمن والإنارة، لكن المجلس البلدي الأول في لبنان تشكّل في عاصمة جبل لبنان آنذاك، وتحديدًا في دير القمر، كيف حصل ذلك؟

 

دير القمر.. أول بلدية في لبنان والشرق الأَوسط

نعم كان ذلك في دير القمر، نهار 31 آب 1864، حين تأسست أَول بلدية في لبنان. فذاك المتصرف الأول داود باشا شجع قيام البلديات في نطاق سلطته محاولًا إصلاح جبل لبنان بعد نكسته الكبيرة عام 1860. وعام 1864 أطلق أول تجربة بلدية في لبنان فأنشأ “قومسيون بلدي” في دير القمر للاهتمام بالبلدة والسهر على نظافتها وترتيبها، ولما نجحت عمّمها في دوائر أخرى، معتمدًا على نموذج مشابه لبلدية اسطنبول التي أُنشئت في العام 1856.

وبذلك انطلق أول “قومسيون بلدي” من نوعه في بلاد الشام، برئاسة عبدالله بيهم، وتكوّن المجلس البلدي من 7 أشخاص “معتبرين” في البلدة، وكان للمجلس كاتب، ويجتمع كل يوم جمعة برئاسة مأمور دير القمر، من أجل التفكير في وسائل إصلاح البلدة، مستثمرًا توظيف بعض الأموال بالفائدة على أن تكون النفقات من هذه الفوائد.

وهكذا ومن دير القمر، انطلق عهد البلديات مجسدًا المبنى البلدي الأول في لبنان والشرق الأوسط مباشرةً بعد بلدية اسطنبول، وقد اتخذ له مقرًا في سرايا الأمير يوسف الشهابي التاريخي المعروف بـ”سرايا البيك”، الذي يعود تأسيسه إلى العام 1712، وكان مكان الإقامة الدائم للأمير يوسف وبعده للأميرين فخر الدين الأول والثاني، ما كرّس ذاك القصر مركزًا للحكم اللبناني آنذاك، أو القصر الحكومي، ومن ثم استلمته الدولة العثمانية، إلى أن عاد إلى متصرفية جبل لبنان، ولا يزال حتى أيامنا مقرًّا لبلدية دير القمر، محافظًا على تراثه العثماني بدءًا من طابقه الأرضي الذي كان سابقًا سجنًا، فإلى طابق للإدارة العامة، وآخر مخصص لصالونات استقبال الضيوف.

 

بيروت.. من “ديوان المشورة” إلى أول بلدية

ولما كان لبنان منقسمًا بين متصرفية جبل لبنان والمقاطعات اللبنانية التي تغيّرت تبعتيها لأكثر من ولاية (دمشق وعكا وبيروت)، فإن الوضع الإداري فيهما كان متباينًا، فبينما شكلت بلدية دير القمر أول خطوة تأسيسية لنشوء أول مؤسسة للبلدية في متصرفية جبل لبنان، فإن المقاطعات اللبنانية الأخرى تأخر فيها إنشاء البلديات، وذلك حتى صدور أول قانون ينظم إنشاء البلديات في السلطنة العثمانية، في العام 1867. ومع صدوره، تأسست في العام نفسه بلدية بيروت بقرارٍ من وزير الداخلية في اسطنبول.

ويروي المؤرخ الراحل الدكتور حسان حلاق في كتابه “بيروت المحروسة”، أنه كانت المحاولة الأولى لتأسيس مجلس يهتم بمدينة بيروت منذ عهد إبراهيم باشا، ابن والي مصر محمد علي باشا، حيث أنشأ مجلسًا عُرف بين أعوام 1831 1840 باسم “مجلس شورى بيروت”.

وكان “ديوان المشورة” بمثابة الحكومة المحلية لبيروت، إذ أُنيط بها النظر في الأموال الأميرية وقضايا الملكية والأراضي وتلزيم المقاولات، فضلًا عن القرارات المتعلّقة بمجال الصحة والتربية والاقتصاد والعمل والنقل والإعمار والإغاثة والتنظيم المدني.

“ديوان المشورة” ذاك كان بمثابة باكورة العمل البلدي في مدينة بيروت، الذي مهّد لتأسيس وإطلاق بلدية بيروت في وقت لاحق.

ويروي حلاق: “فيما بعد صدر الفرمان السلطاني في عام 1867 بإنشاء أول بلدية لبيروت، كان لها نظام خاص، وعلى رأسها رئيس من وجهاء بيروت، وأعضاء من المسلمين والمسيحيين ممن يمتازون بالوجاهة والعمل التطوّعي في الشأن العام من دون أن ينالوا أي رواتب”.

ويخبرنا بأنه “منذ ذاك التاريخ، أكد البيارتة على أن يكون هذا المجلس مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وبأنه ومنذ ذلك الوقت، وبلدية بيروت تحقق إنجازات هامة، بفضل أعضاء المجلس البلدي والوجوه السياسية والاجتماعية والاقتصادية الذين كانوا يسعون الى مشاريع الإصلاح والتحديث، وأول هذه المشاريع، في بيروت، بل وفي الدولة العثمانية، إنما انبثق عن بلدية بيروت، وفي دار البلدية في محلة باب إدريس آنذاك، عندما أعلنت في كانون الثاني عام 1913 ولادة جمعية بيروت الإصلاحية التي طالبت بالإصلاح والتحديث باللامركزية وبجعل اللغة العربية لغة رسمية في الدولة”.

ومع إطلاق أول بلدية لبيروت، تم تعيين الوجيه البيروتي رئيس مجلس التجارة عبد الله بيهم العيتاني رئيسًا لها، وفيما اتخذت مقرًّا لها بداية في السرايا الصغيرة شمالي ساحة الشهداء، لكنها انتقلت لاحقا الى شارع ويغان لتستقر وحتى أيامنا هذه في مبنى يُعدّ تحفة معمارية، هندسها وأشرف على بنائها المهندس يوسف أفتيموس سنة 1925 بعد عودته من شيكاغو.

 

وكرّت سبحة البلديات..

انطلاق بلديتي دير القمر وبيروت فتح العيون واسعة وأثار “غيرة” سائر مدن وبلدات لبنان الكبيرة. أعجبتهم التجربة، وبدأت العراضات تتوالى مطالبة المتصرف بإنشاء بلديات مماثلة، وفي العام 1871 صدر قانون عثماني فُرض بموجبه تشكيل مجالس بلدية في مراكز الولايات والمتصرفيات والقامقاميات. أمَّا في العام 1877، فقد نص قانون جديد، على أنه “يترتب مجلس بلدي في كل مدينة وقضية”، وإثر صدوره مباشرة تأسست بلدية صيدا، ومع نجاح تجربة دير القمر، أمر المتصرف رستم باشا، الذي كان يهوى الأناقة والنظافة، بإنشاء البلديات تباعًا، بدءًا من زحلة، حيث يؤرخ قصرها البلدي اليوم لتلك المرحلة من تاريخ المدينة، حيث كان المقرّ واحدًا من أبرز إنجازات أول “قوميسيون بلدي” تشكّل في زحلة، بإلحاح من مجموعة من رجالات المدينة. وتؤرخ أبيات شعرية نصها الدكتور بشارة زلزل على المدخل غير الأساسي للقصر تاريخ إنجاز المبنى في العام 1887، بعد خمس سنوات من العمل الشاق، ودشنه واصا باشا في العام 1888. وتذكر معلومات متقاطعة أن “القوميسون البلدي” أخذ بناء السراي على عاتقه، بعدما استدان مبلغًا من المال من المتصرفية، وشارك الأهالي في عملية التشييد وبقسط من النفقات.

وبعد زحلة، صدر قرار في 24 كانون الأول من العام 1878 قضى بإنشاء أول “قوميسيون بلدي” في جونية بإشراف قائمقام القضاء، تألف من أشخاص عُرفوا بالنزاهة، والاهتمام بخير المدينة، لتكرَّس جونيه ثالث بلدية في متصرفية جبل لبنان بعد دير القمر وزحلة.. ليتوالى بعدها إنشاء البلديات في جبيل والبترون وطبرجا والعقيبة.

أمَّا في المدن الرئيسية الأخرى، فتأخر إنشاء البلديات بعض الوقت، ففي العام 1880 تأسست بلدية طرابلس والميناء، ومن ثم بلديتا بشرّي وبسكنتا. وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر، تأسست بلديتا صور والنبطية، وفي سنة 1889، تأسست بلدية جزين، وكرّت بعدها سبحة البلديات من مدينة الى مدينة ومن بلدة الى بلدة.

 

35 بلدية.. وقانون لضبط النظافة ومنع الغش

يستعرض الكاتب عبدالله الملاح في كتابه قصة المحاولات التنظيمية البلدية الأولى، وكيف أن المجلس الإداري لمتصرفية جبل لبنان اشترع، في 10 شباط 1879 قانونًا خاصًا تطوّر عدد البلديات معه ليصل الى 35 بلدية في عام 1889. كان أبرز ما جاء في مواده:

ـ يسهر القومسيون على تطوير البلدة والاعتناء بالخير العام، والمحافظة على الصحة العامة، ومنع الذبح داخل البلدة، وتغطية اللحوم، وتنظيف الشوارع، وفحص الأوزان والمكاييل، وتنوير المحلات، ومنع الغش…

ـ يقدم القومسيون كل ثلاثة أشهر دفتر حساباته الى مجلس الإدارة.

ـ يمنع طرح الأقذار في الأزقة والساحات، وجريان المياه القذرة وغير القذرة على الطرقات، واستعمال أوانٍ نحاسية غير مبيّضة، وبيع اللحوم والأسماك الفاسدة والسمن المغشوش، ووضع الأحجار وأدوات البناء على الطريق العام، وترك لغم أو قناة مكشوفة، وإذا تعذّر ذلك في اليوم نفسه فيجب أن يوقد قنديل ليلًا حفاظًا على سلامة المارين.

ـ يجتهد القومسيون في توسيع الأزقة، وفي جعلها مستقيمة.

وفي المقابل، ظل الفرمان العثماني الصادر في العام 1877 يُطبّق في البلديات الى أن استُبدل بقانون فرنسي في العام 1922 أصدره حاكم لبنان الكبير آنذاك محتفظًا بيده على صلاحيات شاسعة، ومطلقًا عهدًا جديدًا للبلديات في ظل الانتداب الفرنسي.

 

بلدياتنا على عهد الانتداب

في زمن الانتداب، أراد الفرنسيون تأسيس إدارات في لبنان تشبه النموذج السائد في الغرب، فأوكلوا إلى دائرة التفتيش الإداري مراقبة البلديات، والتدقيق في موازناتها، والعمل على تحسينها. وقد بدأت مسألة التمثيل الطائفي داخل المجالس البلدية تتضح في العام 1928 مع القرار 1208، الذي نص في المادة 19 منه أن عدد ممثلي كل طائفة في البلدية يرتبط بنسبة عدد ناخيبها من مجموع المسجلين في كل منطقة معينة.

لكن التركيبة المجتمعية التي كانت سائدة في زمن العثمانيين لم تتغيّر، إذ استمر أعيان ووجهاء العائلات الكبرى باحتكار المقاعد البلدية، وكان التنافس شديدًا بين العائلات الكبرى في مختلف المناطق اللبنانية.

وبحسب الدكتور محمد مراد في كتابه “المجالس البلدية والإختيارية: تطوّر وظائف السلطة القاعدية في المجتمع اللبناني”، فإن “السلطة الانتدابية حاولت منع هيمنة عائلة بكاملها على السلطة البلدية، إلا أنها كانت تسهم في المقابل في تعزيز المواقع الاقتصادية والاجتماعية لعناصر عائلية نافذة، ما وفر لهذه العناصر ارتقاءً سلطويًا، هو في الواقع ارتقاء اجتماعي – سياسي للعائلة كلها». وفي آخر انتخابات بلدية أُجريت في عهد الانتداب، في العام 1934، حاز أغلب مقاعدها أفراد من عائلات معروفة في ممارسة «وظائف السلطة المختلفة”.

وفي المقابل، كان دور البلديات مرتبطًا بالسلطة المركزية التابعة لسلطة الانتداب. فقد كانت مجبرة على أن ترسل قرارتها الى القائمقام، فالمحافظ، فالحاكم الإداري. وفيما كانت لها صلاحيات التقرير بشكل منفرد في المسائل المتعلّقة بكيفية إدارة البلدية، لكن هذه الحرية لم تكن مطلقة، إذ كان يحق للمحافظ، وهو معيّن من السلطة الانتدابية، أن يلغي القرارات المتخذة خلال 15 يومًا من دون الرجوع إلى البلدية، ما أفقدها سلطتها وأضعف دورها، ومع ذلك عرفت البلديّات نهضة جديدة خلال فترة الانتداب الفرنسي، الذي تمكّن جرّاء نفوذه، من تطوير الإدارات، وكانت آخر انتخابات بلدية في عهد الانتداب عام 1934، ثم توقف ذلك حتى عام 1952، حيث أُجريت أول انتخابات بلدية في عهد الاستقلال.

 

بلديات ما بعد الاستقلال

في مرحلة الاستقلال، لم تنظم الانتخابات البلدية إلا مرتين، في العام 1952 والعام 1963. وكان بارزًا في هذه الفترة انضمام النساء إلى المجالس البلدية، بعدما تم تعيين ثلاث نساء في المجلس البلدي لبيروت، في العام 1952، هن: ابتهاج قدورة، لور ثابت وإيلين ريحان، علمًا أن النساء لم يحصلن على حقهن بالتصويت والترشح للانتخابات إلا في العام 1953.

وعلى رغم نهضة البلديات خلال فترة الانتداب الفرنسي، لكن دورها لم يصبح فعّالًا إلاّ في الستينات، وتحديدًا على عهد الإصلاحي الكبير الرئيس اللواء فؤاد شهاب الذي أراد إعطاء البلديات زخمًا جديدًا وأقرّ قانونًا حديثًا للبلديات عام 1963، عزّز دور السلطات المحليّة وساعد على إنشاء العشرات من البلديّات الجديدة.

فالقانون البلدي الجديد منح صلاحيات أوسع للبلديات وصارت تُعدّ شخصية معنوية تتمتع بـ”الاستقلال المالي والإداري”. ومن الصلاحيات الجديدة تخطيط البلدة وإنشاء الشوارع والساحات العامة، الشؤون الصحية وشؤون النظافة العامة، مشاريع المياه والإنارة، تنظيم وسائل النقل، وغيرها. وقد وصل عدد البلديات، في العام 1966، إلى 607 بلديات.

بعدها وعلى عهد الرئيس الياس سركيس صدر قانون بلدي جديد عام 1977، وهو الذي يحكم حاليا أوضاع البلدية، وقد اعتُبر خطوة رائدة في تعزيز اللامركزيّة الإداريّة وتوسيع إطارها، حيث وسّع صلاحيات البلديات وأعطاها زخمًا للنهوض بالأعمال، وأضاف تعديلات جوهرية محققًا في نصوصه لامركزية إدارية وديمقراطية، إذ كان يتم وفق هذا القانون انتخاب الرئيس ونائب الرئيس والأعضاء من الشعب. ولم يكن مسموحًا للإدارة المركزية، الممثلة بالقائمقام والمحافظ ووزير الداخلية، التدخل في إدارتها لشؤونها، إنما كانت مهامها تقتصر على المراقبة”.

وتجدر الإشارة إلى أنّه منذ العام 1947 وحتى اليوم، صدرت عشرات المراسيم والقوانين المتعاقبة لتنظيم العمل البلدي، أي بمعدل مرسوم كل 5 سنوات تقريبًا، شكّل أعلى نسبة تعديلات قوانين في العالم.

وفي المقابل، ومنذ الاستقلال في العام 1943 وحتى يومنا هذا شهد لبنان فقط على 7 دورات انتخابية للمجالس البلدية تخلّلها إجراء بعض الانتخابات الفرعية لبلديات مستحدثة من خارج الدورات المذكورة، وتمديد للمجالس البلدية من العام 1963 حتى انتخابات العام 1998.

ففي العام 1963 جرت ثاني انتخابات بلدية شاملة في لبنان وقد بلغ عدد البلديات حينها 339 بلدية، ثم توقفت الانتخابات بسبب الخلافات السياسية، وذلك قبل أن يُبلى لبنان بحرب أهلية جمّدت ومددت بلدياتنا لأكثر من 35 عامًا.

 

35 عامًا بلا انتخابات

التطوّر التدريجي للممارسة الانتخابية، المترافق مع الزيادة في عدد البلديات، لم يستمر، فمع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975. اضطُرت السلطات اللبنانية الى اتخاذ قرارات متعاقبة تمدّد للهيئات البلدية لعدم إمكانية إجراء الانتخابات. وبمرور السنين، بدأت البلديات تفقد نصابها، بسبب وفاة أعضائها أو غيابهم، فلجأت الحكومة الى صلاحيات التعيين. أما في القرى التي لم تكن فيها بلديات، فكان هناك ما يُسمّى بمصلحة البلديات والشؤون القروية، وهي كانت معنية بتسيير شؤونها.

والى تعطل الانتخابات، أفشلت سنوات الحرب اللبنانية الطويلة عمل البلديات لأكثر من 35 سنة، وافقدتها مواردها الأساسيّة بعدما شحت موازناتها لعدم قدرة الدّولة على دفع حقوقها وتراجع الجباية، فاقتصر دورها على الأمور الإدارية الروتينية وبعض الأعمال اليومية، من دون أن يكون هناك أي مشاريع إنمائيّة كبرى.

 

انتخابات ما بعد الحرب

وكان الحدث الكبير في العام 1990، الحرب انتهت، إلا أن الانتخابات البلدية لم تُستأنف… تلكؤ الحكومة عن إجرائها، فجّر غضب “الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات”، فأطلقت عام 1996، وبالتعاون مع جمعيات مدنية أخرى، حملة “بلدي بلدتي بلديتي” للضغط من أجل إجرائها، وهذا ما حصل في العام 1998، بعدما أُجريت تعديلات على القانون 1977، وصفها رئيس مجلس النواب الراحل حسين الحسيني في أحد تصريحاته الصحفية بـ”الفظيعة”، إذ “حوّلت سلطة الرقابة إلى وصاية، ولم يعد انتخاب رئيس البلدية يتم مباشرة من الهيئات الناخبة، وسطوا على أموال البلديات والرسوم التي تجبيها، وأجازوا لأنفسهم، من دون قوانين، إنشاء صندوق بلدي ينفق أمواله من دون علم البلديات ولا موافقتها، فضعف دور البلديات التنموي”.

وفيما تتجدد الدعوات لمنح البلديات مزيدًا من الاستقلالية والصلاحيات بعد التمديدات والتأجيلات المتلاحقة لمواعيد الانتخابات المحلية في لبنان، وبعد أكثر من قرن ونصف قرن على ولادة أول “قومسيون بلدي” لضبط النظافة ومنع الغش وجعل الطرقات مستقيمة، لم يتغيّر شيء بعد في لبنان. عبثًا يضبط الغش وعبثا ننعم بالنظافة، ولا تزال طرق بلدياتنا وطرقنا غير مستقيمة، فهل تفتتح الانتخابات السابعة عهدًا بلديًا جديدًا؟

 

تطور عدد البلديات في لبنان

تُجرى الانتخابات البلدية كل 6 سنوات، بخلاف الانتخابات النيابية التي تُجرى كل 4 سنوات. لكن عمليًا، لم تُحترم هذه المدة سوى في ثلاث محطات انتخابية فقط، مما يدل على هشاشة انتظام هذا الاستحقاق.

فمنذ الاستقلال، شهد لبنان سبع دورات انتخابية بلدية: 1952 – 1963 – 1998 – 2004 – 2010 – 2016 – 2025. أما أطول فترة فراغ بلدي فكانت بين 1963 و1998 بسبب الحرب الأهلية، حيث صدر أكثر من 20 قانون تمديد. أما آخر تمديد للمجالس الحالية، فكان عام 2023، حين تقرّر تأجيل الانتخابات إلى أيار 2025 بسبب الظروف الأمنية والمالية.

ووفق “الدولية للمعلومات”، جرت في العام 1963 أول انتخابات بلدية شاملة في لبنان وقد بلغ عدد البلديات حينها 339 بلدية. وفي العام 1998 جرت الانتخابات البلدية للمرة الثانية مسجلة ارتفاعًا بعدد البلديات، ليصبح 700 بلدية، ومع ثالث انتخاباتنا البلدية التي جرت في العام 2004 ارتفع العدد الى 904 بلديات، ليصل في رابعها عام 2010 الى 964 بلدية.

ووفق الأرقام أيضًا، وحتى حزيران 2013 وصل عدد البلديات في لبنان إلى 1003 بلديات، ومع الانتخابات البلدية السادسة عام 2016 ارتفع الى 1040 بلدية، وحتى عام 2018 أضيفت 24 بلدية ليصبح العدد الإجمالي 1064 بلدية فقط، في حين أن عدد البلدات والمدن في لبنان يبلغ 1409، فيما تم إلحاق بعض البلدات الصغيرة ببلديات قرى مجاورة.

كتبت نجاح بومنصف في “المسيرة” ـ العدد 1765

إقرأ أيضًا

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل