#dfp #adsense

الدولة فوضت مصيرها للخارج

حجم الخط

يشهد الشرق الأوسط تحولات استراتيجية متسارعة تعيد رسم توازنات القوى واتجاهات التحالفات، فيما يبقى لبنان خارج إطار الفعل، معطلاً عن المشاركة، وغائبًا عن التأثير. لم يعد هذا الغياب نتيجة ظرف مؤقت، بل أصبح سمة ثابتة لكيان فقدت مؤسساته القدرة على اتخاذ القرار، وتنازل فعليًا عن موقعه في المعادلة الإقليمية. الدولة اللبنانية، التي كان يُفترض أن تشكل مرجعية سيادية جامعة، باتت عاجزة عن تشكيل رؤية سياسية متكاملة، وعن إدارة أمنها، وعن ضبط حدودها، فيما تحوّل سلاح “الحزب” إلى عامل تعطيل داخلي وإقليمي يعيق مسار التسوية ويمنع انخراط لبنان في خارطة السلام والتطبيع الآخذة في التوسع بدفع أميركي مباشر.

 

1 ـ دولة عاجزة عن القرار، غائبة عن المبادرة

يتخبّط لبنان اليوم في شللٍ سياسي ودستوري وأمني يعكس عمق الأزمة البنيوية في الدولة، ويؤكد أن الرهان على تسوية داخلية مع “الحزب” كان وهمًا سياسيًا لا يستند إلى أي معطى واقعي. فقد أثبتت التجربة أن “الحزب” لا يتعامل مع الحوار كشراكة، بل كأداة لشراء الوقت، وتمرير أجندته بمنطق الغلبة والتهديد.

وبفعل هذا الواقع، تحوّلت مؤسسات الدولة، وفي طليعتها الحكومة، إلى هياكل شكلية أشبه بلجان إدارية، تُدار عند الحاجة لتسيير الشؤون اليومية، وتعجز عن الاجتماع لاتخاذ موقف موحد في القضايا السيادية. تُصاغ القرارات الكبرى خارج الأطر الدستورية، وفق منطق المحاصصة الذي يخدم مصالح “الحزب” لا مقتضيات السيادة أو المصلحة الوطنية، كما حدث في الرد على الورقة الأميركية، حيث تم تمرير الرد خارج مجلس الوزراء، في سابقة تكشف عمق اختطاف القرار الوطني. أما التعيينات والقرارات الأمنية والمالية، فتُخضع لمعادلات نفوذ لا علاقة لها بالكفاءة أو الصالح العام، بل بميزان القوى الذي يمليه “الحزب” ويضبط عبره إيقاع الدولة.

أما على المستوى الاقتصادي، فالمشهد لا يقلّ كارثية. المبادرات مجمّدة، الإصلاحات معطّلة أو شكلية، والتمويل الدولي محجوب بفعل انعدام الثقة بقدرة الدولة على الالتزام أو الحياد. اللبنانيون يُترَكون لمصيرهم تحت ضغط الانهيار المعيشي، بينما تُسخَّر إمكانات الدولة لحماية توازنات السلاح، بدل أن تُوظف في حماية الناس والنهوض بالاقتصاد.

الدولة التي كان يُفترض أن تستعيد ثقة اللبنانيين والعالم، تحوّلت، تحت ذريعة مراعاة مشاعر “الحزب” والخوف من الانقسام الداخلي، إلى إدارة محلية أكثر مما هي سلطة وطنية. لم تعد مرجعية، لا داخليًا ولا خارجيًا، بل أُفرغت من دورها، ومُنعت من أداء وظيفتها، وفُرض عليها واقع جديد: دولة تُدار بإرادة من خارجها، وتُستخدم لتغطية مشروع غريب عنها وعن شعبها.

 

2 ـ سلاح “الحزب” عقبة إقليمية

الخطأ الجوهري الذي ترتكبه الدولة اللبنانية اليوم يتمثل في استمرارها بسياسة كسب الوقت، وهي في الواقع تمنح “الحزب” مزيدًا من الهامش لتعزيز نفوذه داخليًا وتكريس معادلة السلاح خارج الشرعية. هذا السلاح، الذي رُوّج له طويلًا كعنصر توازن وردع، تحوّل مع مرور الوقت إلى عامل اختلال داخلي وإقليمي، يُقوّض ما تبقى من مفهوم الدولة ويُعطّل إمكانيات إنتاج عقد وطني جديد.

وجوده خارج سيطرة الدولة لم يعد فقط إشكالية داخلية، بل أصبح يُنظر إليه إقليميًا ودوليًا كحاجز فعلي أمام مسار السلام والانفتاح العربي، وكمصدر تهديد دائم لاستقرار الحدود والساحات المجاورة. أما على المستوى الدولي، فقد بات هذا السلاح يصنَّف كعائق بنيوي أمام أي تسوية استراتيجية في الشرق الأوسط، ما يُضعف موقع لبنان ويفقده دوره في خارطة الحلول المقبلة. بذلك، لا يعود السلاح مجرد قضية أمنية، بل نقطة ارتكاز لمعادلة تعطيل كاملة تمنع قيام الدولة وتُبقي لبنان خارج الزمن السياسي للمنطقة.

 

3 ـ مشروع ترامب والسلام الإبراهيمي

تستعيد الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، موقعها في الشرق الأوسط بزخم تصاعدي مدروس، لا لإدارة الأزمات فحسب، بل لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي عبر بناء سلام طويل الأمد بين العرب وإسرائيل. ووفق ما أعلنه المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، فإن عشر دول عربية إضافية تتحضّر للانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية قبل نهاية العام، في ما يشكّل موجة ثانية من التطبيع ترسّخ تحولاً استراتيجيًا عميقًا في بنية النظام الإقليمي ووعي القيادات العربية.

في هذا السياق المتسارع، لم تعد المنطقة تحتمل الكيانات الرمادية أو القوى المسلحة الخارجة عن منطق الدولة. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى سلاح “الحزب” على أنه عقبة بنيوية تعرقل التقدم نحو تسوية إقليمية شاملة، وتُبقي لبنان في موقع الاصطدام مع الدينامية الدولية بدلاً من أن يكون جزءًا منها. فبينما تسعى دول المنطقة إلى التموضع ضمن مسارات استقرار وتعاون، يبقى لبنان مشدودًا إلى مشروع مسلّح يُقحم الدولة في صراعات لا قرار لها فيها، ويحول دون أي فرصة حقيقية للنهوض السياسي والاقتصادي.

إن استمرار وجود هذا السلاح خارج الشرعية، ورفض إخضاعه لأي مسار سيادي، لا يُشكّل فقط تهديدًا داخليًا، بل يُعرّض لبنان لمخاطر العزل، وربما للمواجهة، في ظل نظام دولي يزداد صرامة تجاه الجهات المعرقلة. وعليه، فإن الإصرار على بقاء هذا السلاح دون حلّ، يضع لبنان عمليًا في مواجهة مع مسار دولي كامل.

 

4 ـ الضربة الإسرائيلية الممكنة: لتعبيد طريق السلام؟

في هذا السياق المتراكم، تتزايد المؤشرات على ضربة إسرائيلية محتملة تستهدف ما تبقى من البنية العسكرية لـ”الحزب” في الجنوب والبقاع، مدفوعة بجملة من العوامل الاستراتيجية المتداخلة. التراكم الاستخباراتي والعسكري ضد مواقع “الحزب” الحساسة بات مكتمل الأركان، فيما التصريحات الأميركية والإسرائيلية تحذر من ضيق هامش الزمن، ومن احتمال نفاد صبر الإدارة الأميركية إزاء استمرار التعطيل.

وفي ظل اقتراب موعد التجديد لقوات اليونيفيل في أواخر آب، ومع كون الولايات المتحدة المموّل الأول لها، يرتفع احتمال تقليص أو إنهاء هذا الغطاء الدولي، ما قد يفتح الجنوب أمام تحول ميداني كبير. مثل هذا القرار قد يُتخذ إذا رأت واشنطن أن لبنان الرسمي أصبح يشكل عثرة أمام مصالحها، سواء عن وعي أو نتيجة تراكم الانهيار والتقاعس عن المواجهة.

في هذا السيناريو، لن تكون الضربة مجرد رد على عدم تنفيذ قرار وقف إطلاق النار أو فشل لبنان في تنفيذ التزاماته، بل مدخلًا استراتيجيًا لتصفية العقبات أمام توسع مسار الاتفاقات الإبراهيمية، وإعادة ضبط التوازن الإقليمي بما يتجاوز لبنان ذاته. الخطر الأكبر أن الدولة، بصمتها أو تواطؤها الضمني، تساهم في تعميق العجز، وتمنح الغطاء لتعنت “الحزب”، ما يعرّض لبنان لمواجهة يدفع فيها الثمن وحده، من دون أن يكون له موقع أو قرار في مسارها أو نتائجها.

 

5 ـ لبنان الرسمي… ينتظر الخارج

أمام هذه المتغيرات، لا تكتفي الدولة اللبنانية بالانكفاء، بل يبدو أنها تتبنى ضمنيًا خيار تفويض الخارج بما لا تجرؤ على حسمه في الداخل. فبدل المبادرة إلى ضبط التوازنات واستعادة القرار الوطني، تُراهن السلطة على تدخّلات خارجية تقوم مقامها: حرب اسرائيلية، ضغط أميركي، تفاهم فرنسي، أو تسوية إقليمية كبرى تُفرض من فوق رؤوس اللبنانيين.

هذا النمط من التعاطي لا يُبرَّر بالانقسام الداخلي، بل يُكرّس تخلّي الدولة عن مسؤولياتها السيادية، ويُمهّد عمليًا لعودة شكل من أشكال الوصاية، تحت عنوان الضرورة. وما كان يُقدَّم سابقًا كأزمة حكم داخلية، يتحوّل اليوم إلى إعلان غير معلن بفقدان الأهلية الوطنية، وطلب ضمني بإدارة شؤون البلاد من الخارج.

النتيجة ليست فقط تعطيل القرار، بل انهيار الهيبة، وتحلّل الدور، وتثبيت لبنان كمساحة فارغة تنتظر من يملأ فراغها. وفي هذا السياق، لا يصبح الانقسام الداخلي هو المشكلة الأخطر، بل تعوّد الدولة على غيابه، وتحويله إلى ذريعة مستدامة للفراغ، تُسوّغ بها التخلي الكامل عن الوظيفة السيادية. وهكذا، لم يعد لبنان ينتظر الحل، بل أصبح ينتظر تقاسمه بين الآخرين.

 

خاتمة: لحظة الارتطام تقترب

لبنان يقف اليوم أمام لحظة فاصلة لا تحتمل التأجيل أو المناورة: إما أن يبادر إلى استعادة دولته بوظيفتها السيادية الكاملة، ويُعيد رسم حدود الشرعية بما يفصلها بوضوح عن منطق السلاح الخارج عنها، أو أن يتحوّل فعليًا إلى كيان معطّل، يُقرَّر مصيره من الخارج، ويُعاد ترسيم موقعه وحدوده باعتباره دولة غير ناضجة، عاجزة عن إدارة شؤونها أو حماية كيانها.

المنطقة تتحرك وفق منطق المصالح الاستراتيجية الكبرى، لا وفق اعتبارات داخلية هشّة أو توازنات مختلّة أو حسابات تجزئة داخلية. وإذا فُتحت أبواب التصعيد، لن يكون لبنان شريكًا في القرار، بل موضوعًا على طاولة الآخرين، يُقَسَّم وفق ما يراه الخارج ضرورة، لا وفق ما يتمنّاه الداخل.

ففي ظل دولة عاجزة عن حماية مؤسساتها وحدودها، يصبح اقتسام لبنان احتمالًا واردًا في التسويات الكبرى، حيث قد يُطرح تعويض سوريا بجزء من الأرض اللبنانية بدلًا من الجولان، كما ألمح توم برّاك، وقد تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكتسباتها الحدودية بمزيد من التوغّل، تحت عنوان الأمن والردع. إن استمرار العجز الداخلي يُمهّد فعليًا لشرعنة تفكيك الكيان وتحويله إلى مادة تفاوض بين اللاعبين الإقليميين والدوليين.

المضي في سياسة التأجيل، والخوف من مواجهة “الحزب”، والاختباء خلف وهم الانقسام الداخلي، لم يعد مجديًا. فإما اتخاذ القرار وتحمل تبعاته الوطنية، أو التسليم الكامل بالإزاحة. إما استعادة الدولة، أو السقوط النهائي في مشهد إقليمي لا مكان فيه للكيانات الفاشلة ولا للأنظمة العاجزة عن حماية سيادتها.​

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل