






هي ذاتها المرّسَّمة الحدود والمدى والآفاق بخطوط هندسيَّة قد هندَستها آيةٌ ورؤيا: “لا يوقَد سراجٌ ويوضع تحت المكيال ولا تُخفى مدينة مبنيَّة على جبل”. ولعلَّ يوحنا الحبيب والتَّلميذ الطَّاهر يستشير معلّمه عن فصل من فصول سفر الرؤيا يقارب بين أورشليم مدينة القدوس وبين تلك الحاضرة القاديشيَّة الرَّابضة رمزًا إنجيليًا من رموز الأسد في إنجيل لوقا الإنجيلي: “أنا يوحنا رأيت المدينة المقدَّسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله مهيَّأة كعروس لرجلها”. وما الفرق في هذا التَّوصيف الرؤيوي اليوحناوي بين أورشليمه النازلة من السَّماء، وبين بشراي التي بينَ جرودها والجرد السماوي مصاعد لا تهدأ ولا تتوقَّف!!
“الصِّبح لووك، والمجد لووك، والشّكر لووك”. هو تصبيح بشري على “الفتَّاح والرزّاق ومقسِّم الأعناق والأرزاق”، وكم ينطرب الربُّ للتسابيح مرفوعةً بطيب تلك اللهجة البشراوية المتحدِّرة الأصل مِن ألسنيَّات الآرامية، ويسوع الآرامي اللغة والمخاطبَة يتشوَّق فجرًا لسماعه رعية السيدة، ومار سابا تسبّحه وتصبّحه بالأصل السرياني الموازي تمامًا للهجتها المتمايزة: “دصَفرو لوخ مور وتِشبُوحتو، وتوديتو لوخ مور”!
أورشليم المدينة الربّانية أوثق ما يجمعها بمملكة أرز الرب، هيكل ارتفع بنيانه بأخشابٍ مقتطعة من لحم أكتاف أرزها، فيه أوضح يسوع ابن الثانية عشرة لوالديه الباحثين عنه ثلاثة أيام: “ألا تعلمان أنني ما جئت إلاَّ لأعمل ما هو لأبي”. وأمَّا التي بذلت أنخى الرجال وأنقى الشهداء، فهي لم تجئ من عائلاتها وأجبابها وبيوتها وحاراتها إلاَّ لتعمل وإياهم كلَّ ما هو للبنان!!
بيتشوري
اسمها من أعلام أسماء الحضارة السَّاميَّة ذات ترجمة لغويَّة بلدية تفسيرها “المسكن الأول”، ولبشري في أهاليها وزوَّارها إنعمات طبيعة هي أقرب إلى عجائب للعيون ومعجزات للبصر، تترجم قانون الإيمان “بخالق السَّماوات والأرض وكلّ ما يرى ولا يرى”، ترجمةً حسيَّة مرئيَّة .بيتسوري أو بشري، المساكن الأولى المتزيِّنة الشِّعر والنَّغمِ والعُرَبِ بابتهالات المزمور الرابع والثمانين: “ما أحبَّ مساكنكَ يا ربّ القوات، تذوب نفسي وتشتاق إلى ديارك يا خالقي”. إنّ لك يا ربيبة الأقدسين مؤرِّخون مِن عضدك مشهود لهم باحترافهم التأريخ العلمي الموثَّق المتجرّد عن التأويلات والتخمينات، ومؤرِّخون أفاضوا واستفاضوا في احترام عقول القرَّاء ونيلِ ثقة التاريخ القويم. لكنَّ للعواطف النسكيَّة نظريّة تاريخية متمايزة عن دِقَّة الأرقام الزمنية والتفاصيل الجغرافيَّة. عواطف نسكيَّة تهبّ فينا كلَّما مررنا في ديارك وعاينَّ بأمِّ العين والحبِّ والخشوع مطارات الطيُّور وِسعَ فضائكِ، وأبراج الغيم تحرس روائعكِ، وفوق علالي كرومكِ وجنائنكِ يحلو لملائكة النَّعيم المنامة في كل عرزال هجع فيه فلاَّحٌ كانت له حقولكِ، وزارع دانت له جنائنُكِ، وكرَّامٌ استيقظَت بين يديه وغفت جفنَة دواليكِ، وقاطف كلمات محزومة برابطة قلمية كأنَّها من عيون سِفر الحكمة، وأيَّة حكمة هذه التي نسَّقت شِعرًا ودوزنت نغمًا بين مزمور باسق كأغضان شجرك فيها، “وجد العصفور له بيتًا، واليمامة قشًا تضع فيه أفراخها”، وها سواقي القصبِ رقراقة الشَّاعريَّة والإنشاد: “أعطني الناي وغنَّي فالغنا سرُّ الوجود”!!
مهرجان التَّجلي، درب مرافقي المعلِّم إلى أيام تجليَّاته اللبنانية مفتوحة أيضًا لغير بطرس ويعقوب ويوحنا. الجبل فوق مُحرَّم على موسى أن يطأه إلاَّ حافيَ القدمين، فـ”قرنة سوهدِه” في أعداد المصلوبين نذرًا لصليبها المثقوب بالرَّصاص وصيحات الغزاة، تبقى هيَّ الأقرب نَسبًا وانتسابًا إلى هضبة الجمعة العظيمة قبالة أورشليم والأمم. التجليَّات تتعدد وتتنوع والثياب المتلألئة البارقة بيضاء كالثلج، مرَّرت ألوانها لنعوشٍ أنزلت ايليّا عن مركبته النارية، ليسير خلف أمَّهات بشرَّاويات يلوِّحن بذات المنديل الذي مسحت فيه فيرونيكا ذلك الوجه المسيَّج الجبين بإكليل الشوك!
بشري مهرجان “بريجيتا” إبنة الخوري الياس الشدياق البشراوي وأرملة شهيد القمح اللبناني المكاري البقاعكفري أنطون زعرور مخلوف. داخل كنيسة سيدة بشري القديمة كانت بريجيتا تصغي إلى والدها كاهن الرعية يقرأ إنجيل شهادة يسوع بنسيبه بن زكريا واليصابات المعروف بالسَّابق: “ليسَ بين مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان، لكنَّ الأصغر في ملكوت السماوات هو أعظم منه”. تلك الشدياقة البشراوية والأم البقاعكفرية الجامعة مزايا قرويتها بسيرتها التَّقوية بأنَّ يوسفها وأصغر أبنائها المعروف “بيوسف المغارة”، سيؤسِّس في مغارة عذرائه وبخوره وأفراميّاته ملكوتًا سماويًا، بقاعكفريًا، بشراويًا، قاديشيًا، لبنانيًا ومسكونيًا، ينفتح من ذلك الباب الذي أغلقه إغلاقًا شربليًا ذاك الرّاهب الإبن بوجه أمه التي اختبرت درب الجلجلة بين جرد بقاعكفرا وجرد عنايا، كي تخطف ولو لمحة واحدة من وجه ضناها الصَّامد خلف باب قلاَّيته الديرية، صخريَّ الإرادة ممزَّق القلب… ومَن منَّا لا يؤمن حتَّى وإن لم يرَ بالعين المجرَّدة الأب شربل مخلوف بقاعكفرا الحبيس، يصل إلى مذابح التطويب والتقديس على ظهر دابَّة كانت سند العيلة ومعيشتها تلك العائدة وحدها من مأتم والده المكاري أنطون زعرور في غربة قرية “غرفين” الجبيلية!
وبشري هي مهرجان “كاملة” إبنة الخوري اسطفان رحمة البشراوي حرمة العامل بإحصاء الماشية خليل جبران البشرَّاوي ذي الطِّباع المشرقطة، الحاقد بالفطرة على الأغوات والبكوات والمشايخ. الأم كاملة الخوري اسطفان رحمة الملهَمة والملهِمة، يوم استشعرت بتحرُّك جبرانها جنينًا في بطنها، هل قصدها ملاك كالذي قصد يوسف بن يعقوب خطِّيب ابنة يواكيم وأوحى لها بأنها حبلى بأرواح تتمرَّد وعواصف تقتلع الهشير والجذور السطحية والجزوع الهشَّة والأغصان المتراقصة مع كل ريح. هل أنبأها ملاكها الحارس بأنَّ مخاض الولادة سيتواصل في لحظات لا تنتهي من الطَّلقِ، وفي أحشائها الأمومية يتمخَّض كفر “خليل الكافر” وجنون “يوحنا المجنون” وهل “الدَّاية” المختصة بتوليد أمهات بشري قد لازمت الكاملة الرَّحمية في آخر أيام حبَلِها ووضعت أذنها على بطن الحبلى وتسمَّعت على وقعِ غضب أقدام يسوع ابن الإنسان، طاحشًا على هيكل التجار والصيارفة وكشَّاشي الحمام… ساعة حبلك بجبرانك يا ابنة الخوري اسطفان رحمة كانت المباركة بين الساعات.
ساعتها إرتجَّ قصر “راجي بيك” وارتجفت أبدان امتيازاته وألقابه المستوردة من سلاطين اسطنبول المدفوعة أثمانها سلفًا ونقدًا، قد حان أوان حملها في أعدالٍ تنقل كلَّ مفروزٍ للطحن بين أحجار طاحونة النَّهر!
فوق مدارج أرزٍ عصي على الأدهار والأقدار، مهرجانٍ يريده رفاق خليل الكافر ويوحنا المجنون احتفالاً كاملاً بابن خليل جبران ينظِّم وكالة عامة غير قابلة للعزل باسم ابن فريد ملحم جعجع يكلِّفه بموجبها مطاردة “راجي بيك” وأشباهه وأقرانه أينما وجدوا في سائر مناطق بلاد الأرز، وتجلِّي الأرز، وثورة الأرز!!
بشرَّاي ميرون العيون وزيَّاح القلوب
من مرفأ مدينة أورفليس المقدَّسة أبحرت سفينة النبي إلى ضفاف نهر واديكِ المقدَّس فخاطبتكِ “المِطرةُ قائلة: آيات المحبة الدَّافقة من رؤى جبرانك تكاد تنادي بكَ موطنًا لإنجيليّ خامس يهنِّئك به متى ولوقا ومرقس ويوحنا.
بين جبلكِ الأعلى بين الجبال وواديك الأعمق بين الأودية، تقوم قنوبين كونًا للمارونية وكيانًا لها وهذا ما أوضحه افرامُكِ أنطوان مالك طوق في رائعة عاميَّته الإفرامية البشراوية:
“هون أهلي عمَّرو القصر والدير والمدرسة والمتراس” وقصر أنطوان مالك طوق هوِّي “المغاره لما بيعرفا غير النِّسر”، وحين هجَّرت المارونية ذاتها إلى مراكب المرافئ البحرية، وشواطئ المنتجعات البحرية، وقصور ألف ليلة وليلة انتهت طرائد سهلة الاصطياد لصيَّادي “الأجنحة المتكسِّرة”!
الصبح لووك والمجد لووك والشكر لووك يا فتَّاح عقولنا وعيوننا على مصيرنا، بعد توالي نزوحنا عن أعالينا وأعماقنا… يا مقسِّم الأرزاق شِعرًا ولحنًا بين مزمور سهران سهرة عرزال عند مشارف حدود الجرد البشراوي يرتِّل لبشري ابنة ألأرز:
“العصفور وجد له فيك بيتًا، واليمامة قشًا تضع فيه أفراخها”. ونسّاك مغاور ومنائر أياديَّهم كأنَّها أغصان نور وبخور مغتبطين بأصواتهم تتَّحد في إنشادهم ترتيلٍ يلامس أحاسيس الشروبيم في كلِّ بحَّة وأنَّة: “أعطني الناي وغنِّ فالغنا سرُّ الوجود وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود”!!!