
“شعار المقاومة سقط لمجرد قرار الحكومة حصرية السلاح بيد الجيش” قال بطريرك الموارنة مار بشارة بطرس الراعي. “تدخل إيران في لبنان تدخل سافر ولا يجوز”، قالها علنا سيدنا، وجنت من خلفه أبواق الممانعجيين المفترضين. سمعوا ما لا يريدون أن يسمعوه منذ نحو عشرين عامًا من باب البطريركية المارونية تحديدًا. سمعوا تأنيبًا، سمعوا ثورة وغضبًا، والأهم طنطنت في آذانهم المتطورة على سماع أوامر الغريب المحتل، صوت عصا البطريركية وهي تضرب الأرض إيذانًا بالثورة.
هذا دور البطاركة الموارنة عبر التاريخ. هؤلاء هم الرهبان الأتقياء الشجعان الثوار، الذين سكنوا وعر الجبال وعمق الوديان وعتم المغاور، وبإيمانهم الذي يجابه الصخر، قاوموا الاحتلالات المتعاقبة وأشدها قسوة الاحتلال العثماني. كانوا هؤلاء بصلاواتهم وصمودهم وجبههم السود، أقوى الحصون المنيعة للشعب، رفضوا سطوة الغريب، وكانوا قدوة في المقاومة. هذه هي المقاومة التي تربينا عليها منذ مار يوحنا مارون حتى اللحظة.
عصا البطريركية المارونية وعبر الأزمان، وحين كان يحركها البطريرك قولوا أعلن الغضب، أعلن العصيان على المحتل، أعلنت المقاومة. كل احتلال كان يخشى موقف البطريرك الماروني، كل احتلال عبر الأزمان كان يريد رضا البطريرك أولًا واسترضاءه دائمًا، إذ كان يُعرف أن رضاه من رضا الشعب وسكوتهم من سكوت البطريركية.
كل احتلال عبر الزمن، حاول جاهدًا إخضاع البطريركية المارونية لأنه كان يعلم أنها إن خضعت يعني مات الشعب وماتت معه المقاومة، لذلك وعبر الأزمان السوداء كانت البطريركية المارونية هي الهدف المباشر لأعداء لبنان ولا تزال.
” لقد قلنا ما قلناه” قال بطريرك الاستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير، حين هاجم الاحتلال السوري للبنان، ففتحت أبواق الجحيم عليه من عملاء نظام الأسد في لبنان. كان أول من طالب بجلاء الاحتلال السوري في بيان المطارنة الشهير في العام 2000 في وقت كان العالم كله نسي لبنان بين براثن السوريين، وكان المقاومون يُغتالون، يٌعذبون، يُعتقلون، يُضطهدون… وحده البطريرك صفير وقف معهم، صرخ لأجل لبنان وسيادته، ولو لم يفعل لكانت ماتت البطريركية المارونية في ذلها، ولكان لفظها التاريخ.
يتكرر التاريخ بطريقة أو بأخرى، وها هي البطريركية المارونية تتعرض من جديد لحملة الأعداء! ليسوا أعداء؟ كل من يمس بسيادة وكيان لبنان هو عدو. كل من لا يؤمن بالـ10452 كيلومترًا مربعًا ويعمل المستحيل لاحتلالها، هو عدو. كل من يخون، يضطهد، يرفض سطوة الدولة بسلاح جيشها الوطني الوحيد هو عدو مقنع وأسوأ بكثير من أسوأ عدو معلن.
كل بطريرك يتماهى مع شعبه في المطالبة بالسيادة والكرامة هو عدو مباشر لهؤلاء، وهكذا تحول البطريرك بشارة الراعي، بين ليلة وضحاها، عدو “المقاومة”…
عفوًا أي مقاومة؟ مقاومة قيام الدولة؟ مقاومة حصر السلاح بيد الجيش؟ مقاومة استنهاض الجمهورية القوية الفعلية؟ مقاومة سيادة وحرية لبنان؟ مقاومة إعادة إعمار الجنوب والبقاع؟ مقاومة جلاء الإسرائيلي للأراضي اللبنانية التي يحتلها؟… وطوبى، طوبى لتلك “المقاومة”، وطوباك يا سيدنا يا بطركنا، حين تهز عصاك وتعلن سيادة لبنان على الرغم من كل تلك المعاندات العميلة، المدمرة المستهزئة بوطن الأرز وقدّيسيه.
طوباك سيدنا حين تواجه بهزة العصا تلك، وبذاكرة الإيمان وحاضره الدافئ العميق، الذي اخترق أزمان الصخر ووعر الرهبان والبطاركة المقاومين، لتعلن لهم أن لبنان ليس أرضًا سائبة، وأن في لبنان مقاومين حقيقيين، على رأسهم أشهر ثائر في التاريخ، يسوع المسيح، لن يستسلموا، لن يتعبوا، لن يستخفوا بإرث البطريركية المارونية، وهؤلاء كانوا ولا زالوا حصن لبنان وثواره الفعليين، ومع البطريركية يستعيدون مجد لبنان…
طوباك سيدنا وطوبى تلك العصا حين تخض أرض العوسج وأشواك المحتلين ببخور عابق بصمود الأرز وأرضه وناسه.
ليس أجمل من أن يقف بطريرك ماروني يجابه بعصاه من ظنوا أنهم أساطين الأرض بسلاحهم الذي يملأه الصدأ.
لا سلاح يخيف الإيمان، الإيمان هو السلاح. لا فجور يرهب الحق، الحق هو الصراخ الحقيقي. لا خداع ينطلي على الحقيقة، الحقيقة والحرية هي درع الوطن، والوطن أسطع حقيقة، هو شمس الشموس التي يتهيأ لبنان بظلالها ولن تغيب.
طوباك سيدنا حين تقف بوجه الإعصار معلنًا مجد لبنان الذي أعطي للبنانيين الأحرار، ولسيادة هذه الأرض، وكلنا معك مع هزة العصا تلك حين تزلزل عرشًا تبيّن مع الزمن أنه عرش من كرتون، لأنه لم يعترف يومًا بأن المجد الحقيقي لا يعطى الا للبنان.
طوباك سيدنا ما أحلاك، حين تهز عصاك…
