
تتسارع التطورات العسكرية الميدانية بشكل صاعق معلنةً الانهيار الكامل لقرارات التهدئة السابقة؛ إذ كشفت القيادة الإسرائيلية في تحديث خطير عن تمكن جيشها من القضاء على نحو 900 عنصر من “الحزب” منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار الأخير فقط، في مؤشر واضح على تحول الاتفاق إلى مواجهة مفتوحة تجاوزت كل الخطوط الحمر و”الخطوط الصفراء” والمقيدات الجغرافية؛ في وقت كشف رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير عن القضاء على أكثر من 7.500 عنصر من “الحزب” منذ بداية الحرب”، مؤكداً أنه لا يوجد مكان يتمتع فيه “الحزب” بـ”الحصانة”، ومشدداً على أن “الخط الأصفر” لا يقيّد عملياتنا في لبنان”.
الشقيف سقطت: العلم الإسرائيلي فوق القلعة
تتزامن هذه الحصيلة البشرية الثقيلة مع إطباق عسكري واسع النطاق فرضه الجيش الإسرائيلي على الأرض بعد تجاوزه مجرى نهر الليطاني والسيطرة الكاملة على قلعة الشقيف التاريخية. فقد جاء إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس عن رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف واعتبارها رسمياً جزءاً من “المنطقة الأمنية”، ليمثل مفترقاً استراتيجياً أعاد الجنوب إلى مربع الاحتلال المباشر ودخول ألوية النخبة وفي مقدمتها “لواء غولاني” إلى القلعة، بعد قرابة 26 عاماً من الانكفاء عنها العام 2000.
وفي هذا السياق، اقتبس نتنياهو متباهياً أن القوات الإسرائيلية “عادت إلى منطقة الشقيف بشكل مختلف وأقوى من أي وقت مضى”، كاشفاً عن أنه أصدر تعليماته للجيش بـ”توسيع العمليات العسكرية والسيطرة على مرتفعات الشقيف لأن حاجز الخوف قد كُسر”. ومن جانبه، أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن السيطرة على قلعة الشقيف جاءت “بتوجيه من نتنياهو وتحت قيادتي كأحد أهم المواقع الاستراتيجية للدفاع عن بلدات الجليل والحفاظ على أمن جنودنا”، مشدداً على أن “الجيش الإسرائيلي سيبقى في قلعة الشقيف كجزء لا يتجزأ من المنطقة الأمنية الجديدة”.
جسور متحركة: الدبابات والمجنزرات تعبر الليطاني
ترجمة هذه المواقف السياسية أتت من خلال واقع القضم الميداني، إذ أفادت معلومات ميدانية دقيقة بأن الأقسام الهندسية في جيش الاحتلال أتمت إقامة خمسة جسور حديدية متحركة، على الأقل، فوق مجرى نهر الليطاني، بدأت عبرها الدبابات والمجنزرات والآليات العسكرية الإسرائيلية الثقيلة بالعبور الفعلي والمكثف نحو الضفة الشمالية للنهر. هذا التقدم الميداني غير المسبوق أحدث إطباقاً نارياً كاملاً جعل الآليات الإسرائيلية وقوات النخبة على تخوم مدينة النبطية وعلى بعد نحو نصف كيلومتر فقط منها، مهددة باجتياح كامل للمركز المدني والإداري الأبرز الذي يشكل عاصمة محافظة النبطية، مع ما لذلك من دلالات رمزية عميقة.
صرخة “المدن المفتوحة”: نداء أهلي بوجه التهجير
تزامن هذا الزحف العسكري الإسرائيلي، مع إنذارات حربية صارمة أصدرها جيش الاحتلال، آمراً سكان النبطية وصور وقراهما بالإخلاء الفوري والنزوح الجماعي إلى ما بعد شمال نهر الزهراني، عقب تحويل المناطق الواقعة جنوب النهر كافة إلى منطقة قتال مفتوحة ومسحها بغارات جوية وقصف مدفعي عنيف.
في المقابل، كشف هذا التداعي المتسارع عن اختلال فاضح في موازين القوى يدفع ثمنه المدنيون والبنى التحتية، وسط معلومات أمنية تفيد بانكفاء بعض عناصر “الحزب” من نقاط المواجهة المباشرة وخروجهم من أرض المعركة متنكرين بألبسة مدنية.
وأمام خطر الإبادة والتهجير، تبلورت حالة من الحراك الأهلي العارم عبر “نداء صور” و”نداء النبطية” الذي وقّع عليهما مئات الناشطين والمثقفين؛ في صرخة جنوبية تاريخية تُطالب رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة بإعلان المدينتين “مدينتين مفتوحين” وخاليتين تماماً من السلاح أو أي مظاهر مسلحة، مع ضرورة دخول الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية فوراً لبسط سلطة الدولة الشرعية وسحب الذرائع الإسرائيلية التي تستغلها تل أبيب لتبرير تدمير الحواضر الكبرى.
نزوح الإغاثة: إخلاء مراكز الدفاع المدني نحو صيدا
وعلى وقع خطة الإخلاء الشاملة وتحول الحواضر الكبرى في الجنوب إلى مدن شبه خالية من سكانها، تُرجمت التهديدات الإسرائيلية على الأرض بإجراءات طارئة واستثنائية طالت الأجهزة الإغاثية نفسها؛ حيث بدأت فرق الدفاع المدني اللبناني في خطوة غير مسبوقة بإخلاء مراكزها الرسمية في صور والصرفند والنبطية التي تتعرض للغارات والقصف على مدار الساعة، وذلك لحماية طواقمها الإسعافية وآلياتها من الاستهداف المباشر. وتزامناً مع هذا الانكفاء الاضطراري، اتجهت المديرية العامة للدفاع المدني إلى إنشاء مخيم إغاثي وإنساني ضخم في مدينة صيدا، لاستيعاب موجات النزوح الهائلة ومواكبة تداعيات الكارثة الإنسانية المتفاقمة جنوباً.
سلام: التفاوض لمنع محو التاريخ
أمام هذا التدمير الممنهج لمقومات الحياة، جاء موقف رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ليعكس خطورة الوضع بدقة؛ إذ أكد على ضرورة تكثيف الجهود الديبلوماسية لتحقيق وقف إطلاق النار، معتبراً أن ما تقوم به إسرائيل هو “سياسة تدمير شامل وعملية محو للتاريخ”. وشدد الرئيس سلام على تصميم الدولة على منع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، مدافعاً عن المفاوضات التي ترعاها واشنطن والمقررة في الثاني والثالث من حزيران الحالي باعتبارها الخيار الأقل كلفة على البلاد وليست استسلاماً؛ ليبقى مصير الجنوب معلقاً بين: التقدم الإسرائيلي ونار الميدان التي زحفت إلى مراكز المدن الكبرى، بظل تقهقر “الحزب” الذي يحاول التعويض بإطلاق المسيرات والصواريخ من دون نتيجة، من جهة، وبين طاولات التفاوض السياسي مطلع الأسبوع، من جهة ثانية.
اقرأ أيضاً:
خاص ـ واشنطن تجمع “حطام البنتاغون”: عواصف الدبلوماسية تترقب جولة حزيران (أمين القصيفي)