








“ولمَّا مضى الرسولان، ابتدأ يسوع يقول عن يوحنا: “ماذا خرجتم إلى البريَّة لتنظروا. أقصبة تحرِّكها الرِّيح؟ بل ماذا خرجتم لتنظروا. أ إنسانًا لابسًا ثيابًا ناعمة. هوَّذا الذين يلبسون الملبس الفاخر هم في قصور الملوك!!
راهبةٌ من عُرقِنا اللبناني وعرَق وجه ذلك المصلِّي داخل بستان ليلة الأسرار. هل يُرضيها هذه الرَّاهبة الرَّافضة القداسة السَّهلة المنال، بأن نستمرَّ نعاني مِن أعراض الاندهاش المرَضي، ونحن نستعيد مرارًا واقعة تقدِّمها بفرحٍ عجيب واغتباطٍ غريب كي تقدِّم الامتحان الأشقى الذي حتَّى أيوب الصَّابرين لم يتقدَّم إلى مثله، امتحان نجاحها وتفوِّقها بشهادة الأوجاع الكبرى. هلَّ استنطقنا روح الضَّمير فينا إن كان يقيننا بعلامات الصَّلب الخمسة، سيبقى ركيكًا هشًّا، واستنسابيًا. المعمدان طالما ستَر جسده بأغرب الملابس وأخشنها، ونحن جئنا ننظر راهبة ألبست جسدها جِلده حتّى لم يتبقَّ منه إلاَّ حطام جسدٍ حطَّمت فيه الرَّقم القياسي في سباق الوصول إلى ذاكَ الاعتراف الأيوبي الثَّخين: “عريانًا خرجتُ من بطن أميِّ، وعريانًا أعود”. لكنَّ الوديعة لم تشأ أن تبلغ مرحلة العتاب المحقِّ لها في شراكة ذلك الصَّوت العظيم: “إلهي إلهي لماذا تركتني”!!
نعجةٌ تحمل رسالةً أسقفيَّة
“واصلة إليكَ هذه النَّعجة فأرجو أن تقبلها في مصاف المبتدئات “!!
رسالةٌ أخويَّة وجدانيَّة من جملةٍ واحدة وخمس كلماتٍ قد خطَّها بأسلوب فعل التمنَّي، النَّائب البطريركي العام على بلاد جبيل والبترون المطران يوسف فريفر وأرسلها مع الرسولة المعنيَّة بمضمون التَّوصية، ومن يدها إلى يد رئيس الرهبانية اللبنانية المارونيَّة الأب العام أفرام جعجع البشراوي، والبقيَّة على الروح المعزّي، روح المشورة الصالحة. وأمَّا تدوين المراسلة وتوقيعها وختمها فقد تمَّ أواخر حزيران 1871!
مِن وسط بلاد جبيل وصولًا إلى جرد بلاد الزاوية، مشت معلِّمة معاد مشيةً تنوب عن خمس عذارى ملأن مصابيحهن زيتًا حلال، أمَّا حسنها ومحاسنها فإلى خباء حصنهما الحصين. طوال الطَّريق المرصودة بالشَّغف والاشتياق لدخولها مساكن الذي دعاها منذ كانت في حشا أمِّها، حثَّت الخطوات تخطو واثقةً رصينة متماسكة، مدركةً السَّبيل إلى بئر مياهٍ لا تورِّث العطش ولا تفاجئ قاصديها بالجفاف. ها هي تدخل قريةً وتودِّع أخرى والمعابر والمفارق والقادوميّات تشفق على أقدام الصبية، لكنَّ إقدام المقدامة استهان بالتَّعب وتجاوز استراحات الذين أضناهم المسير المديد الشاق. المسبحة في يدها والتَّرتيل على شفتيها، حتى بلغت الضَّفة الشمالية لوادي القديسين، وها هي قرية سرعل، وها قرية عربة قزحيا، أنَّ من بينهما الوصول إلى بقايا قرية “أدنيت” الأثرية، ثمَّ عبور أرض مقالع “السريَج” الموقوفة الحجارة لبنيان الأديار. ومن تلك المقالع لاحت لها زوايا الدَّير الذي بناه البنَّاء الحكيم، وصليبٌ من صلبان سمعان السَّبعة يتجلَّى فوق الهضبة الصنوبريَّة العموديَّة، وها هي القادمة من انحلال رهبانيَّة جمعيَّة المريمات، تقرع بوَّابة الدير الذي أخذت عنوانه من صوت الربِّ بالذات، الذي أصغت إليه بتمعنٍّ وروية ليلة حلمها الشهير المكوَّن من فارس وراهبين عرفت الأول ولم تعرف الثاني… داخل كنيسة الدير الجردي المشرِف على مدى الكون القاديشيِّ، تعرَّفت بالعين المجرَّدة على الراهب الثاني الذي لم تتعرَّف عليه في الحلم… إنها بحضرة القديس سمعان العمودي وديره القديم الأزمان والأجيال والذي اشتراه وأسسه وأشرف على بنيانه المتجدد عام 1863 الأباتي أفرام جعجع البشراوي، وهو الذي تسلَّم رسالة المطران يوسف فريفر أول شهر تموز 1871 وهو الذي وشَّحها بثوب الابتداء يوم 10 تموز 1871، وهو الذي ألبسها الإسكيم الملائكي باسمها الرهباني الجديد الأخت رفقا، يوم 25 آب 1873. سبعة وعشرون سنة عاشتها الأخت رفقا الريس الحملاوية في حمى حصن دير مار سمعان العمودي ـ أيطو الشهير تاريخيًا بدير مار سمعان القرن، تيمنًا ببنائه القائم في لحف جبل القرن الأيطاوي. طوال سبعة وعشرين سنة والأخت رفقا تصغي يوميًا إلى الصوت الذي وفاها في مدرسة معاد أيام حيرتها وحزنها ودموعها وانشغال بالها وقلقها على دعوتها الأكيدة… قد كان صوتًا آتيًا من مالك التوقيت الأسنى والمواعيد السماوية: “بتترهَّبي بالرهبنه البلديه”!!
البطرسيَّة الريِّسيَّة الحملاوية
حملايا الجوريَّة، القرية الفوَّاحة بفردوسيَّات قرى جبل المتن الشمالي تلكَ المترهِّبة لبيوتها العائليَّة، وكنائسها الرَّعويَّة، وأرزاقها المقسَّمة على فصول الرب الأربعة، والمتكرِّسة لاكتفاء الفلاَّحين بخبز الكفاف والكرامة. حملايا السَّالفة الأزمان، الموقوفة لبيوت القزِّ والحرير، لبيوت قفران النَّحل وشهد العسل. وحملايا الواقفة على رأس مداميك إمارة أبيات الشِّعر في زجليات القصيد والمعنى والشروقي. هيَّ فيما أُعطي لها وأعطت لنا، كانت المختارة من روح الحكمة سندًا للكرسيّ البطرسي الإنطاكي، فساندته ببطرسيَّتين حملاويَّتين حتَّى لو فرَّقت بين زمنيهما مسافات الأعوام البعيدة، فسيدومان علامتين فارقتين تدوران دوران الكواكب حول شمس بيعة المسيح:
بطرسيَّة فتيَّة ياسمينيَّة المحيَّا، أرزيَّة العينين، شامخة الإيمان والرجاء، سخيَّة المحبَّة والرِّقة والوداعة والفطنة. ولِدت على مذهب عائلة النّاصرة يوم عيد الرسولين بطرس وبولس في 29 حزيران 1832. وضعت طفولتها وفتوَّها تحت حماية أمها الأبدية سيدة النجاة، وعاشت في حمى والدها مراد صابر الريِّس ووالدتها رفقا الجميِّل البكفيَّاوية. يتمُها المكبر لم يكسرها، ولم يشتِّت في ناظريها معلم دربها المؤكدة، وأغنيَّة طير الحمام تغنيها الأم رفقا ليتيمة السبع سنوات على إيقاعٍ ملائكيٍّ سماوي!
البطرسيَّة الحملاويَّة الثانيَّة، هيَّ تلك المولودة ولادة حبرويَّة أذاريَّة في شهر بشارة العذراء يوم 15 أذار 2011 داخل الصَّرح المعطى له مجد لبنان، غداة تصاعد التباشير البيضاء من المدخنة البطريركيَّة المفتوحة على دخان محرقة أوراق انتخابيَّة يتمُّ حرقها وجوبًا ولِزامًا، كي تنتقل بمعلوماتها ومستوراتها وأسرارها إلى ذمَّة الروح القدس!
آباء وأمهَّات عهد تلك التربيَّة التقويَّة الفطريَّة الأنقى بساطة في سهلها الممتنع، قد كانوا الأحرص على استنخاب أسماءٍ لمواليدهم من صفحات صلوات “المتعيِّد” المحتوي أسامي وأخبار قديسي الدورة الطقسية الكنسيَّة على مدار أشهر السَّنة.
وهو ذلك المجلَّد الأرامي المخطوط المعروف سريانيًا برعايانا وأديارنا المارونية بكتاب “الفنقيطو”. رضيعة الأب مراد والأم رفقا تمت ولادتها يوم تذكار صخرة البيعة، فلا حرج من تأنيث اسم الشَّفيع بتحويله من بطرس إلى بطرسيّة. لكن ذلك الإسم السَّميّ كان أن يغيِّبه لقب الصبيَّة المعروفة في ضيعتها وسائر الجوار بـ”زنبقة حملايا”!!
إبنة الشيخة الجميّليّة
رفقا الجميِّل البكفيَّاويَّة أيقونة من أيقونات قدسيَّة سرِّ الزواج، لها من إنعامات الأمومة ما يساويها ويوازيها بأمهات القديسين والقديسات. هي الأم المتحدِّرة عائليًا ونسبًا من أصول شجرة عائلة المشايخ الجميليين، تلك العائلة المكتسِبة مشيختها بشهادة من أمير لبنان المير فخر الدين المعني الكبير. هيَّ الزوجة المتَّحدة حتَّى المثاليات برابطٍ زوجيّ موثَّق بارتباط المسيح وعروسته الكنيسة. هيّ رفيقة العمر الثائرة المتحديَّة الأعراف الاجتماعية شبه المنزَلة، والمقاييس الطَّبقية في نظام مرصوص لا يجيز إطلاقًا، ولا يسامح البتَّة أبناء الفلاحين على تجرّؤهم في التقدُّم وطلب بنات المشايخ… الأم رفقا ربيبة المشيخة المنتشرة متنيًا بين عاصمتها بكفيّا، والمحيدثة، وعين الخرّوبة، وعين التفّاحة، والزّغرين، وبحرصاف، وشويَّا، قد اختارت حكايات لوحيدتها بطرسيَّة من فصول كتاب العهد الجديد تعرِّفها على سلالة الشيخة حنَّة زوجة يواكيم كيف استجاب لها القدير وحبلت في شيخوختها حبلاً بلا دنس أنجب لها وللشيخ الجليل تلك المباركة بين النساء المزمع أن تحبل من بتوليَّتها وتلد ابن الله من عذريَّتها. والأم رفقا تستفيض في الحكايا الإنجيليَّة فتتعرَّف الصَّغيرة على الشيخة أليصابات، الطَّاعنة في عمرها، العقيمة الإنجاب، ثمَّ الحبلى في شيخوختها… حنَّة العابد يواكيم وأليصابات الكاهن زكريا، ورفقا الجميِّليات، ثلاثتهنَ تساوينَ في مشيخة قدسيَّة وأمومة ملؤها أقداس يوحنا المقطوع الرأس، ويسوع المحكوم بصراخ أصلبه أصلبه، والراهبة البنيَّة المقلوعة العين… منذ أوَّل وعيها على الحياة والبطرسيَّة إبنة الأم ذات الحسب والنَّسب، لم تحفظ من أحاديث أمها أكثر من حفظها أحداث خميس الغسل، والربُّ المعلِّم يقوم عن وليمة العشاء، ويأتزر بالمنديل، منحيًا على أقدام اثنتي عشرة صيِّادًا أقدامهم مفسَّخة بين حماوة رمل شاطئ البحيرة ومياهها المالحة، وأكثر ما تعجَّبت له الزنبقة الحملاوية، كيف شفيعها وسميُّها عاند وتعنَّت ورفض قطعيًا بسط خشونة رجليه وتسليمهما لغسل يدي معلمه المسيح ابن الله الحي. من لحظتها تعلَّمت الصَّغيرة الحسَّاسة كيف يكون الكبار خادمًا لأخوته الصِّغار!!
الصَّانعة
وزرة الخادمات معقودة على خصرها الرَّهيف. مكنسة “الصَّانعات” اختصاص يديها، ولمسكة أصابعها دلو الشطف والمسح والممسحة. نظافة دارة “الخواجا أسعد البدوي” في دمشق الشام من مسؤولية الصَّانعة اليتيمة سندًا لوالدها ولعمِّها الفقر.. عادت من الشام وهي في عمر العرس والإكليل، فكانت المنازعة الأولى على أحقية امتلاك مصيرها، ويا ما وقع العراك بين خالتها شقيقة أمها الرَّاحلة الطَّامحة لتزويجها من ابنها وابن الخالة أحق، وخالتها زوجة أبيها الطَّامعة بتزويجها من أخيها، والكلمة الأولى والأخيرة لربَّة البيت الطَّارئة بحكم موت الأم الأصيلة!
يوم 17 تشرين الثاني 1985، الحملاوية عاشقة المصلوب فوق مذابح الطوباويين، فامتدَّت المخاصمة على امتلاكها في معظم أنحاء وأحياء ضيعتها حملايا وبالأخص بين من هم مع الريِّسيين، وبين من هم مع فرع الشُّبقيين !..
يوم 10 حزيران 2001، أعلن بابا تحرير الشعوب يوحنا بولس الثاني الراهبة اللبنانية الأخت رفقا الحملاوية قديسة على الكنيسة جمعاء. وللمرة الثالثة عمَّ خلاف الامتلاك مجدَّدً، لكنَّه انتقل في احتفالات التقديس من الأرض إلى الملكوت السَّماوي، فكان خلافًا حبيًا أخويًا بين القديس سمعان المعتزل الشهرة فوق عموده، وبين القديس يوسف البتول السَّكوت، وصاحب السؤال الأقدس يسأل سؤال الخادم الأكبر: “أيتها الصَّانعة، الخادمة، ثم المصلوبة والطوباوية فالقديسة، لو بقيتِ تخدمين دارة الخواجا الدمشقي أسعد البدوي، من منَّا جميعًا كانت له عينٌ تعترف وتتباهى بوزرتكِ، ومكنستكِ، ودَلوكِ، وممسحتكِ، وفقركِ وشهرتك المعدومة… ومن منَّا كان تجاهر ويتجاهر بطوباوية الصنَّاع، وقداسة الخدم!!
مار يوسف جربتا ضريح القيامة
دير مار سمعان العمودي أيطو كان مركزية استضافتها كامل جسد عريسها المصلوب إلى كامل جسدها وكمال نذورها. ليوم جمعة واحدة بالمسمار “قد عُلِّق على خشبة الذي علَّق الأرض على المياه”… ولتسعة وعشرين جمعة عظيمةٍ متتالية قد عُلِّقَت عينها بمخرز التي علَّقت أوصالها المخلَّعة وعظامها المفكَّكة على ذمَّة يوسف خطِّيب مريم ودمع أمها ورئيستها أورسلا دومِيط المعادية وحسرات أخواتها الخمسة مؤسِّسات دير الوصول زحفًا إلى ذبيحة خميس الجسد، ودير ضريح اليوم الثالث!
أنتِ الراهبة العمياء أبصرتِ من أي مصدر تأتي أفعال القداسة للرهبان والراهبات… أنتِ الرَّاهبة المستحبسة طوال تسعة وعشرين سنة في أوجاعكِ العظمى ونزيفكِ الدائم وطقطقة عظامكِ تخاطبين أخواتكِ الناذرات وأخوتكِ النَّاذرين بأنَّ لا مكانة لهم، ولا مقام، ولا أمجاد خارج المدى الوسيع الممتد في آية: “لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض”.
جرح الربِّ أكان أولًا أو سادسًا فلا بدَّ من استناد الصَّليب مرَّات على كتفه، ومرَّات على كتف أيَّة قيروانيَّة وأيّ قيروانيّ. الحجر المتدحرج عن باب القبر يومًا ينتفض على حرَّاس الموت في تدحرجه نزولاً، ويومًا يسحقهم في تدحرجه صعودًا!!
يا صاحبة يوبيل المخرز والمسمار، ما قيمة مرور خمسة وعشرين سنة على إعلانك قديسة مذابح أعياد البيعة المقدسة، وأنتِ بالذات كامل الذَّبيحة وكل المذابح!!