#adsense

الديمان غبطة الصَّيف.. قنوبين صرح الفصول

حجم الخط

صرحان شماليان من أصيل صروح البطرسيَّة الإنطاكيَّة المارونيَّة. صرح اجتاز عتبة الألف سنة من دون أن يتجاوز رتبة تثبيته كرسيًا أساسًا منتخبًا للوادي المقدس. أمَّا الصَّرح التوأم فهوَّ ذلك المرمَّز إليه في سفر الخروج الآخر، خروجٌ بطريركي من أرضٍ يقيم فيها الوادي الهادر في أعمق أعماق ضمير الأمَّة القنّوبينيَّة المارونية. الخروج من الأصعب إلى الأسهل، هل كان قرارًا قويمًا أو انسحابًا متعرِّجًا، نصف الجواب عند الأحبار الدِّمانيين، ونصفه الآخر عند حاملي ودائع الإيمان والحريّة إلى المغاور والكهوف وشقوق الأرض!

اعتزالٌ قنوبينيٌ قسري دام ثلاثمئة وثلاث وثمانين سنة، انتهى بيوم صعودٍ تمنَّاه سيِّد الوزنات خميسًا لصرحٍ آخر، تستقبله في هذا الانتقال البطريركي المتجدِّد إحدى الشرفات الصخرية لقرية الديمان إحدى حسناوات قرى بلاد الجبَّة!!

 

ديمان الأحبار الدِّيمانيين

الثامن من حزيران 1809، انعقد المجمع الانتخابي للأساقفة الموارنة داخل إحدى أجنحة معهد مار يوسف عينطورة كسروان، وعند الختام رسم الدخّان الأبيض إسم النائب البطريركي على أبرشيَّة عكَّا المارونيَّة المطران يوحنا الحلو، بطريركًا منتخَبًا خلفًا للبطريرك المستقيل الزاهد المستحبس يوسف التيَّان. بطريرك مجمع معهد عينطورة هو ابن بلدة غوسطا الأديار والبطاركة والأساقفة، معطوفًا عيها مدرسة عين ورقة الموازية لمدرسة روما المارونية.

من أجواء هذه الصروح العلمية، عاد البطريرك المنتخب يوحنا الحلو الى صرح سيدة قنوبين المتواري كآباء البريَّة في مجاهل الدنيا، ورئيس الرؤساء يوحنا عائدٌ برؤيا هي من لبِّ أفكار رؤيا شفيعه وسميِّه يوحنا الحبيب والتلميذ الطَّاهر، في قرارٍ أراده غبطة الحلو انتقالاً متدرِّجًا من المكان المحاط بهالة زهّاده، ومهابة إيحاءاته، وجدرانيَّات أشياره. مدارس عينطورة وعين ورقة، تحثُّ الحَبر الغوسطاوي على المضي بقرار الاقتراب من الجماعة الرعائية الكبرى وإعفائها مِن سلوكها معابر ومفارق، هيَّ في الأصل معدَّة لأجنحة الطَّير ومسارب الشمس.

البطريرك الحلو يفتتح زمن الانسحاب من معقل بطاركة الوعر، مهتديًا إلى مكان وضع حجر الأساس للمقر البطريركي الصَّيفي، داخل بيتٍ يسكنه شريك من شركاء الشلش الدِّيمانيين، فكان بيته القروي الشكل الأول لصرح سيدة الديمان!

بعد نياح البطريرك يوحنا الحلو آخر بطاركة أزمنة الوادي المقدس نهار 12 نوار 1823، انعقد المجمع الأسقفي الانتخابي في دير سيدة قنوبين تمام اليوم الخامس والعشرين من ذات الشهر والسنة، وانتهى المجمع بانتخاب مطران أبرشية طرابلس المارونية يوسف حبيش بطريكًا كسروانيًا آخر، فاجتهد الحبيشي بإتمام مشروع سَلفِه الراحل وتهيئة الانتقال من أقدس الأودية صعودًا إلى التَّلة الدِّيمانية، فكان البطريرك حبيش آخر ساكني قنوبين وأول المنتقلين إلى صرح سيدة بكركي!

بين أواخر القرن التَّاسع عشر وأوائل القرن العشرين حوَّل البطريرك الكياني الياس الحويك حارة الديمان البطريركية إلى صرح شبه مكتمل البنيان، مستلهمًا هندسة حصون الأديار المارونية وتنزيهها عن ترف القصور!

نهار 8 كانون الثاني 1932، انعقد المجمع الأسقفي الماروني الانتخابي لانتخاب خلفًا لبطريرك التاريخ الياس الحويك، وبعد فشل المطرانين الأقويين المتنافسين أغناطيوس مبارك وعبدالله الخوري عن نيل أحدهما ثلثي الأصوات، وقع الاختيار على مطران طرابلس أنطون عبد المسيح عريضة البشراوي بطريركًا ثالثًا وسبعين، ومن هو أولى من ابن الأرض والبيئة والكتف القاديشي من تهيئة الصرح الديماني بأجنحة البناء المتممة له، ثم بناء كنيسة على اسم السيدة  بديلة عن كنيسة مار الياس القديمة، فازدهر العمران الأنطوني العريضيّ وتواصل بين أعوام 1932 ـ 1955، مختومًا برائعة فنيَّة أيقونيَّة أبدعت فيها ريشة الرسّام الإهدني اللبناني العالمي صليبا الدويهي، بنقل تفاصيل ورموز ومشاهد وادي  القدِّيسين إلى جدرانيات كنيسة سيدة بطاركة القاديشات حيث للسماء أرض وللأرض سماء!!

 

جبَّة التَّطويبات الحويكيَّة

غبطة البطريرك مار الياس بطرس الحويِّك عائد إلى مقرِّه الصَّيفي طوباويًا. يعود عند مفصلٍ زمنيٍّ خطير، وأهل بيعته اللبنانية المارونية في ذروة حيرتهم، ومشاعرهم تتضارب فيها الأفراح بالصَّدمة، والآمل بالخيبة، فالغائبة الفقيدة الأساس عن ساحة 25 تموز2026 هي دولة لبنان الكبير الأقرب إلى مثاليات وطوباويات وأفلاطونيات “المدينة الفاضلة”…

احتفالات في الديمان، واحتلالات أينما كان، وليست الأعجوبة هنا إلاَّ العجبِ العجاب.. تلاوة القرار البابوي التَّطويبي أمام جموع السَّبت الدِّيماني، هل يكون بداية لنعرفَ الحقَّ الذي هو وحده يحرِّرنا، هذا الحق بالذات يدعونا لإزالة هالة الطوباويات عن دولة أول أيلول من العام 1920 بعدما رأينا ما رأيناه.. واكتشفنا ما اكتشفناه… وتوهَّمنا ما توهَّمناه وفجعنا بما فجعناه…

“لبنان أكثر من وطن، إنه رسالة”، وقداسة البابا مار يوحنا بولس الثاني هو وشعاره يسكنان روما من فوق… أمَّا المقاوم البولوني “كارول فواتيلا ” فإنَّه يسكن معنا روما من تحت!!

 

لنعترف للرب فإنَّه صالح

صرحان بطرسيان إنطاكيَّان شاءهما الربُّ الحنَّان أن يتقابلان يوميًا ودائمًا صرحًا لصرحٍ في صيغة معرِّف ومعترف… صرح الدِّيمان لا يترجَّاه الأبناء الأعزاء إلاَّ طالب اعترافٍ وهم معه معترفون. كرسي سيد الديمان البطريركي وأحباره الأربعة والعشرين ينتظروننا جالسين في كرسي الاعتراف الكبير. “كبيرنا الذي هو خادم لنا”، إنَّنا نأمله أيضًا أن يكون قدوتنا، وهكذا يكتمل الاعتراف الشَّامل ابتداءً من الرأس فينا حتى الأوضع بيننا!

الروح القدس البارقليط هو الأقدس بين العالمين ما بنا. يوحنا مارون أب أمَّة مارونيانا الأول والدائم، إنَّ تفصيل تفاصيلنا عنده، وفي عهدته كلُّ ما هو معلوم عنا، وكلَّ ما هو مستتر… والاستقالة من الفراغ والخواء، ومن التردُّد والترداد هو حقًا ذروة الحضور والوجود!!

ها قدس الآتي باسم الأب القدس لاوون الرابع عشر يعاين من ساحة صرح التَّطويبات أشجار السنديان تلك التي صقلت من أغصانها صولجاناتٍ حبرويَّة حملتها يمين أولئك الذين كانت نفوسهم مرصَّعة بسبائك ذهب آية: “لا تقتنوا لكم كنوزًا على الأرض”!!!

 

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل