
فوزي الراسي: شهيد المعتقل
بعد استدعائه للتحقيق على خلفية تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994 ، لم يكن فوزي الراسي يظن انه بتسليم نفسه لعدالة ذلك الزمان يكون قد سلم نفسه للموت، واغلب ظنه كان انه بسبب سنه المتقدم ( مواليد 1946) وبسبب الأمراض التي يعاني منها فإن المحققين لن يمسوه بأذى جسدي بل سيكتفون بالتحقيق معه واطلاقه بعد ان يتيقنوا انه بعيد كل البعد عن لعب اي دور امني بعد حل الميليشيات وانتهاء الحرب.
فوزي الراسي الذي كان قد تلقى بعد حل حزب القوات اللبنانية في 23 آذار1994 رسالة من الدكتور جعجع تمنى فيها عليه السفر الى الخارج ريثما تتوضح الأمور ورفض ذلك قائلا لزوجته انه سيسلم نفسه طوعاً للتحقيق لأن ضميره حر، كان قد ابتعد عن منزله في لحظة التجربة طالباً من ربه ابعاد هذه الكأس عنه، الا ان احساس البراءة الذي رافقه جعله يتغلب على رهبته من تجربة الإعتقال ويعود ليسلم نفسه برباطة جأش وايمان بالبراءة قل نظيرهما خصوصاً ان رجال النظام الأمني السابق كانوا قد داهموا منزله في غيابه عدة مرات مرهبين زوجته، وطالبين منها ان يسلم نفسه الى فرع مخابرات صربا. والمفارقة هنا هي انه عندما سألت زوجتة “غرة” رجال الأمن عن سبب الرغبة باعتقاله اجابها الضابط المولج بذلك: ” الا تعرفين ان زوجك ينتمي الى القوات اللبنانية.” لقد كان يكفي في ذلك الزمن القذر ان تكون قواتياً لتعتقل.
في 19 نيسان سلم فوزي ابن قرية الشيخ طابا العكارية نفسه الى الشرطة العسكرية في سن الفيل وايمانه بالله كبير، مع علمه ان الإيمان لا ينقذ الجسد بل ينقذ الروح. لم يلبث ان حط به الرحال في وزارة الدفاع حيث فهم سريعاً ان لا وجود للضوابط والمعايير القانونية وانه اصبح في فوهة البركان.
هناك تعرف على من يسمونه “عطية” الجلاد، الذي عرفه كل المعتقلين ووصفه احدهم بالوثني المنفصم الشخصية الذي يظهر تارة رأفته لإبراز تفهم المحققين للمعتقل في حالة التجاوب، ويظهر في طور آخر تعطش سادي للدم اذا لم يتجاوب المعتقل فيسفك دمه في فرح وضحك ونشوة لا يفهمها الا اطباء النفس.
عطية هذا الذي لمس غضباً على وجوه رؤسائه جراء عدم ادلاء فوزي بمعلومات امنية لا يعرفها بالواقع، لم يكترث ومعه المحققين لتصريح فوزي بأنه مريض ويعاني من ضغط في القلب وانه يتناول هذا الدواء وذاك تأكيدا على المرض، فشرعوا يزيدون وينوعون في جرعات الألم والتعذيب. جربوا معه التعذيب بالكهرباء وفوزي يصرخ:” يا عدرا”. وجربوا معه اسلوب “الكرسي” فمدد على الارض وبطنه الى الاسفل، ووضعت الكرسي الخشبية على ظهره بحيث تضغط مقدمتها على اسفل ظهره. ومن ثم طوقت الكرسي بيديه بواسطة كلابات حديد. بعدها جلس”عطية” على الكرسي من فوق وراح يشدّها الى الوراء بشكل خلع جسم فوزي معها الى الخلف، فأنقطعت انفاسه من جراء ضغط الكرسي على رئتيه وشعر بالشلل يتغلغل باطرافه ومن المؤكد انه تمنى ان يغيب عن الوعي، ليهرب من الآلم وظل يصرخ:” يا عدرا، دخيلكن صدقوني”.(الشهادة عن طريقة التعذيب بالكرسي مأخوذة من رفاق جربوها على يد الجلاد نفسه). اخيراً جربوا معه اسلوب البالانكو فعلقوه وهو يستنجد بالعذراء، ولم يلبث ان اسلم الروح بعدما فاق العذاب قدرة قلبه على الإحتمال. اقترب السجان ليوقظه ليكمل لهوه، فكثر يغيبون عن الوعي اثر جلسات التعذيب، لكن فوزي لم يتحرك فقد انتقل الى مكان آخر حيث ميزان العدالة هناك لا يعتوره اختلال. لم يخف هؤلاء من ان يسبب موت فوزي الراسي مشكلة لهم فالتقارير الطبية التي تدعم حججهم جاهزة ولا خوف من ضمير طبيب مات على وقع امرار التقارير الطبية الكاذبة. على العكس من ذلك فقد استخدموا موت فوزي كوسيلة ضغط على باقي القواتيين المعتقلين فما برحوا يهددونهم بأن يكون مصيرهم كمصير فوزي الراسي اذا لم يتجاوبوا.
في الواحد والعشرين من نيسان وفيما كان الحكيم في طريقه الى المعتقل نقلت جثة فوزي منه وسلمت الى عائلته التي حظر عليها ان تتحدث الى الإعلام او حتى ان تنشر صورة للشهيد ” لأن رأس ابنه الوحيد هاني في الدق” كما ورد في رسائل التهديد التي اعقبت الإغتيال. ولم تلبث العائلة ان هاجرت الى الولايات المتحدة الأميركية بعد تكاثر رسائل التهديد التي كانت تأتي عبر الهاتف او عبر اشخاص يستقلون التلفريك الذي يمر بالقرب من شرفة المنزل.
لم ينج جسد فوزي انما نجت الروح ، اما ارواح الجلادين ففانية رغم بقاء الجسد، والله يمهل ولا يهمل ويعيد الحق الى اصحابه ولو بعد حبن.