بقلم كاترين اودارد (استاذة فلسفة السياسة والاخلاق في معهد لندن للاقتصاد)
ترجمة عن الفرنسية: ميشال أ. سماحة (خبير إقتصادي إجتماعي)
في خضم التحولات التي يشهدها عالمنا العربي والإسلامي، يحتدم الصراع والنقاش الفكري بين الليبراليين من جهة والإسلام السياسي من جهة أخرى. هذا الصراع الفكري لا يختزل بالطبع غنى وتنوع الأفكار السياسية والإيديولوجيات الأخرى في مجتمعاتنا، لكنها تعبر عن الانقسام السياسي الأقوى والأعمق. فيما يخص الأفكار القومية واليسارية والإسلامية، ليس هناك من نقص في الكتابات والأبحاث والنقاشات. الملفت للنظر، أن هناك شحاً استثنائياً في ما يخص الفكر الليبرالي، ويصار إلى اختزاله إلى أفكار اقتصادية تبسيطية. تهدف هذه المقالات إلى تسهيل النقاش الفكري والعلمي بين مختلف التيارات الفكرية، علنا نساهم في تعزيز النقاش الحضاري والمساهمة في بناء حوار وطني جاد يعزز من مكانة السياسة والثقافة في حياتنا.
في أي وجهة سيذهب هذا التحول داخل الليبرالية نفسها؟ فقبل كل شيء، انتقلت ساحة المعركة من نطاق الممارسة السياسية إلى نطاق الأفكار. تحولت الليبرالية من كونها قوة سياسية إلى قوة فكرية وأخلاقية متخطية حجم تمثيلها السياسي. صحيحٌ أنها لم تعد تشكل قوة سياسية مهمة ابتداء من العام 1848 ولكنها راحت تغذي العمل السياسي لأحزاب اليسار واليمين المعتدلة في كل أنحاء أوروبا والولايات المتحدة. هذا التيار التجديدي حمله وغزاه منظرون وكتاب وجامعيون، بعضهم كان أحيانا من رجال السياسة. لكنهم عموماً بقوا في المعارضة، أوفياء لوظيفة نقض الليبرالية.
الليبرالية “الأخلاقية” (Le libéralisme éthique): إنكلترا
في إنكلترا، التوافق السياسي بين الليبرالية والاشتراكية، استطاع المقاومة والصمود أكثر مما فعل في أي مكان آخر. تجد الاشتراكية الإنكليزية منابعها الأخلاقية في الليبرالية المعتدلة بخاصة وفي البروتستانتية الليبرالية وتحديداً الميثودية (أو المنهاجية وهي طائفة مسيحية بروتستانتية ظهرت في القرن الثامن عشر في المملكة المتحدة على يد جون ويزلي)، وليس في الماركسية، ما يفسر لماذا لا يدخل هذا المفهوم في خلاف مع الليبرالية ولماذا الليبرالية “الاجتماعية” ليست متناقضة معه. كون الليبرالية الجديدة نتاج عمل الفلاسفة والاقتصاديين، فإن التناغم بين الكفاءة الاقتصادية والإصلاحات الاجتماعية ستشكل نقطة التقاء مشتركة.
من أهم مفكري الليبرالية الجديدة هو بالتأكيد الفيلسوف توماس هيل غرين(Thomas Hill Green) من جامعة أكسفورد، بحيث أن تعاليمه سيكون لها تأثير كبير على كامل الطاقم السياسي لتلك الحقبة. من دون أن ننسى كينز Keynes نفسه الذي يستوحي من أفكاره دون الإتيان على ذكره أبدا. طور غرين(Green) أفكار ميل ولكنه ذهب أبعد منه في شجب ظلم “حرية التعاقد” وحرية الاقتصاد، فأطروحته حول طبيعة الفرد الاجتماعية قريبة جدا من أطروحة معاصره دوركهايم(Durkheim) . فهو يؤكد أن الرابط الاجتماعي لا ينجم عن التعاقد على طريقة لوكLocke ، ولا عن نفعية (Utilité) على طريقة بينتام(Bentham) ، ولكنه ناجم عن اعتراف متبادل بالآخر كغاية بحد ذاتها وعلى اعتبار مصالح الآخرين مكملة ومكونة للمصلحة الشخصية والذاتية. أنتقد الفردية الذرية للقرن الثامن عشر، واستبدل رؤية ميل للفردية التي تتطور وتصقل بفضل مساهمة المستمرة للآخر. فأسس لحق الفرد، تجاه المجتمع الذي يدين له بوسائل تحقيق الذات(Potentiel) ، تحقيقاً أساسياً وضروريا لرفاهية وتقدم الجميع. بعد أرسطو وهيغل، أطلق غرين اسم “الخير المشترك”(Bien commun) على التفاعل بين المصلحة الفردية والمصلحة المشتركة وأساس “للأخلاق والالتزام السياسيين”.
يُعتبر غرين مصدر أساسي للعديد من الابتكارات في البرنامج الليبرالي. فقد ميز أولاً وبطريقة جذرية بين الحرية “السلبية” لليبرالية “القديمة”، القائمة على الحقوق الفردية، وبين الحرية “الإيجابية” لليبرالية “الجديدة” تلك المتعلقة بالحقوق المستوجبة (Droits-créances) والوسائل الاجتماعية والاقتصادية التي يتوجب على المجتمع تأمينها للفرد لتمكينه من تطوير وتحقيق ذاته. دفع وطور غرين النقاش حول الحرية الإيجابية والحرية السلبية، الموضوع الذي أصبح مسألة مركزية في الإيديولوجية الليبرالية للقرن العشرين. فأعاد التأكيد على الطبيعة الاجتماعية للفرد، ليكون تطوره مرتبطاً بالآخرين والمجتمع وما يقدمونه له. أخيرا، توسع في انتقاد الليبرالية الاقتصادية، وأكد على أن السوق هو مؤسسة اجتماعية كغيرها من المؤسسات التي يجب تنظيمها وتقنينها كي تعمل لما فيه مصلحة الجميع ولكي لا تكون في مصلحة أقلية ما. كما ذهب بعيدا في فكره النقدي الاجتماعي، وخلص إلى إعطاء شرعية لتدخل الدولة وعلى حقها في إصدار تشريعات في مجالات التعليم والصحة العامة والملكية الخاصة وقانون العمل لتقليص الآثار السلبية للحرية الفردية.
في أعقاب مقاربة غرين، قام ليونارد ت. هوبهوز(Leonard T. Hobhouse) ، الذي أنضم إلى حزب العمال، بإدانة الليبرالية الاقتصادية التي تقود إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، واقترح سياسة ضريبية صارمة على أرباح الشركات. كما ودافع عن دور الدولة المطلوب منها تنظيم الحياة الاجتماعية، ودعم فكرة أن الإصلاحات الاجتماعية تتوافق واحترام الفرد. فالمواطنة الجديدة يجب أن تشتمل على الحقوق الاجتماعية وليس فقط الحقوق السياسية. فاقترب أكثر فأكثر من الأجواء العمالية ومن أفكار الجمعية الفابية(Fabian Society) وهي جمعية إنكليزية أنشئت في عام 1884 وسعى أعضاؤها إلى نشر مبادئ الاشتراكية بالوسائل السلمية وسميت كذلك نسبة إلى فابيوس كونكتاتورد، وهي جمعية ما تزال موجودة حتى الآن.
هذه الحركة الفكرية اختلفت بالتأكيد عن السياسات التي مارسها وتبناها الحزب الليبرالي للويد جورج وتشرشل، ولكن التأثيرات تقاطعت رغم ذلك. بين العام 1906 و 1911، وتحت ضغط نواب حزب العمال، ستكون حكومة لويد جورج المسؤولة عن أولى الإجراءات الاجتماعية في إنكلترا، مع نظام التقاعد للمسنين الفقراء (1908) والتأمين ضد البطالة للعمال المزارعين الأكثر فقراً (1911)، جاعلين بذور دولة الرفاه الاجتماعي تنبت في الليبرالية الجديدة وليس في الاشتراكية.
الليبرالية “الجمهورية”: فرنسا
في فرنسا، ستتميز الليبرالية الجديدة بصفاتٍ مختلفة نظراً للإرث الراديكالي للثورة الفرنسية، ولسقوط وفشل الليبرالية عام 1848، كما ولتوالي الأنظمة الدكتاتورية والوضعية الحديثة لمؤسسات الحرية التي يعود تاريخها فقط إلى الجمهورية الثالثة. لن تُعرِّف نفسها أبداً وبصورة علنية وواضحة كليبرالية ولكن ستقدم نفسها على كونها “راديكالية” أو “اشتراكية إنسانية” إلخ. علما أنَ التيار الجمهوري الليبرالي كان له وجود في فرنسا خلال تلك الفترة كباقي دول أوروبا الغربية.
عرفت الليبرالية الكلاسيكية في فرنسا صعودها خلال فترة قصيرة ومحدودة، وخاضت أولى تجاربها أثناء الملكية الدستورية من العام 1814 وحتى العام 1848 ، مع الأب سييس( Labbé Sieyès)(1748-1836)، وبنيامين كونستان (Benjamin Constant) (1767-1830) وغيزو(Guizot) (1787-1874) وتوكفيل (Tocqueville) (1805-1859)هذا التطور ارتبط بصعود الطبقات الوسطى الصناعية والتجارية، الذين يؤيدون حرية الأسواق، ودولة القانون(Rule of Law) والمساواة في الفرص، ولكنهم يرفضون باسم المسؤولية الفردية دور الدولة كأداة لإعادة توزيع الثروة. الليبراليون الفرنسيون يتقبلون لعبة السوق وسياسة الـ(Laisser-faire) أكثر بكثير مما نعتقد، لكن خلال فترة تاريخية قصيرة. فهم بالطبع يعارضون السلطة الاستبدادية والمركزية، كما يعارضون اليعقوبية(Jacobinisme) والرجعيون الذين يتمنون عودة الدكتاتورية الملكية. لكنهم سرعان ما أُجبِروا على إقامة تحالف مع العدو، كحلف غيزو والمتشددين، وإبتداءً من العام 1848 سيتحولون إلى الأوساط الجمهورية، والدولة المركزية والاستبدادية وسيبتعدون عن القيم الليبرالية. ستشهد بعد ذلك الجمهورية الثالثة تطور تيار ليبرالي واجتماعي شبيه بالتيار لليبرالي الجديد في إنكلترا، وبداية إصلاحات اجتماعية من عمل الحزب الراديكالي(الجمهوري والليبرالي) وفلسفته الجديدة القائمة على التضامن(Solidarisme). ولكن ابتداء من العام 1910، انحرف التيار الراديكالي نحو اليمين وأصبحت الأفكار الليبرالية متعارضة وغير منسجمة مع الاشتراكية (التي أصبحت القوة السياسية الصاعدة).
الليبرالية “التقدمية”: الولايات المتحدة
أدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الولايات المتحدة، في نهاية القرن التاسع عشر، بالليبراليين إلى إعادة النظر في مفاهيم التوافق الاجتماعي والى تأسيس الحركة “التقدمية”(Progressivism) ، التي جمعت حولها النخب الثقافية والسياسية قبل الحرب العالمية الأولى. هذه الحركة أعادت النظر في العمق بالليبرالية الكلاسيكية على غرار ما كان يحدث في أوروبا.
أما الممثل الأهم للتقدمية الأميركية ولليبرالية الجديدة كما وللأخلاقية-الديمقراطية الجديدة والعادلة فكان الفيلسوف جون ديوي(1859-1952). كما يجب ذكر هيربير كرولي(Herbert Croly) (1930-1869) مؤسس تيار “الجمهورية الجديدة” داخل الحركة، ومروجه ولتر ليبمان(Walter Lippmann) (1889-1974). في المحصلة، الكل استلهم أفكاره من فلسفة ويليام جيمس(William James) (1842-1910). استقر ديوي بكل وضوح على يسار الليبراليين الإنكليز “الجدد” كالجمهوريين “الليبراليين” الفرنسيين وانتقد بشدة الليبرالية الكلاسيكية. لقد اعتبر هذا الأخير أن الدولة هي عدوه في حين أن الدولة ضرورية لضمان الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية. لقد خاض حرباً ضد الفردية الذرية باسم المسؤولية الاجتماعية. تأثير ديوي على “المجتمع الكبير” للينودن جونسون(Lyndon Johnson) سيكون بغاية الأهمية ويشرح لماذا مفهوم “الليبرالية” في الولايات المتحدة منذ ذاك الحين سيصبح مرادفاً “للاشتراكية”. شكل الفيلسوف ريتشارد رورتي(Richard Rorty) (1931-2007) طليعة مؤيدي التقدمية الجديدة “كقصة وطنية” (grand récit) جديدة وكبيرة للولايات المتحدة.
إلا أنَ التيار التقدمي الأميركي لم يكن سوى حقيقة وواقع للمفكرين، وكان نجاحه مرتبطاً بدعم رجال سياسة من الصف الأول. إن انتخاب احد كبار هؤلاء المثقفين توماس وودرو ويلسون (Thomas Woodrow Wilson)(1856-1924)، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون، لرئاسة الولايات المتحدة، سجل مفصلاً في تاريخ الليبرالية. معجباً بألمانيا وببيسمارك(Bismarck) ، اعتقد ويلسون أن الوقت قد حان للتخلي عن الإطار الدستوري وعن الفلسفة القائمة على فصل السلطات، واستبدالها بإدارة فعالة ومستقلة عن السلطة التشريعية لخدمة رفاهية الجميع والازدهار الاقتصادي. إن الصفقة الجديدة(New Deal) ، التي كانت موضوع الحملة الانتخابية للحزب الديمقراطي عام 1932 وانتخاب فرنكلين روزفلت عام 1933، هدفت بشكل صريح وعلني إلى وضع أفكار “التقدمية” موضع التنفيذ، هي وأفكار ويلسون أيضا: وهو دور اجتماعي جديد للدولة خدمة الخير العام. لم يكن برنامج روزفلت عام 1944 إلا عبارة عن برنامج الليبرالية “الاجتماعية” و”التقدمية”، الذي يعطي الأولوية إلى دولة الرفاه الاجتماعي Welfare State وإلى مكافحة الفقر.
الليبريسم (Le libérisme) والاشتراكية الليبرالية: إيطاليا
لا شك أن وضع إيطاليا هو الأكثر ملائمة وتماشيا مع النقاشات المعاصرة. فالنقاش بين بينيديتو كروتشي Benedetto Croce ولويجي إينوديLuigi Einaudi في ما يخص الفرق بين الليبراليةLibéralisme والليبرالية الاقتصادية”liberismo”، والمعطى الجديد الذي تحمله “الاشتراكية الليبرالية” لليبرالية “الجديدة”، ما زال نقاش حاضر ومتواصل.
بين نهاية العام 1920 وعام 1930، قام الفيلسوف الإيطالي بينيديتو كروتشي (1866-1952)، مؤسس الحزب الليبرالي الإيطالي، والاقتصادي لويجي إينودي (1874-1961)، والذي سيصبح لاحقا حاكم المصرف المركزي الإيطالي ورئيس الجمهورية عام 1948، قام الاثنان بتبادل مجموعة من الأفكار والنقاشات الفكرية حول مفاهيم الليبراليةLibéralisme والليبرالية “الاقتصادوية”Libérisme . بالنسبة إلى لويجي، الليبراليون الاقتصادويونLibéristes هم هؤلاء الذين يعتقدون بأنَ مبدأ “دعه يعمل دعه يمر” هو مبدأ عالمي، رغم أن هذا المبدأ لا علاقة له بالعلوم الاقتصادية”. الليبراليون الاقتصادويون مثلهم مثل الليبراليين المعادين لوجود الدولة (Anarcho-Capitalisme) ، توصلوا حتى إلى استنتاج مفاده أن أزمة 1929 هي نتيجة مباشرة للتدخل المفرط للدولة! لكن وبما أنَ الفرق قد اتضح بين الاثنين، استعادت الليبرالية أبعادها الأخلاقية والسياسية، واليوم أصبحت تقريبا مختلف أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط الإيطالية تقدم نفسها على أنها أحزاب ليبراليةLibéraux ، لا ليبرالية أقتصادوية Libéristes قمنا باعتماد مفهوم “الاقتصادوية” مكان(Léconomisme et le libérisme) الذي يأخذنا الى النظرية الاقتصادية الأرثوذوكسية ونظرتها إلى السوق وآلياته. في حين تتقبل الليبرالية الدور التنظيمي للدولة، تعتبر الليبرالية الاقتصادوية أن السوق ينظم نفسه وباستطاعته إيجاد التوازن الأفضل، وأن كل تدخل للسلطة العامة هو أمر سيئ بالتأكيد.
في إيطاليا، التيار الذي رفض وعارض بصرامة “الليبريسم” هو تيار الاشتراكي الليبرالي. مؤسس هذه الفلسفة السياسية، الإيطالي كارلو روسيلليCarlo Rosselli ، مناهض الفاشية والذي يريد “إعادة الحركة الاشتراكية لمبادئها الأولى ولأصولها التاريخية والنفسية، وإثبات أن الاشتراكية، في التحليل النهائي، هي فلسفة الحرية”. عارض روسيللي، الذي أسس مجموعة المقاومين للعدالة والحرية(Giustinzia e Libertà)، عارض الماركسية رافضا علمويتها من العلم (Scientisme) واقتصادويتها، ومؤكدا أن الاشتراكية هي في الحقيقة “النمو المنطقي لمبدأ الحرية المدفوع حتى حدوده القصوى. أخذا بمعناها الجوهري وتبعا لنتائجها، فإن الاشتراكية (كحركة تحرر جدية البروليتاريا) هي ليبرالية الحركة (أو حركية)، وهي الحرية التي يمكن توفيرها للأكثر فقراً”. على الحرية أن تكف عن كونها قيمة للنخبة فقط، وأن “تكون قادرة للوصول إلى حياة الناس الفقراء”.
LEconomie politique, FRANCE, No44-2009
www.leconomiepolitique.fr
Rédacteur en Chef adjoint: M. Christian Chavagneux
Catherine Audard: Quest-ce que le libéralisme? Ethique, Politique, Société-Paris, Gallimard-2009
لقراءة: الليبرالية “الجديدة”(1- 4)… التطور التاريخي لليبرالية الكلاسيكية