
كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة – العدد 1467
الجزء الثاني والأخير:
يكمل الجنديان المجهولان اللذان تجندا للدفاع عن “القوات اللبنانية” وقائدها وكوادرها من المقاومين الذين إختاروا السجن لأنهم ليسوا أفضل من “الحكيم” كما كانوا يردّدون توصيفاً لخيارهم مقاومة العين للمخرز، يكمل البير يمين وأنطون الهاشم الرواية ويعودان الى ماض زاخر بالوقائع التي تجسد نماذج لبطولات استمرت 11 عاماً، ويصعب الاقتناع حتى اليوم أنها حقبة وانتهت لأن الجلاد ما زال في موقعه والطاغية على عرشه!
المحاميان اللذان شكلا فريق عمل متجانس طيلة سنوات الإضطهاد يستكملان تقليب ملفات تلك الحقبة. يتولى الأستاذ أنطون التشديد على نقطة مركزية برأيه يقول: “كان دور ستريدا كبيراً في تلك الحقبة، نحن لم نكن على معرفة سابقة بها. كنا في قطاع المحامين صحيح، لكن لم نكن من المشاركين في نشاطه، ومجرّد أننا “قوات” ومحامين سجلت أسماؤنا تلقائياً في قطاع المحامين. وعندما وقعت الواقعة وأوقف الحكيم دخلنا زمناً جديداً. ومن خلال تحليلي لعوامل نجاح نضالنا في تلك الفترة أرى أن دور ستريدا كان على قدر كبير من الأهمية لأنها كانت قادرة على جمع كل التناقضات، وكانت تشكّل القاسم المشترك بين الجميع”.
ويكمل استاذ أنطون: “أجهزة المخابرات في زمن الوصاية كانت تحاول ابتزازنا وشرذمة صفوفنا من خلال استدراج البعض الى شهادات متناقضة ومحرّضة للشباب لضربهم في ما بينهم، وقد خبرنا هذا التكتيك المخابراتي خصوصاً في قضية رمزي عيراني، عندما حاولوا إيهام الكل أن القضية لا تعدو تصفية داخلية بين صفوف شباب “القوات”، وكان دورنا هنا أساسياً لكشف الحقائق للشباب وإعادة الثقة في ما بينهم. كان علينا أن نثبت لهم أن اجهزة مخابرات عهد الوصاية تتلاعب بهم. في حين أن أجهزة المخابرات عمليًا تُنشأ لخدمة الناس وكشف الجرائم، لكننا رأيناها في تلك المرحلة تخترع الجرائم وتُفبرك الملفات. لم يكتفوا بقتل القتيل والمشي في جنازته بل ألّفوا ملفات لضرب وتشتيت كل من كان حول شهيدنا رمزي. في هذا الوقت كان لستريدا دور كبير في الكشف للشباب أنهم ليسوا ضد بعضهم، بل هناك فريق ثالث ضدهم جميعاً”.
.jpg)
يتدخل أستاذ ألبير ليؤكد “ستريدا سيدة شجاعة جداً، وذكية جداً. حاولت في الظروف الصعبة أن تجمع ما يحاولون تفريقه لتندثر “القوات اللبنانية”، فحافظت على الحد الأدنى من التماسك”.
يتابع أستاذ أنطون “كان لستريدا إيمان نابع من نظرة مستقبلية مناقضة لكثر كانوا يعتبرون مشككين أن الحكيم لن يخرج من السجن أو أنه لن يبقى بوعيه وعقله الكامل، وكانوا كثراً من حولها وكانت تعرفهم. طلبت منا يوماً أن تلتقي بسجين سابق ومعتقل سياسي لتعرف منه كيف تعامل مع العالم الجديد بعد أن أطلق سراحه. وهكذا حصل، عرفناها الى معتقل في سوريا أمضى 8 سنوات ونصف السنة في السجون السورية، جلست معه وهي تبحث عن الطرق التي يجب أن تتبعها للتعاطي مع الحكيم فور خروجه من الاعتقال وكيف يمكن أن تساعده ليتخطى مرحلة السجن ويتعرّف الى العالم الجديد الذي تغير كثيراً بعد 10 سنوات، كان في تلفون صار في سيلولير، كان في تلفزيون صار في انترنت…! كانت واثقة أنه سيخرج من المعتقل لكن ما يشغلها كان كيف سيخرج من ذاك السجن”؟
مع هذا التكامل في توزيع الأدوار والتناغم في التفكير “الأوركسترالي”، تسألهما بفضول، ألم تحاول أجهزة المخابرات التفريق بينكما أيضاً؟
يرد الإثنان معًا مع ضحكة عالية ويتابع أنطون “حاولوا كثيراً”. ويكملان الضحك بثقة لأن ما يفكر به ألبير يكون يدور في رأس أنطون بالتأكيد!! تجمعهما رفقة العمر ورفقة الدراسة ورفقة القضية ورفقة العمل.
في محاولة لتوصيف هذه الشراكة وهذا التكامل يقول ألبير “ما يربطنا غالباً أنا وأنطون هو الجنون”! ويكمل أنطون “رداً على ما يقال إن تجربة جيلنا النضالية يجب أن يقرأ ويعرف عنها جيل الشباب اليوم، أقول أن من يحمل من الشباب صورة الرئيس الشهيد بشير الجميل أو صورة الدكتور سمير جعجع لأنه يعرف ما يجسدان في جوهر القضية لم يجبره أحد على ذلك بل خرجت تلك الرغبة منه تلقائيًا. وشباب اليوم يعيشون “لوكس” نضالي مع المُكيف والمكتب والسيلولير والترويقة زبدة وحليب وكرواسون، بينما أيام كنا في سنهم مرّت علينا ظروف لم يكن هناك لا غداء ولا عشاء وبدل البيت والمكيف كنا ننام في الملجأ ورائحة العفونة تقتلنا”.
على مدى عشرين عاماً أمضيا معظم أوقاتهما على الطرقات بين بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة والعدلية. ويعود الضحك ليسيطر على أجواء إستعادة أوقات عصيبة من الماضي. ويتابع أنطون “كانت ستريدا تسمينا “فرحة ومرحة” وحتى في المحاكمات والجلسات كنا نتولى الدفاع بهذه الطريقة التكاملية وتوزيع الأدوار”!.
لم يحظ الأستاذان بفرصة زيارة الدكتور جعجع في السجن بشكل متكرّر، يعيد الأستاذ أنطون السبب بذلك الى تردّد مدعي عام التمييز في منح أذونات جديدة بالزيارة خوفاً من أن يلتقي أناساً جدداً، هذا هو العزل، واقتصرت الزيارات على ايلي لحود وروبير حداد وستريدا! وقبلهم كان يسمح للأستاذين سميح بشراوي وجهاد عبدالله وستريدا. يلفت أنطون هنا: “أرادوا من خلال هذا العزل أن يحدّوا من اختلاطه بالعالم الخارجي، لذلك حاولت ستريدا أن تنوّع بين زواره ليرى أناساً جددّاً ويدركوا هم بأم العين أنه ما زال سمير جعجع الذي يعرفونه. أرادت أن يكون هناك محامٍ جديد في كل زيارة مع محامٍ ثابت. ولكنهم بعد زيارتين أو ثلاث منعوا المحاولة وطلبوا تحديد اسمين فقط يزورانه في شكل دائم. وهو كان يهرب من هذا العزل أيضاً بالكتب والمجلات. ففي كل كتاب عالم جديد، وكل خبر في مجلة ولو كانت مجلة فنية حتى، يشكل أداة للتواصل مع العالم الخارجي والإطلاع على الأحداث ولو غير السياسية.
.jpg)
حتى لجنة حقوق الانسان النيابية ومن بين أعضائها النواب نعمة الله أبي نصر وغسان مخيبر والدكتور عاطف مجدلاني، عندما قرّروا زيارة السجون رداً على الحملة التي قادتها “القوات” يومها على أساس أن سجن وزارة الدفاع لا يستوفي لا الشروط القانونية ولا الإنسانية، يومها ضجّت الدنيا أن الحكيم يعاني من ترقق في العظام لأنه لا يرى الشمس. فيما السجانون كانوا يقولون أنه يخرج 3 مرات في الأسبوع للمشي نحو نصف الساعة في ساحة وزارة الدفاع بعد خروج الموظفين منها. في الساحة لم يكن الحكيم قادراً على رؤية سوى العشب الأخضر ونوافذ الوزارة. وقبل ليلة من زيارة اللجنة النيابية صدر قرار بنقل سمير جعجع الى سجن فوق الأرض. حضّروا له زنزانة جديدة ليراها أعضاء اللجنة بدل الزنزانة تحت الأرض. بعد هذا القرار جرّدونا من حججنا أن سجن الوزارة ولو شرّع بالقانون إلا أنه يبقى غير إنساني وغير لائق ولا يتمتع بمواصفات السجن! لذا قلنا لهم، عال هناك مساجين تحت الأرض حتى الآن بينهم جريس الخوري. عليكم أن تنزلوا وتروا ظروف سجنهم تحت، وهذا كان كافياً لنصف سجن سمير جعجع. وهكذا صار نزلوا ورأوا كل شيء بأم العين… ونحن وصلنا حقنا.
بعد أسبوع وخلال إحتفال في اليوم العالمي لحقوق الانسان في الجامعة اليسوعية دعونا النائب نعمة الله أبي نصر ليلقي كلمة ويصف ما رأى، وكان من الجرأة بعكس كثيرين غيره أن وصف كل ما رآه وأخذ معه “مازورة” ووقف يشير للحضور الى مساحة الزنزانة التي لا يتعدى قياسها المتر ونصف المتر. في تلك اللحظة علا التصفيق وأكمل “طلعنا شفناه لسمير جعجع وبعدو جديد خلنج راسو بيشرقط شرقطة أوعا مني ومنكن”! هذا الكلام الصادر من شخصية لا تنتمي لـ”القوات اللبنانية” وعضو في لجنة حقوق الانسان النيابية وقف وشهد أن الحكيم يتمتع في سجنه بوعي أكبر من وعي من في الخارج! فهل من داع بعد لنبرهن ذلك لمن شكّكوا؟ وهل يمكن لأحد منهم أن يواجه ستريدا بعد”؟
.jpg)
دعوى إعادة الاعتبار وتبييض السجل العدلي التي حكي عنها الكثير إبان ترشّح الدكتور جعجع الى رئاسة الجمهورية، تولاها أيضاً أنطون وألبير وعن هذه الواقعة يتذكران “بهذا القلم وبخط يدنا كتبنا طلب تبييض السجل العدلي للدكتور جعجع! كلفتنا ستريدا بذلك، فأخذنا كتاباً من النيابة العامة التمييزية وتوجهنا الى الدائرة المختصة لتقديم الطلب مع الأستاذ إيلي لحود، لم يكن حضورنا ليمرّ طيبًا على قلبهم، وكان شبه تهكّم علينا، لكننا وقفنا وطلبنا منهم تنفيذ القرار وإزالة الإشارة عن سجل الحكيم. إلا أنهم كانوا قادرين على عرقلتنا بطلب أوراق من الصعب الحصول عليها الا بعد وقت مثل اخراج قيد شخصي او غيرها من الوثائق.
وما زالت هذه العرقلة حتى اليوم تمارس في حق الشباب الذين غادروا لبنان هرباً من الاضطهاد، وما زالت مفاتيح القانون التي تكلمنا عنها هي هي تستعمل غب الطلب عند الحاجة لسد أبواب القانون أمامنا وعرقلتنا استنسابياً… نحنا بعدنا عم نتحاكم حتى اليوم لأن سلطة الوصاية خرجت من لبنان إلا أن العمل المبرمج داخل الدولة وفق هندستها ومن خلال رجالاتها هو الذي يتحكّم بأوصال الدولة. 14 آذار تسلّمت الحكم في لبنان بفضل أصوات الشعب في الانتخابات ومع ذلك لم تحكم لهذه الأسباب.
ما زلنا ندفع الأثمان حتى اليوم وعلى المستويات كافة، وعلى رغم كل بشاعة تلك المرحلة إلا أنها كانت أياماً مجيدة بالنسبة لنا، عشنا فيها القهر والخوف وحتى الجوع أحياناً! كنا مراقبين يعدون أنفاسنا، يراقبون خطواتنا ويطلبون من كل من يتعامل معنا أن يتخلى عنا لأننا مشموسين بالـ”قوات”. في الحقيقة كرّسنا كل قدراتنا للقضية، وكانت أولوية بالنسبة لنا حتى على عملنا وعائلاتنا وكل أمورنا الشخصية”، يردف الأستاذ ألبير ليعود ويسرد “كنا ذات صباح في طريقنا الى المكتب فاتصلت بنا السيدة ستريدا وقالت أنها وفيما كانت خارجة من البيت في يسوع الملك وخلفها مرافقها بسيارة أخرى أوقفوها عند الحاجز وطلبوا منها أن تقف على اليمين. تلقائياً توقف مرافقها بالطبع خلفها، فتقدم العسكري وطلب منه أن يكمل طريقه. إلا أن الشاب رفض وقال له ما دامت ستريدا واقفة على الحاجز لا يمكن أن أمشي أنا مرافقها، فصوّب العسكري رشاشه على صدر المرافق وأمره بالسير، وكان رد الشاب “إذا كنت رجّال قوّص”! عندها اعتقلوه وحولوه على المحكمة العسكرية، فاتصلت بنا ستريدا لنتابع قضيته. ونحن بدل ان نكمل الى المكتب استدرنا وعدنا الى المحكمة العسكرية. عندما دخلنا لمواجهته في النظارة بادرناه فوراً بما يمكن أن يخفّف عنه “بتسلّم عليك مدام جعجع وشو عاوز ما تعتل هم نحنا رح نكون حدك بالمحكمة” فرد بكبرياء “سلملي على مدام جعجع وأنا بأحسن حالاتي صرت معوّد على الحبس، خليها هي تتنتبه ع حالها. ما تعتل همّي”. هذه المواقف هي التي كانت تميز شبابنا الذين كانوا أقوياء في السجون لا يلينون بعكس غيرهم ممن اعتقلوا مرّة وبكوا في السجون خوفاً. كان لسان حال شبابنا “الحكيم بالحبس نحنا من شو بدنا نخاف؟ نحنا على الأقل فوق الأرض هو تحت…”، الدكتور جعجع شكل لهم نموذجاً للمواجهة الجريئة وصار كل من يخاف يستحي يخاف، او يتعب او يجوع او يعطش… أحد الرفاق كان يحاكم أمام المحكمة العسكرية سأله القاضي ماذا تعمل؟ قال له: بالقوات. كرر عليه السؤال: هلق شو بتشتغل؟ أعاد الجواب: بالقوات. طلب المدعي العام تشديد العقوبة في حقه. ومع ذلك لم يتراجع وقال للقاضي: أنا بالقوات حكمني متل ما بدّك”.
“القائد التاريخي هو من يخلق حوله قيادات. هذا هو سمير جعجع، وستريدا بدورها أيضاً كانت حريصة على متابعة قضايا كل الشباب واحد واحد. أما نحن فكانت مهمتنا مثلثة الأبعاد، من جهة أولى متابعة مهمة الدفاع. من جهة ثانية متابعة الأهل الذين لم يعتادوا يوماً على التعامل مع هكذا ظروف. ومن الجهة الثالثة كان علينا أن نبقى خارج السجن كي يبقى من يدافع عن المعتقلين… وكنا نفتش مع ذلك عمن نوكله الاهتمام بأمهاتنا لأنهن لا تعرفن الطريقة والطريق للوصول الى السجن”!
(إنتهى)
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.
سجون وساحات ــ المحاميان يمين والهاشم: في قاعة المحكمة كان يصحو المقاوم الذي فينا