.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
كتب الأب ميشال حايك في مجلة “المسيرة” – العدد 1671:
لم نعرف الأسباب التي دفعت، في نهاية عام 1907، الى إعادة الجثمان الى القلاّية التي وُضع فيها بعد إخراجه من القبر. ولقد درس أربعة أطباء مؤهّلين الجثمان سنة 1910 وسنة 1913، وأقرّوا بأنهم لم يفهموا شيئاً من ظاهرة عدم التحلّل هذه. ولقد استمر أحدهم، الطبيب شكرالله، وهو متمرّس لامع، بإجراء الفحوصات ما بين 1909 و1920. لقد كان يقصد عنايا لهذه الغاية مرتين في السنة، وأثناء سفراته الى أوروبا، استشار عدّة أخصائيين. ولم تتوصل مختبرات إيطاليا وفرنسا والنمسا وألمانيا وإنكلترا، الى إعطائه أي تفسير لهذه الظاهرة. وما كان يشغل باله أكثر من ظاهرة عدم التحلّل كانت ظاهرة الارتشاح: إن إجراء عملية حسابية بسيطة تُظهر مدى غرابتها: فحتى لو رشح الجثمان غرامًا واحدًا من السائل يوميًا، لفاق حجمه بكثير، في نهاية هذه الفترة الطويلة، كمية الدم الذي يحتويه جسم إنسان حيّ. وعليه تأتي الحجة حاسمة ودامغة: كما أن الأكثر لا يخرج من الأقلّ، يجب الإقرار بأن هذه الظاهرة هي فائقة الطبيعة. إنه أمر بديهي بالنسبة إليه.
إنما ينبغي الأخذ بالاعتبار ما يمكن للطب أن يزيده اليوم. فبالنسبة الى الطب، هذا السائل ليس دمًا فقط، إنه يحوي أيضًا مواد أخرى، كالماء والغاز والشحم، كما يستطيع الجسم البشري أن يفرز وزنه، أو ما يوازيه تقريبًا، من السوائل بما أن الرماد الناتج عن حرقه يتقلّص الى عشر وزنه فقط. كذلك عدم التحلّل ذاته قد يكون نتيجة بعض التفاعلات الكيميائية الداخلية للجثة، أو المتأثرة بتدخل بعض العوامل الخارجية كالبرد والجفاف وغياب الأوكسيجين، أو عوامل أخرى بكتريولوجية. إنما كل هذا لا يعدو كونه فرضيات لم تتأكد بالبرهان بعد. وفي أي حال، يبقى الأمر مثيرًا للاهتمام عندما يوضع في هذا الإطار ويُربط بالسياق كله. ومع ذلك يبقى الوضع صعبًا على الإنسان العادي، عندما يحاول أن يُصدر حكمًا: هناك أولاً العلم الذي لم يقل كلمته الأخيرة، وهناك، من جهة أخرى، السرّ الذي قد يكون كلمة العلم الأخيرة. ويبقى الإنسان المتموضع بين هذا النسبي وهذا المطلب، والمشارك بالإثنين معًا، حرًا بأن يعتبر أحدهما تكملة للآخر ليستنتج من حالة عدم التحلّل التفسير الأخير الذي يستند الى قداسة الحياة.
إن الطبيب شكرالله نفسه، وقد أصبح مقتنعًا بقداسة الأب شربل، تبرّع بتابوت ليحلّ محل اللوحين القديمين كما كانا يُسمّيان، واللذين سُجّي الجثمان عليهما. ثم نُقل الحبيس الى مصلّى حيث سيبقى في مثواه الجديد حتى 24 تموز 1927.
في الرابع من أيار 1925، بدأ التفكير بتقديم دعوى لتطويبه في روما. وقد ضم إليها طلبان آخران يتعلّقان براهبَين مشهود لقداستهما. الأول هو الأب نعمة الله الحرديني «قديس كفيفان» الذي كان له تأثير على حياة شربل.
الحالة الأخرى هي حالة الأخت رفقا (1832 ـ 1914)، راهبة محصّنة في الرهبنة اللبنانية النسائية. لقد عاشت في الظلمة مدة تسع وعشرين سنة، عمياء والدم ينزف من عينيها، فاستُجيب هكذا للأمنية التي تمنتها، يوم أحد الوردية سنة 1885. لقد أخذها المسيح بحرفية كلامها، فطبع جروحاته في عينيها، لكي لا تستطيع أن ترى أو تحب إلاه وحده، كما شهدت على تفكّك مفاصلها، لدرجة لم يبق فيها شيء سليم. وتوالت العلل في جسمها كما تتوالى محطات درب الصليب. لقد ثبّتت لها موقعًا بين أصدقاء الله القلائل الذين يقبلون أن يمحضوه ثقتهم في حال كهذه من اليأس البشري وأن لا ينزعوا يدهم من يده. رفقا كانت شقيقة أيوب. وكما ضريح الأب شربل، وربما أكثر أيضًا، ما زال ضريحها في حصن مار يوسف الضهر، في أسفل وادٍ رائع من منطقة جبيل، المركز الروحي الأكثر اجتذابًا. وفي هذا الحصن عينه كان يعيش أيضًا منذ فترة حديثة الأب غناطيوس التنوري، النفس الأكثر شفافية في هذا العصر، والملقّب بـ»القديس الحيّ»، والذي أحاط لبنان صورته بأعمق الإجلال (ولد عام 1869). لقد أمضى أكثر من سبعين سنة في الرهبنة التي كان رئيسها العام ما بين 1913 و1929. إنه هو الذي، في 4 أيار 1925، ذهب الى روما ليلتمس من الأب الأعظم، البابا بيوس الحادي عشر، المباشرة بدعاوى هؤلاء المحترمين الثلاثة. لقد كان يعرفهم شخصيًا. إنما من الثلاثة كان الأب شربل هو الذي يعرفه أكثر: كان يتردد عليه في صومعته في عنايا، وهو بعد مجرد أخ، وكان غالبًا ما يعترف عنده.
إثر عودته الى لبنان، شرع الأب تنوري بتحضير الوثائق المتعلّقة بالدعوى. عرض هذه الوثائق على البطريرك الذي كرّس خمسة وثلاثين يومًا لقراءتها ولم يتردد بتعيين لجنة تحقيق كنسية. بدأت هذه اللجنة مهمّتها في الرابع من آذار 1926، بعد أن أدت القسم القانوني في حضرة البطريرك. كما تمّ تعيين لجنة أخرى طبية تتألف من طبيبَين معروفَين جدًا، كلاهما برتبة أستاذ في كلية الطب الفرنسية في بيروت: الطبيب جفروا فرنسي، والطبيب ملكونيان أرمني، وقد فحصا الجثمان وأعدّا تقريرًا بذلك. وكان الطبيب شكرالله قد انتُدب سابقاً من قبل اللجنة الكنسية ليُجري فحصًا طبيًا مفصّلاً. ويشهد تقريره أن قامة الجثمان، من الكتف الى أخمص القدمين، هي 149 سنتيمترًا، ولونه أصفر مائل للاحمرار، وأن الجلد طري على اليدين وعلى الظهر، وناشف على باقي الأجزاء، والشعر لا يزال ملتصقاً كما في جسم حيّ. لقد طاول بعض التشويه العينين والأنف بسبب دلف مياه الشتاء وتجاوزات بعض الزوّار المتطلّبين جدًا في ما يختص بالذخائر، المفاصل ما فتئت تعمل لدرجة أنه كان من الممكن رفع اليد حتى تطال الجبين، كما ستكون عليه الحال لاحقاً سنة 1925، الأظافر بقيت بحال جيدة، وآثار ممارسات التقشف وساعات الركوع الطويلة لا تزال ظاهرة على الرئتين والكليتين، كما أن السائل الغامض المحيّر وغير المفسّر ما فتئ يرشح.
وفي هذه السنة نفسها 1926، أُجري تشريح على جمجمة الأب شربل مما سمح باستئصال جزء من الدماغ أُرسل الى ألمانيا لإجراء فحص مخبري عليه. ومن خلف مآزرهم البيضاء وآلاتهم العلمية، أقرّ الكيميائيون الألمان بأنهم لا يفقهون شيئاً من ظاهرة حفظ الدماغ الغامضة هذه.
الرابع والعشرون من تموز 1927 كان يومًا مشهودًا في الدير. كثيرون جدًا أتوا من أماكن بعيدة جدًا، وذلك من أجل وداع الأب شربل الذي قرّرت اللجنة الكنسية أن تنقله الى مدفن جديد. لقد وُضع نعشه في كنيسة الدير، بحضور ممثلين للعديد من السلطات الدينية والمدنية. وقد تمّ إجراء فحص جديد بسريّة تامة، كما سُجّلت شهادات جديدة تمّ التوقيع عليها، وختمها، ووضعها داخل أسطوانة معدنية. وبعد رتبة دفن الموتى عن أرواح كل متوفّي الرهبنة، جاء وقت إعادة هذا الوجه المحبوب من الله ومن اللبنانيين الى ظلمة القبر. فسُجّي الأب شربل، مكتسيًا ثيابه الكهنوتية في تابوت من خشب خُتم بختم اللجنة. ثم رُفع على قاعدتين من حجر داخل سرداب، على شمال باب مدخل الدير. وعلى بلاطة من الرخام، كان يمكن من الخارج قراءة هذه الكتابة: «ضريح الأب شربل من بقاع كفرا، الحبيس».
في الثاني والعشرين من تشرين الأول، كان الأب تنوري في حضرة قداسة البابا من جديد، ليقدم له الوثائق المتعلّقة بتطويب خدام الله الثلاثة. ولقد استقبله البابا بعطف حقيقي ووجّهه نحو المجمع المقدس للطقوس. هذا التاريخ، لنكرّر ذلك، هو مفصلي في تاريخ الكنيسة الشرقية، منذ المرسوم البابوي الشهير Audivimus (1170) الذي نزع فيه البابا ألكسندر الثالث صلاحية إعلان التطويب من الأساقفة المحليين لحصره بالكرسي الرسولي. وعليه، وخلال ثمانية قرون، لم يقدم أي أسقف شرقي دعوى تطويب الى روما، وهذا يعني أنه لم يرتفع على المذابح أي قديس شرقي، كما لم يكن ممكناً تكريم أي إسم رسميًا.
وإذا لم يُجدّد الأب شربل شيئاً في طرائق الكنيسة الشرقية، فحالته هي تجديد بحدّ ذاتها. لقد كان مجدّدًا، أو بالأحرى مندوبًا عن هذه السلالة من الحبساء، المسجّين في كفن صمتهم في أرض لبنان، والذين فوّضوا إليه بدون خجل ليكون صوتهم أمام نائب يسوع المسيح.
إذا أعلنت روما قداسته، فسيكون للطابع المميّز لحالته تداعيات عميقة، ليس على الكاثوليكية في المشرق فحسب، بل أيضًا عبر «الكنائس المنفصلة» الأخرى، وفي العالم الإسلامي نفسه. كما أن شفاعته في السماء غير منحازة والكلّ حول ضريحه يستفيد منها من دون تمييز بين المذاهب، مما سمح بالاعتقاد أن تقديسًا محتملاً سيكون علامة تقارب في فسيفساء الديانات التي تشكّلها هذه البقعة من العالم. أما في هذا البلد، فإنه تتموضع حقاً على مستوى كاثوليكي. فلبنان بالحقيقة، بالرغم من أنه مثل صخرة معلّقة على شاطئ آسيا الغربية، ومستعدة دومًا أمام المخاطر أن تنسلخ لتغطس في البحر وتلجأ الى مكان آخر، يستمر يشكّل بموقعه ميناء توقّف للمسيحية الرسولية. كثيرون تكلموا عن أهميته السياسية فوصفوه كأرض تفاهم بين الغرب والشرق، وعلى الصعيد الديني، تأخذ هذه الأهمية أحجامًا أوسع أيضًا، إذ إنه ربما كان المكان الوحيد في العالم حيث الكنيسة والإسلام يتعايشان بسلام، وحيث لم يعد الإيمان والانشقاق يتحاربان.
إن مسؤوليات الكنيسة تجاه المسيحيين الذين يقيمون فيه عظيمة، وهي على قدر المسؤوليات التي يتحمّلها هؤلاء المسيحيون تجاه المسيحيين المشرقيين المنفصلين وتجاه الإسلام نفسه.
إن إعلان هذه القداسة سوف يكون له مغزى، خصوصًا بالنسبة الى الجماعات المسيحية المنفصلة، لأنها ستقدم البرهان على أن الكنيسة الكاثوليكية ليست في النهاية منغلقة في أطر الروحانية اللاتينية والحضارة الغربية. كما تُشيد في الوقت عينه بأمانة جماعة بقيت، خلال الاختلافات والانشقاقات التي تختزل التاريخ الديني في الشرق، متعلّقة بالإيمان الرسولي، فكأنه أول إعلان قداسة رسمي للأمانة للكرسي الرسولي.
لم يحصل شيء في الواقع، فالدعوى، وإن لم تتوقف، سارت ببطء السلحفاة، بما أن أحدًا لم يتابعها. وما كان يُثقل على الأب شربل، أكثر من حيطان السرداب، وخشب التابوت، والزنك الذي كان يغطيه، هما النسيان والإهمال، السمتان الشرقيتان اللتان عانت منهما أوراقه في المجمع المقدس للطقوس. بالطبع، استمرت الزيارات الى ضريحه، إنما تكريمه لم يكن ممكناً إلا في حميمية القلب، كذلك لم يكن ممكناً اللجوء إليه إلا بمخزون من المطالب التي تقتصر على الخيرات الزائلة.
استُبدل التابوت بآخر جديد وُضع في المكان نفسه من السرداب الذي دُعّمت حجارته وتمّ ختمها.
بعد مرور عامين، يوم الخميس في السابع من آب 1952، انتُدبت لجان أخرى أخرجت بسريّة تامة هذه المرة الجثمان مجددًا. لقد كانت الثياب الكهنوتية والجبّة قد تآكلت هذه المرة، بينما كان الجثمان مبلّلاً بنفس السائل الدامي. ومرة أخرى، وأمام عجزها في الإفادة من ذكائها، أعلنت اللجنة الطبية عن استحالة إعطاء أي تفسير، ولكنها سجّلت الوقائع الملموسة التالية: الجثمان هو لرجل نحيل بشكل مفرط وكأنه مات تبعًا لحرمان طويل من التغذية، اللحم يلتصق بشكل سيئ بالعظام لدرجة كان يمكن فركه بين الأصابع، الجلد كله ليّن، إنما لونه أسود.
وبإذن من الكرسي الرسولي، وبحضور جمهور جاء من مختلف نواحي الشرق الأدنى والأوسط، ومن بلدان أكثر بعدًا، عُرض جثمان «أبونا شربل» داخل الدير. وقبل أن يُعاد الى العتمة الجديدة المحبّبة إليه في مثواه، الذي أصبح أكثر فخامة هذه المرة بسبب أعمال الترميم، عُرض الجثمان طوال ثلاثة أسابيع أمام أنظار الجميع. فكل الذين كانوا يرونه بعيون الإيمان، أصبح بإمكانهم أن يروه بعيونهم الجسدية، وأن ينحنوا أمام هذا الهيكل الذي يسكنه «روح الصحراء».
ومنذ مدة قريبة، في التاسع عشر من كانون الثاني 1961، أثناء احتفالات مجمع الكرادلة الذي عقده قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرون، فُتحت دعوى تطويب الأب شربل. لقد تصاعدت من كل الجهات أمنيات المؤمنين أن تصل الدعوى الى خوتيمها أثناء المجمع المسكوني، فيشهد حبيس عنايا علانية، وقد رُفع أخيرًا على المذابح، على أولوية الصمت والحب، في عصر الضوضاء والحديد هذا.
*فصل من كتاب
طريق الصحراء
الأب شربل 1828 ـ 1898
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]