
كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1692
في تاريخ السينما العالمية فيلمان رائعان يرويان قصة رهبان من الرهبنة اليسوعية. فيلم (The mission -1986) يروي قصة الأبوين غبريال ورودريغو في مجاهل غابات أميركا الجنوبية اللذين ينتهيان شهيدين عن شعب كان غريبًا عنهما، ولكنهما أتحدا معه بالمحبة والخلاص. أما فيلم Silence فيروي قصة راهبين غامرا في الذهاب الى اليابان بحثاً عن آثار راهب يسوعي ثالث إختفت أخباره هناك، وقد تحمّلا ما لا يُحتمل في سبيل إيمانهما مع ما تبقى من مسيحيين هناك في ظل الصمت المدوي والحقيقة الموجعة.
The Mission: إيمان وتوبة حتى الإستشهاد
فيلم The Mission يشير لقصة حقيقية في تاريخ أميركا الجنوبية حيث عاش الهنود أثناء مجيء الإستعمار الإسباني والبرتغالي. أحد المناطق المتنازع عليها بين الدولتين تعيش فيها قبيلة «الغوراني» وهم وثنيون بدائيون شبه عرايا يعيشون على الصيد وبجوارهم بعثة تبشيرية أرسلت بتكليف من كنيسة روما. الهنود يقتلون من يقترب منهم فكل البيض مستعمرون غزاة إلا أن القس غبريال (جيريمي أيرونز) المنتمي للرهبنة اليسوعية يقترب منهم مخاطرًا بحياته ليحوز على ثقتهم تدريجيًا ويبدأ بالتبشير بينهم.
يصطدم غبريال بالإستعمار متمثلًا برودريغو ميندوزا (روبرت دي نيرو) تاجر الرقيق المرتزق الطامع في إستعباد الهنود أو قتل من يرفض أن يكون عبدًا. نتيجة لتعلقه وأخيه بامرأة يقتل ميندوزا أخاه غاضبًا. نتيجة ذلك، يغمره شعور بالندم على فعلته للمرة الأولى وهو الذي كان يقتل الهنود بدم بارد! يذهب ميندوزا للدير معتزلًا الحياة ومحمّلًا بشعور ثقيل بالذنب ويلتقيه غبريال مجددًا ويحضه على التكفير عن ذنوبه فينضم ميندوزا لبعثة غبريال التبشيرية. يقابل الهنود غبريال وبعثته بحميمية ويتعاملون بحدة مع ميندوزا الذي قتل واستعبد منهم، فيقترب أحد الهنود حاملًا سكينًا من ميندوزا المستسلم فلا يقتله فيبكي ميندوزا لشعوره بالذنب على قتلهم من قبل وسط ضحكات «الغوارني» وابتسامة غبريال ليبدأ رحلة تطهيره فينضم لليسوعيين كقس ويشارك في بناء المعابد ويساعدهم في الزراعة ويندمج مع الهنود فيصبح محبوبهم بعد أن كان عدوهم.
يبدأ ممثلو البرتغال وإسبانيا بالتنازع حول منطقة «الغوراني»، وﻷن وجود اليسوعيين مشكلة فإنهم يستدعون مبعوثًا من كنيسة روما ليخضعهم لسلطته ويحاول غبريال إقناعه بإنجازاتهم فيريه مجتمع القبيلة بعد إشرافهم عليه فيرى البدائيين وقد صاروا يرتدون الملابس وصار أحدهم قسًا وباتوا يعملون بالزراعة والصناعة، لكن ممثلي إسبانيا والبرتغال يبقون منزعجين، فالهنود في نظرهم «حيوانات» لاختلافهم العرقي وإن كانوا على دينهم، فيجب إخضاعهم للسوط ليعملوا خدمًا للبيض وليس من حق اليسوعيين الإعتراض ﻷن هذه أمور تخص الدولة لا الدين، بالإضافة لإبداء مبعوث البابا إمتعاضًا من تفسيرات اليسوعيين الدينية «المتطرفة» التي تجعل «الغوراني» يمتلكون أرضهم المزروعة بدلًا من زراعتها لصالح البيض!
يخبر مبعوث البابا الهنود بضرورة تركهم للأرض فيرفضون ﻷنها أرضهم فيأمر غبريال بالرحيل فيصرّ على البقاء مع «الغوراني»، فيهدده المبعوث بفصل اليسوعيين عن الكنيسة واعتبارهم «خوارج» ومهرطقين ليس في أميركا الجنوبية فقط بل في أوروبا كلها.
يحتدم النقاش بين غبريال وميندوزا بسبب رغبة القساوسة بالتسلح. فغبريال يرى أنه إذا كانت القوة حقاً فلا مكان للمحبة في العالم ولن يساعد باقي القساوسة على الموت ملطخين بالدماء. ميندوزا يرى أنهم اتخذوا موقفًا أخلاقيًا بالبقاء مع الهنود فعليهم الدفاع عنهم لا تخييب آمالهم. الفطرة البشرية تميل للإنتصار للعدل بطبيعتها ودفع الظلم.
يجمع القساوسة الأسلحة مع الهنود رغم الفارق في التسليح لكنهم لن يستسلموا وتبدأ المعركة ويحققون انتصارًا صغيرًا سرعان ما ينتهي لفارق التسليح وبينما يقود غبريال بعض الهنود للصلاة يلتف حولهم الجنود البرتغاليون ويحرقون المعابد ويقتلونهم بالبنادق والمدافع. يحاول ميندوزا إنقاذ الهنود وقتل الغزاة فيصاب بطلقات قاتلة ليسقط ويلفظ أنفاسه الأخيرة ناظرًا لغبريال الذي يقتلونه أيضًا رغم خروجه سلميًا حاملًا الشعارات الدينية.
لقد أبيد كل من وجد بتلك المنطقة مما يدفع مبعوث البابا لسؤال ممثلي الدولتين هل كانت تلك المذبحة ضرورية؟ فيرد أحدهما «العالم يسير هكذا»! يرد المبعوث «بل هكذا جعلنا العالم»، وينتهي الفيلم بمجموعة من أطفال «الغوراني» يلتقطون بعض المصنوعات المتبقية من القرية المدمرة من المياه ليأخذوها في قاربهم ويبحرون بعيدًا ﻷن القصة لم تنتهِ بعد، فهناك جيل آخر سيكملها.
الفيلم عن قصة روبرت بولت أخرجه رولاند جوفيه ومن بطولة روبيرت دونيرو وجيريمي إيرونز وراي ماكانالي وليام نيسون، وقد حاز على العديد من الجوائز بينها جائزة أوسكار 1987 كأفضل تصوير سينمائي.
(إنتهى)
رهبان السينما اليسوعيون: إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
