


كتبت “المسيرة” – العدد 1700
من كتاب «آل إده في التاريخ» للأب إميل إده
لاحظ إدمون رباط أن «إختيار رئيس الموارنة الديني كان كافيًا للدلالة على الطابع المسيحي للوجهة السياسية التي ستسم لبنان الكبير في روحه وميوله». لكن البطريرك حرص على مشاركة الطوائف الأخرى، كالسنّة مثلاً في العمل التوحيدي للمقاطعات التي سُلخت من لبنان بعيدًا عن تأثير الدعاية الفيصلية ـ السورية.
وكان الرئيس الأميركي خلال المؤتمر يدعو الى تطبيق مبدأ حق تقرير المصير للشعوب وقيام عصبة الأمم. وقد أصرّ على إرسال لجنة «كينغ كراين» الى الشرق الأوسط وقيامها باستطلاع الرأي. وصلت هذه اللجنة الى يافا في 10 حزيران 1919، ثم انتقلت الى بيروت وبعدها الى دمشق. وقد لاحظت ما يعرفه كل إنسان وهو إختلاف عميق في الآراء. بيد أن اللبنانيين عمومًا أظهروا ميلاً للإنتداب الفرنسي وطالبوا بلبنان الكبير وأن يكون مستقلاً إستقلالاً تامًا عن سوريا.
وصل الوفد اللبناني الثاني الى باريس في 22 آب 1919 بعد أن قضى شهرًا في روما. بعد لقاءات واجتماعات ومشاورات عديدة، إستحصل البطريرك من رئيس الوزارة الفرنسية كليمنصو على وعد شرف باستقلال لبنان بحدوده الطبيعية في ظل الإنتداب الفرنسي.
هذا الوفد الثاني المؤلف بأغلبيته من رجال الإكليروس رجع الى بيروت في 23 كانون الأول 1919 واستُقبل رئيسه البطريرك الماروني حيث كان يمر، إستقبال الفاتحين العظام.
لكن، بعد مدة وجيزة وصلت إستعلامات الى غبطته حول «حرتقات» ضد إستقلال لبنان. وأعلن الأمير فيصل متبجحًا: «لن يكون لبنان كبيرًا ولا مستقلاً. أقصى ما سوف ينعم به هو إستقلال ذاتي ضمن سوريا».
هذه التعقيدات الجديدة كانت حافزًا لإرسال وفد ثالث الى مؤتمر الصلح في باريس برئاسة المطران عبدالله خوري النائب البطريركي وعضوية إميل إده والشيخ يوسف الجميل والأمير توفيق إرسلان وألفرد موسى سرسق وكامل الأسعد. سافروا الى باريس في 2 شباط 1920، لكن الأستاذ ألفرد إعتذر عن إكمال مهمته لأسباب شخصية.
رفع إميل إده مضبطة الى مجلس إدارة جبل لبنان طلب بنتيجتها تفويض هذا الوفد إكمال المساعي التي بدأها الوفدان الأول والثاني وملاحقة الوعد الذي قطعه كليمنصو للبطريرك حويك، على أن يتضمن التفويض المطالبة بالسيادة الوطنية التامة والإستقلال السياسي الكامل وعدم الإكتفاء بحكم ذاتي إداري وقضائي.
غادر الوفد بيروت بحرًا الى مرسيليا بعد مقابلته الجنرال غورو الذي زوّده بتوصيات خطية لكل من «ديشانال» رئيس الجمهورية وموريس باراس رئيس الوزارة. كما أخذ الوفد توصية من البطريرك الى المسيو كمبيون والى الكاردينال ديبوا.
كتب كمال الصليبي: «هذا الوفد الأخير تألف من ثلاثة أعضاء مسيحيين، واحد مسلم، وواحد درزي. وإميل إده كان العضو المسيحي الأهم». إن تأثير هذا الفريق كان إيجابيًا وفعّالاً في الأوساط السياسية الفرنسية نظرًا لصداقة عضو الوفد إميل إده مع واحد من النواب البارزين المسيو لوناييل (Lenail) نائب مدينة ليون الذي كان أشبه بالملاك الحارس حيال الوفد اللبناني، على حد قول المطران عبدالله خوري في مذكراته.
في خطاب ألقاه النائب المذكور في مجلس النواب الفرنسي في 26 آذار 1920، إنتقد بعنف سياسة الأمير فيصل وذكّر بكل التضحيات التي صنعها اللبنانيون وبأمانتهم نحو فرنسا. وبعد مداخلته في المجلس النيابي بمدة وجيزة طُلب إليه طمأنة الوفد اللبناني بأن فرنسا تحافظ على ميثاق الشرف محققة الوعود التي قطعتها مع المسيحيين اللبنانيين.
وكان، قبل ذلك بأيام قليلة، في 8 آذار أعلن الأمير نفسه «ملك سوريا، من ضمنها لبنان وفلسطين»، وأُبلغ هذا القرار الى الدول الأوروبية، بيد أن فرنسا وإنكلترا رفضتا القبول بشرعيته.
من الواضح أن موقف الأمير فيصل وحكومة دمشق أتى لصالح الوفد اللبناني الذي أفاد كذلك من ظروف أخرى، منها:
1-إن وجوده في باريس كان مهمًا، عندما، تحت تأثير مؤتمر دمشق، إجتمع الحلفاء في سان ريمو (إيطاليا)، 19 آذار 1920، وقرروا أن يضعوا لبنان وسوريا تحت الإنتداب الفرنسي، العراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الإنتداب البريطاني. في هذا الشهر سافر المطران كيرلس مغبغب الى باريس لينضم الى الوفد.
2-لما كبّد جيش الأمير فيصل القوات الفرنسية بعض الخسائر في حزيران وتموز 1920 الى أن إنتصر عليه نهائيًا الجنرال غورو في ميسلون، 24 تموز 1920، كان الوفد اللبناني الثالث حاضرًا في باريس واستطاع أن يدعم، بحنكة ولباقة، عن كثب وقرب، مطالب كانت الأحداث تبيّن حقيقتها ومصداقيتها.
3-سقط كليمنصو في انتخابات كانون الثاني 1920، فاستلم المحامي ألكسندر ميلرران (Alexandre Millerand) منصب رئيس الوزارة ووزير الخارجية في آن. وكان هذا أكثر تجاوبًا مع الوفد اللبناني من حكومة كليمنصو.
بعد مفاوضات طويلة بين وفد لبنان والوفد الفرنسي، أصدر رئيس الوزارة الفرنسية الجديد قرارًا بتاريخ 24 آب 1920، يقول في إحدى فقراته: «لقد رأت بلادكم أن المطالب التي ذكرتموني بها بخصوص ضم البقاع قد تحققت بعد أيام قليلة من تلك الإجراءات الشديدة التي ألجأتنا أعمال الحكومة الشريفية (حكومة الأمير فيصل في دمشق) الى اتخاذها. فإن الجنرال غورو، طبقاً لنيات حكومة الجمهورية ووفقاً لتعليماتها التي لم تتغيّر، قد أعلن في مدينة زحلة أنه ضم الى لبنان جميع البلاد الواصلة الى قمم جبل الشيخ وحرمون. على أن ما أرادته فرنسا، إذا عادت الى وطنكم حدوده الطبيعية، إنما هو لبنان الكبير: يجب أن يحتوي على سهول عكار في الشمال، وأن يمتد الى حدود فلسطين في الجنوب، وأن ترتبط به مدينتا طرابلس وبيروت إرتباطاً تامًا على شرط أن يكون لهما إستقلال بلدي واسع مع مراعاة الفرق الاقتصادي بين المدن والجبل»…
وفي 3 آب 1920 أعلن الجنرال غورو ضم أقضية البقاع الأربعة: حاصبيا وراشيا وبعلبك والمعلّقة الى «لبنان الكبير»، إستنادًا الى القرار رقم 299. وفي اليوم التالي بعث رسالة الى المطران عبدالله خوري مبشرًا بالنبأ السار قائلاً له: «أعتقد أنكم لن تتأخروا بالعودة. الى لبنان الكبير تعودون». من مخطوطة المطران خوري نعرف أن إثنين من أعضاء الوفد، يوسف الجميل وتوفيق إرسلان كانا على خلاف مع سائر الأعضاء بسبب رفضهما إلحاق بيروت بلبنان الكبير. لكن، لما أعلنت بيروت عاصمة لبنان الكبير خضعا للأمر الواقع. وفي 31 آب تقرر إستقلال لبنان، وعاصمته بيروت التي كانت ولاية في عهد العثمانيين.
أخيرًا، حقق هذا الوفد هدفه، بعد سبعة أشهر من اللقاءات والزيارات والمطالب والمفاوضات. ورجع أعضاؤه الى بيروت بقلب مفعم بالطمأنينة والأمل.
في أول أيلول عام 1920، وفي يوم مشهود في بيروت، وقد تدفقت الألوف الى حرش البارك، وقف الجنرال غورو، يحيط به رؤساء الطوائف، البطريرك الياس الحويك عن يمينه، والمفتي مصطفى نجا عن شماله، أعلن لبنان الكبير: «على سفوح هذه الجبال الجبارة التي أوجدت روح القوة في بلادكم، وعلى شاطئ البحر التاريخي الذي رأى مراكب فينيقيا واليونان ورومة، والذي حمل الى العالم آباءكم، بعقولهم النيّرة. وعلى مرأى ومسمع من كل هؤلاء شهود آمالكم وجهادكم وانتصاركم، أعلن لبنان الكبير، وباسم حكومة الجمهورية الفرنسية أحييه في عظمته، وفي قوته، من النهر الكبير الى أبواب فلسطين الى قمم لبنان الشرقي».
(انتهى)
إقرأ أيضاً: إميل إده ودولة لبنان الكبير – 2
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]