#dfp #adsense

ايلي ضو: بقي في كفرشيما ولو تحت التراب

 

23 كانون الأول 1990
ايلي ضو: بقي في كفرشيما ولو تحت التراب

“ايلي، فل شوي من المنطقة لنعرف شو رح يصير. المنطقة هلق بفراغ امني كبير وما حدا قادر يحمي حدا، وانت بتعرف انو كل الأحزاب فاتت بعد 13 تشرين على هالمنطقة واختلط الحابل بالنابل”. فهم ايلي ضو هذه الكلمات جيداً عندما سمعها من صديقه المسؤول العسكري، خصوصاً انه لمس معانيها على ارض الواقع جراء ما تعرض له شخصيا من تهديدات وما تعرض له المواطنون المدنيون والحزبيون من تعديات وسرقات وتهديدات.

ولكن إن خرجت انا فمن سيبقى؟ فكر ايلي. وهل اترك الشباب والأطفال والنساء، وأخُر هارباً كجبان صعلوك. وهل اتخلى اليوم عن تاريخ طويل من النضال كنت فيه مثالاً للتضحية والبطولة؟

هز ايلي رأسه مرات عديدة وهو يفكر، رافضاً فكرة المغادرة بالمطلق، وعاد الى متابعة تحضيره للعيد وتفكيره بوسائل بقاء ابناء كفرشيما مرفوعي الرأس. فالزمن زمن ميلاد والطريق طريق جلجلة.

لم يرد لرفاقه وأبناء بلدته ان يتغلب عليهم الشعور بالخطر فكانت الإِبتسامة – رفيقته الدائمة – عامل طمأنينة لمن هم حوله خصوصاً ان رفاقه في المنطقة يرون فيه اباً ومثالاً اعلى بسبب ما يتمتع به من مزايا بطولية وخصال اخلاقية.

وفي الجو المفعم بالقلق اصر ايلي على التحضير لجعل عيد الميلاد عيداً بمعانيه الحقيقية، فبدأ مع رفاقه بالتحضير لإقامة حفل يعيد البهجة للأطفال، كما شرع بتحضيرالهدايا التي تزيد فرحتهم، ولم ينس المسنين ففكر بخصهم بمفاجأة معينة في يوم العيد، كما عزم على ارتداء لباس بابا نويل بنفسه تعبيراً عن حبه للعطاء.

في ليل 23 كانون الأول 1990 كانت لينا زوجة ايلي الحامل في شهرها الرابع، قد انتهت تقريباً من تحضير طعام العشاء عندما وصل زوجها الى البيت ودخل للفور الى المطبخ ليساعدها في اعداد التبولة.
وما هي الا دقائق حتى سمع طرقاً قوياً على الباب، فاتجه اليه وفتحه فوجد امامه مسلحين بثياب مدنية، لم يلبث ان دعاهما للدخول، اما لأنه تعرف عليهما او على احدهما، واما لأنه اراد الإستفسار عن سبب زيارتهما المتأخرة خصوصاً انهما لم يتخذا مبادرة تدل على نيتهما بداية، معتبراً ان استفزازهما لن يفيده في مطلق الأحوال، وان دعوتهما للدخول قد يكسبه وقتاً اضافياً يستشف فيه نواياهما.

لكن القاتلين اللذين ربما لم تبن نواياهما فوراً بسبب عجزهم عن اطلاق الرصاص على ايلي وهو ينظر في اعينهما، تحينا فرصة ادارة ظهره فيما كان يدعوهم الى الدخول ليطلقا نار رشاشيهما عليه غدراً فاستشهد على الفور، ومن ثم سارعا بالدخول الى المطبخ القريب من مكان وقوع ايلي حيث زوجته فعاجلاها بسبع رصاصات اصابت الرقبة والكتف والبطن، وغادرا المنزل.

في هذه اللحظة بالذات خرجت ام لينا التي تسكن معهما من غرفتها فهالها المشهد وبدأت بالصراخ والنحيب. واستيقظ بشير ابن ايلي البكر فوجد اباه نائما على سرير من الدم وامه بين الحياة والموت كالغريق الذي يبحث عن طوق نجاة. اما ابنه الآخر انيس الذي كان قد بلغ حينذاك السنة الرابعة من عمره فظل لدقائق مصدوما في الغرفة من هول ما سمع، قبل وصول الجيران وأخذه مع اخيه خارج المنزل للتخفيف من آثار الصدمة.

في المستشفى اجريت عدة جراحات عاجلة للينا انقذتها بأعجوبة مع جنينها من الموت. وقد اكد الطبيب الشرعي ان ايلي توفي على الفور وان الرصاصات التي اصابته لم تترك له فرصة للنجاة.

بعد خمسة اشهر من الحزن والألم ولد ايلي من جديد. فقد انجبت لينا مولودها الذي كان شاهداً على مأساة الدنيا وقسوتها، فأعانها ايلي الطفل على تحمل آلام فقدان ايلي الزوج وجعلتها مسؤولية الأطفال الثلاثة هذه تتعملق على الجرح لتتطلع الى مستقبلهم، فعملت بكد وجهد على تربية اولادها الثلاثة على مثال ابيهم الصالح ليبلغوا اعلى المراتب آخذة في عين الإعتبار الا يجد الإنتقام الى قلوبهم سبيلاً.

رحل ايلي عن هذه الدنيا وتركنا نسأل، اي سلام هذا الذي يعقد بين الجلاد والضحية؟ واي سلم هذا الذي لا يقوم الا على اسكات الصوت الحر وقتل الأحرار…

 

خبر عاجل