
24 كانون الأول 1991
سليمان عقيقي: الشهيد الثالث
انه الشهيد الثالث الذي يأفل نجم حياته زمن الميلاد في حقبة السلم السوري. لكأن من امر بقتل رجالنا لم يرد للبنان ميلادا جديدا يكون فيه السلام هو العيد. هم ارادوا ان نمشي درب الجلجلة، ان نصلب ونموت في صمت وسكوت وان يقف الزمن حينئذ. ونحن قلنا لهم لا تنسوا ان هناك قيامة واليوم الثالث آت…
انه الرابع والعشرون من كانون الأول1991. كفرذبيان مسورة بالثلج والليلة ليلة الميلاد، وسليمان يتطلع الى قضاء اول ليلة ميلاد كاملة في المنزل من دون ان تشغله تطورات تحدث على الجبهة او مع شبابه ورفاقه القواتيين في جرد كسروان. فالحرب وضعت اوزارها وآن للمحارب ان يرتاح، وهو الذي برز مقاتلا شجاعاً متفانياً في الدفاع عن قضيته، كما برز مفكراً مخططاً قيادياً ابتداء من العام 1984 عندما اسس مدرسة خاصة للتدرب على وسائل القتال على الثلج.
طفلاه رودي (اربع سنوات) ورالف (سنتان) ينتظران هدايا العيد باكراً قبل منتصف الليل، فبابا نويل ينحدر من موطنه في الجبال حيث الثلوج، ولا شك ان كفرذبيان من محطاته الأولى. لذلك وضع سليمان في سلم اولوياته ان يجلب هدايا العيد ويعود باكراً الى المنزل ليشاهد فرحة طفليه بها.
انهى بعضا من اعماله في عيون السيمان سريعاً ثم عرج عصراً في طريق عودته الى صالون الحلاقة في كفرذبيان ومن ثم اقفل عائداً الى المنزل ومعه الهدايا. قبل وصوله الى المنزل بقليل، فاجأه مسلحان بإطلاق نار غزير من رشاشين حربيين فمزقت 18 رصاصة حاقدة جسده، واخترقت احدى الرصاصات العمياء وجههه ليطمئن القتلة على عدم حصول معجزة تنقذ حياة سليمان. حتى الحذاء الذي جلبه لإبنه رودي لم يسلم من الشر فمزقته رصاصات الغدر.
الفارق الوحيد في قضية استشهاد سليمان عن الشهيدين اللذين سبقاه هو ان قاتلي سليمان اعتقلا من قبل سلطات ذلك الزمن الأرعن، لكن الحكم الذي صدر عليهما قتل سليمان مرة اخرى وزاد فوق قهر اهل ومحبي سليمان قهراً.
فالقاتلان اللذان اعادا سبب جريمتهما الى تحميلهما لسليمان وزر اشكال امني من سخرية القدر انه كان غائباً عن مسرحه، وقع في العام 1986 بين افراد من آل زغيب وبين مجموعة من القوات اللبنانية اصيب فيه فرد من عائلة زغيب بجروح غير قاتلة، لم يدخلا السجن الا لسنتين ونيف.
وكان اب القاتلين على علاقة جيدة مع سليمان، وقد دعاه قبل ايام من استشهاده الى غداء تمنى فيه عليه ان تحل ذيول ذلك الإشكال نهائياً تمهيداً لعودة ابنيه الى المنطقة بشكل علني ودائم بعد ان كانا قد غادرا المنطقة ابان حرب الإلغاء الى المنطقة التي كان يسيطر عليها حينها النائب ميشال عون. وكان جواب سليمان:”شو عم بتقول يا عم، ما الأرض النا والكن وبتساع الكل”.
لكن الظاهر ان حسابات حقل الأب لم تطابق حسابات بيدر الإبنين اللذين كما يبدو من الحكم الصوري الصادر بحقهما ارتكبا جريمتهما من موقع قوة وكأن هناك من حرضهما على ذلك مع وعد بالنجاة من القصاص.
وكانت المحكمة كما نشرت جريدة النهار بتاريخ 26 شباط 1994 قد قضت بعدم تجريم المتهم حنا صليبا زغيب بالمادة 549 من قانون العقوبات (القتل عمداً) واعتبرت ان الجريمة من نوع القتل قصداً سنداً الى احكام المادة 547 من قانون العقوبات وبالتالي حكمت عليه بالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة وانزلتها تخفيفاً سنداً الى المادتين 251 و252 من قانون العقوبات، فاكتفت بالمدة التي امضاها في السجن، وامرت بإطلاقه فوراً ان لم يكن موقوفاً بدافع آخر.
والمؤسف في قرار المحكمة انها اعتبرت ان حنا صليبا زغيب كان مستفزاً عندما اطلق النار على سليمان عقيقي، وان الياس صليبا زغيب بريء من جناية التدخل في الجريمة وانه لم يكن مع اخيه في يوم الجريمة. وحده رئيس المحكمة القاضي الياس عبد الله خالف هذا الحكم وبين سبب المخالفة في 12 صفحة، فيما صدر الحكم بالأكثرية، اي بصوتي القاضي فريد عطالله والمستشار القاضي عوني رمضان.
وبقي السؤال بعد انتهاء محاكمة قاتلي سليمان عقيقي: “أحكمت محكمة ذلك الزمان عليه ام حاكمت قاتليه”؟