#adsense

إن ننسَ فلن ننسى:  إذا صرلي شي بتتركوني بأرضي… وكمش إيدي التراب!

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1526

“بحب إحكي كتير عن إيدي وبدّي تكتبو عنو أحسن ما يكون لأن بيستاهل، إيدي بطل”.

وكيف يُكتب عن بطل ما يستحقه بالفعل إذا كانت البطولة بحجم الاستشهاد يا “أم جوزف”؟! نقول يا رب العون ونكتب من جديد سيرة من سيرة شهيد اسمه هذه المرّة إيدي الأسمر.

حاولت مراراً وتكراراً أن تقفل الابواب لتمنعه من التسلل ليلاً للالتحاق بالشباب، ولم تفلح “كنت بس سكّر باب يهرب من الشباك أو ينطّ عن البلكون” تقول السيدة وداد، أم الشهيد كما تحب أن تُنادى. خمسة اخوة في البيت المناضل، ثلاثة شبان وصبيتين وكلهم مسكونين بتلك الريح التي تنده على ناسها كالأشجار وتضعهم في مهب العاصفة، في قلب الشهادة، وتطعمهم للكرامة حكاية وطن.

لم يقبل إيدي بتوسّلات الأهل بألا يلتحق بالمقاومين، كان صغيراً جداً، بالكاد الثالثة عشرة من عمره، لكن الثورة لم تكن تُحسب بعمر السنين الطرية، انما بعمر الحماس الذي اجتاح العقل الطري والجسد غير المكتمل بعد. بين الشباب تعرّف على أجواء الثكنات وأصبح واحدا من نزلائها، كبر إيدي وجاء البشير وكانت “القوات اللبنانية”، وصار هو “القوات” و”القوات” هو، كما كان يقول.

“شو كانت الحياة حلوة ع إيام الشيخ بشير” تقول أم جوزف، لكنها تتوقف للحظات “لـ بدّو يكون قوات حقيقي لازم يكون متل إيدي ومش أقل”، تعرف الوالدة أن البطل ما غيره لم يكن شاباً عادياً ولا حتى في لحظات استشهاده، مذ كان طفلاً يلعب في أزقة فرن الشباك حمل بندقية افتراضية، كانت لعبته المفضلة، وكان يصوّبها باتجاه العدو، كان العدو الوحيد المباشر المعلن آنذاك الفلسطيني المسلّح، لم يكن يقال بعد “اعرف عدوك السوري عدوك”، اسرائيل في الجنوب والفلسطينيون في المخيمات، فحاربتهم بندقيته البلاستيك قبل أن يحاربهم بجسده وعمره لاحقا. انتقلت العائلة الى ضبية ولم تتمكن من إقفال الابواب بوجهه للالتحاق بتلك الريح.

فجأة علم الأهل أنه صار في أدونيس في ثكنة الوحدات الخاصة، هناك تعرّف الشباب الى عقل مخطط بشكل مذهل وذكاء حاد جعله قبلة أنظار رفاقه ومحط إعجابهم، وأصبح يتنقّل من جبهة الى أخرى، من بيروت الى الجنوب الى الجبل، وبين جبهة وأخرى يزور أمه يقبلها، يدللها، يقول لها إنها أجمل نساء العالم والأكثر حناناً، ويؤكد لها أنه لن يموت ولا يخاف الموت، وأن “القوات” هي حياة لبنان وأن لا لبنان إذا انكسرت “القوات” أو تراجعت، وكانت الأم والأب يعرفان ذلك ويؤمنان به، كان البيت كله يعيش قضية المقاومة، الشباب عبر اللحاق بالثكنات، والصبايا بالتشجيع والصلاة والمباركة.

ذهب إيدي الى جزين، هناك حيث شلالات الكرامة وقوافل شهداء، وفي كفرفالوس أسس نواة الوحدات المقاتلة، لم تكن وحدة مقاتلة بالمعنى التقليدي، كانوا شباباً لا يعرفون الخوف، لا يهدأون، عيونهم صقر يطير فوق تلك المساحات الرائعة الحلا المدروزة بالخطر، المشحونة بعيون غرباء ترصدها لتقبض على كل روح مقاومة فيها، كما كل بقاع لبنان آنذاك، وكانت عيونهم الحرّاس وأجسادهم الدروع.

اندلعت حرب الجبل، طلبوا إليه الذهاب الى هناك، كانت “القوات اللبنانية” تدافع بكل ما توافر لديها من أسلحة. كان إيدي يقاتل كمن يحرر آخر جبهات لبنان، كان عند محور عبيه وأوكلت اليه مهمة الوصول الى تلة مطير عبيه بأسرع ما يمكن للسيطرة عليها ومنع اختراقها نظراً لموقعها الاستراتيجي، عبر إيدي والإبطال باتجاه التلّة وكان مع رفيقه جوزيف مطر أول الواصلين، وكان طلب من الشباب أن في حال وقوع إصابات فيما بينهم ألا يتلهّوا بها “وأنا أولكن اذا انصبت تركوني بأرضي وكفّوا صوب التلة لأنها استراتيجية وبتأثّر على سير المعركة كلها ولازم نوصل عليها بأي تمن”.

وعند الفجر، وكان الرابع من أيلول 1983 بدأ الهجوم، وصلوا الى التلة وأيدي في المقدمة، وفجأة أصبح مكشوفاً أمام أعين المدافع المقابلة المرابضة على التلال المواجهة، فكانت الرصاصة التي استقرت في عنقه، سقطت الهامة المناضلة فوق التلة العالية، قل ارتفع الشهيد فوق تلة أشرقت عليها شمس الرب، كمن أختير له أن يكون شهيداً فوق ذاك الموقع القريب للشمس ليقول لها إن الشهداء هم شمس القضية ومجرّة الأرض التي تسرح فوقها دماؤهم، اقترب منه رفيقه، نادى عليه، لم يجب، ظن أنه يمزح، صرخ بوجهه “قوم هلأ بلا مزحك” ورأى الدماء تسري من الجسد الطري وفي يديه كمشة تراب أحكم قبضته عليها كمن يُحكم على تراب وطن كي لا يتسلل الى قبضة الغرباء والعملاء.

الشاب ابن المتن الذي أحب ذات عمر صبية من الجنوب، لم يهدها خاتم الذهب بل أهدى وطنه ذهب الشهادة  مسيرة  كرامة.

“يللي بدو يكون “قوات” لازم  يكون يشبه إيدي ما هيك يا بنتي؟” تقول أم الشهيد وتنتظر زيارة من كاتبة تلك السطور لتخبرها بعد عن حكاية شاب في “القوات اللبنانية”، هو شهيد لكنه وبحسب ما يبدو في الصورة والحكاية ونبض القلب، حي أكثر منا بكثير…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

خبر عاجل