
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1419:
لم تحضن تراب عين زبده جسد ذاك الشهيد، انما حملت قضيته وكتبت في مفكرتها: الشهيد الياس شفيق صعب مات ليحيا لبنان. هو ليس أي كلام. هو الكلام الصعب الحقيقي الذي عايشه الياس ومات معه ولأجله. لم ترقص ضيعة عين زبده في البقاع الغربي، في عرس الشهيد كما اعتادت أن تفعل حين تقرع أجراسها لحكاية شاب ترك كل شيء، ليدافع عن الشرف والبيوت والناس، لأن شهيد ذاك الوقت، العام 1976، حالت الظروف الأمنية دون نقله الى ضيعته، فرقد بالشرف في قلعة الصمود في الاشرفية وبقي هناك، وإن كان سكن مذذاك التاريخ، ساحات الضيعة وسجلّها الذهب وقلوب الناس الشرفاء.
الحكاية هي هي، ليست غريبة عن حكايا مقاومين يشبهونه في العزّ. الوجود الفلسطيني المسلح في المناطق المسيحية، والغرباء الذين اجتاحوا لبنان. كانت الحرب استعرت والوطن أوطان، ولا دولة تزرع الامان في القلوب الرامشة على الخوف. تل الزعتر والدكوانة والمحيط كانت الخاصرة الامنية الملتهبة بالعصابات الفلسطينية المسلّحة. شباب مثله في المقاومة المسيحية، سبقوه مع البارودة الى المتراس والشارع، ليحافظوا على ما تبقّى من الوجود الحرّ، وكي لا تتحول منازل الشرفاء الى ساحات استباحة. لم يكن هدفه الانضمام الى الحزب وكانت الكتائب حينذاك، “خيي ما فينا نترك بيوتنا للغربا” كان يقول لاخيه طوني كلما التقيا عند المتراس في منطقة الكرنتينا.

كان يريد أن يقاوم الغرباء ويدافع عن الناس حيث يسكن وحيث يستطيع، وهذا ما حصل، وذات مواجهة أصيب بجرح بليغ في يده الشمال وتحوّل الى عطب دائم، لكنه مع ذلك، تسلّم قيادة المنطقة لحماسه الغريب واندفاعه في الدفاع عن منطقته. يقول أخوه طوني إن “حماسه غير الاعتيادي كان يوحي بانو في شي كبير رح يصير معو”. قبل الاستشهاد بفترة قصيرة التقيا بالصدفة عند الجبهة وكان طوني في بداية طريق المقاومة فقال له الياس: “خيي روح انت ع البيت حتى ما ننصاب سوا أنا إيدي معطوبة واذا صرلي شي أهين ما يصيبك شي الك “.
كان 18 نيسان 1976 العيد الكبير. لم تجرؤ الاشرفية على الخروج لاقامة الزياحات للاحتفال بالقيامة. كان القنص مشتعلا والفلسطينيون في غير مكان يزرعون الموت، رن هاتف البيت صباحا، اتصال من المسؤول العسكري جورج زعني طلب منه الالتحاق سريعا بالجبهة لان عددا من رفاقه محاصرون في بناية البورصة وسط البلد. لم يفكر للحظة، لبس المواجهة، عايد الأهل، وهرول صوب مصيره، شنّ هجوما مضادا على المبنى وانقذ 22 من رفاقه وبقي لوحده في الداخل يواجه الى أن استقرت رصاصة في رأسه مزقت صوت الحياة فيه، لكنها رفعته مع قيامة المسيح الى ضوء الشهادة لأجل المسيح والأرض. وبعد خمس ساعات من المحاولات المضنية تمكن رفاقه من سحبه بالحبال كي يحتفلوا به شهيدا من ضيعة صغيرة على كتف الباروك، لكنها أعطت للشهادة أكبر المعاني حين يتحول شهيد مثل الياس صعب الى حكاية نرويها بوجع كبير صحيح، لكن بعنفوان لا يقارن وبفخر من عايش ذات عمر قصة شباب نسيوا كل شيء، ولم يتناسوا للحظة أن الكرامة مثل الايمان بيسوع هي القيامة الانسانية الوحيدة التي تليق بمجد الابطال.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” مع عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.