
كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1459:
انتهى قداس القربانة الأولى. كان يوماً جميلاَ، كل الأهل كانوا في الكنيسة يشهدون على يسوع حين يتحوّل قرباناً ويدخل روح الطفولة. هي إبنة بشير ضو، والوالد هو إبن الشهيد إيلي ضو. عاد الى المنزل مسرعاً لالتقاط الصورة الأولى للطفلة ووالدها أمام صورة والده. مضت 24 سنة على الرحيل… لم يمض ولا عام بعد، إيلي لم يترك البيت، يسكن كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، يعيش قلب أبنائه الثلاثة وزوجته لينا، ويحيا في قلب وذاكرة كفرشيما، هو المناضل الذي ولدته المقاومة اللبنانية.

ثمة تفصيل جامع في حكاياهم، يذهبون الى الجبهات حين يقرع الخطر بعنف على باب كيان الوطن. هو فعل مثل آلاف الشباب، التحق بالمتراس لمّا أصبحت كفرشيما في قلب النار، عرضة لخطر المنظمات الفلسطينية المسلّحة. كانت حرب السنتين بداية، وكانت “الكتائب”، ترك كل شيء وصار مع الشباب يحرس مداخل البلدة ليلاً، ويؤمن إحتياجات الناس نهاراَ، من مؤونة ومياه وخبز وما شابه. جاء الشيخ بشير، رحل البشير، والتحق إيلي العام 1984 بـ”القوات اللبنانية”، وصارت البزة الخضراء كيانه وحبّه وقضيته. في الوقت المستقطع بين حبّه الأول، هذه الأرض واحتياجات الناس، وجد مكاناً لقلبه، فتزوج في العام 1983 وبدل أن تأخذه هموم العائلة، أخذ العائلة الى همّه وحبّه الأصيل، قضيّته، بعدما كان كبر وسط ثلاثة أخوة شباب وصبيّة، عاشوا وتنشّقوا وتعلّموا أن من يخسر أرضه يخسر كل عنفوانه وكرامته، وأن كرامة هذه الارض من كرامة ناسها.

مرّت الايام وعبرت انتفاضات وأحداث. الاحتلال السوري يأكل لبنان، يقضمه قطعة قطعة، قصف على المناطق المسيحية الحرّة في حرب تحرير مفترضة، ثم حرب إلغاء شعواء عنيفة شلّعت المجتمع المسيحي، وسيل من التهديدات والمضايقات تستهدف ايلي وعائلته ليترك كفرشيما. لم يسمع منها شيئاً، بقي حيث يحب ويريد أن يكون. حوصر لمرات ومرّات وهو داخل منزله ولم يسلّم نفسه، لوحق في عمله، في تنقلاته، في كل مكان، راقبوا منزله ليل نهار، ولم يستسلم، الى أن حلّ ذاك الـ 13 تشرين الأول العام 1990. تغيّرت معالم البلاد، توقفت الحرب صحيح، لكن كان البلد قد أصبح بين فكّي الأسد، بعدما كانت المنطقة المحرّرة ولأعوام مضت، حصرمة عالقة في طموحه الاستعماري اللئيم للبنان.
دخل الاحتلال السوري عمق البيوت اللبنانية، صار هو القانون وهو الجمهورية وهو الأنفاس التي علينا الانصياع لها، وظن أنه هو كرامتنا، وهنا أخطأ. كثرت الملاحقات خلف إيلي ولم يستسلم، ولم يخلع بزته، ولم يتخلّ عن نضاله ولا عن الشباب الذين رافقوه في أيام عزّ النضال كما في الأيام الحلوة “هون بيتي وعيلتي وهون أنا والشباب حافظنا ع كفرشيما هيك بترك كل شي وبهرب وبفلّ”؟ يهرب؟ كان من المستحيل أن يفعل، من يعرفه جيدا، حتى قائد “القوات” آنذاك سمير جعجع وعلى رغم نصائحه له بالهدوء، كان يعرف ضمنا أن إيلي لن “يهرب” ولا وجود لهذه الكلمة في قاموسه وأدبياته، ولن يترك مكانه مهما كبرت الضغوط من حوله، وبقي. وانهالت عليه الاتصالات من مسؤولين في “القوات اللبنانية” ومن غير “القوات” تطلب منه المغادرة ولو لفترة زمنية محدودة كي تستكين الأمور قليلاً، وبقي مكانه موحياً بأن لا شيء سيحصل ولا خطر فعلياً محدقاً به محاولاً إضفاء جو الطمأنية والمرح أمام رفاقه، هو المعروف بروحه المرحة صاحب النكتة السريعة حتى في أصعب الظروف.
مرّت أيام قليلة ملبّدة بالقلق، كان العام 1990، أجواء الميلاد، 23 كانون الأول، كان إيلي والرفاق يحضّرون لسهرة ميلادية للأطفال تقام في بيت “الكتائب”، وكان من المفترض أن يلبس بابا نويل، الزي الأحمر المحمّل تلك الأسطورة وحكاية البراءة، لكنه ارتدى يومذاك غير زي، أحمر أكيد، لكنه محمّل بكل حقد العالم وإجرامه. أنهى التحضيرات وقال لرفاقه إنه سيذهب قليلا الى البيت ثم يعود قبل موعد الحفل بساعة “أنا تعبان بدي روح إرتاح شوي وآكل تبولة وبرجع”.

دخل البيت وبدأ يساعد زوجته الحامل بشهرها الرابع في تحضير العشاء. قرع الباب، دخل مدنيان يحملان سلاحاً حربياً، دعاهما للدخول وما إن أدار ظهره حتى توقف العمر في رصاصات غدر اخترقت القلب الكبير لتجعله يتوقف هنا، عند العتبة تماماً وأكملا “عملهما” ودخلا المطبخ وأطلقوا حقدهم على الزوجة الحامل. استشهد إيلي على الفور، نجت لينا والجنين بأعجوبة خارقة على رغم الرصاصات السبع التي توزعت في أنحاء جسمها، ولم تصب أي واحدة منها الطفل الذي حمل لاحقا إسم أبيه، وانضم الى أخويه بشير وأنيس.

كان في الثالثة والثلاثين، عمر يسوع يوم صلب ومات وقام من بين الأموات ليزرعنا رجاءً ونضالاً وحبًا بالحياة وخالقها. كان عمر بشير ست سنوات وأنيس أربع، بشير شاهد كل شيء وطُبعت الدماء المراقة في ذاكرة الطفل الذي ناضل السنين كي لا يغرق في دوامة الحقد “استمديت الشجاعة والصلابة من أمي بس وقت بتذكر هالمشهد بسأل حالي شو استفادوا من قتل بيي؟ الله يسامحهم أنا مش حاقد على حدن وما بدي أعرف مين قتلوا بس بقلّهم إنو يللي حاول يلغي إيلي ضو ويدفن رسالتو للأبد فشل لأن قرّرنا نكملها بكل محبة ونضال ومثابرة”، قال مرّة بشير الذي يتعامل مع والده وكأنه موجود معه في البيت، يودّعه كلما أراد السفر، ويلقي عليه التحية كلما عاد من رحلة، ويخبره عن أحواله ويومياته وينشر صوره في كل الأمكنة كما ينشرها على جدران قلبه ووجدانه أسوة بأخويه اللذين يعتبران أن إيلي موجود ويتعاطون مع ذكراه باحترام فائق.
“هيدا نصيبنا ربيت ولادي وأنا خبّرن عن بطولات بيّن، كان لازم يعرفوا إنو إيلي كان إستثنائي وكان رجّال قوي فعلاً وشجاع وطيب وكريم وحنون”. وتخبر “أم بشير” أن بعد إستشهاده فوجئت بعدد كبير من الناس جاؤوا لتقديم واجب العزاء، وأخبروها أن إيلي أحسن إليهم وقدّم لهم مساعدات مادية أو غذائية وما شابه. “كان يساعد كتير ناس وما يخبّرني وهيدا كان بمثابة عزاء إلنا إنو ترك أثر إنساني كبير يضاف لشرف النضال والمقاومة والدفاع عن منطقتو” تقول لينا وتغالب دمعاً حاراً لم تتمكن من حبسه على رغم مرور الأعوام الطويلة على الغياب.

في ساحة كفرشيما نصب تذكاري للشهداء، يوم دشّن الدكتور جعجع هذا النصب في العام 1987 كان إيلي يقف الى جانبه، هم أصدقاء نضال منذ زمن، كان سعيداً أن أسماء أبطال رفاق له سيكرّمون بلفتة متواضعة بعدما قدّموا حياتهم لأجل وطن، يوغل عادة في تناسي من أحبّه فعلاً، ومن بذل لأجله كل تلك الدماء، لكن لم يكن يتصوّر ايلي للحظة أن اسمه سينضم الى قافلة الأسماء تلك، التي دخلت ذاك الإطار وتلك الصورة، ويتحوّل نسيماً موجعاً صحيح، لكنه مع الزمن يصبح نسمة ربيعية رقيقة حنونة تغمر القلب برجفة حب وكبرياء وفخر، حين يقول بشير وأنيس وإيلي “أنا بيي شهيد بالمقاومة الميسحية”، وتبّا لعدالة الأرض المتباطئة عمداً وقهراً وقسراً، طالما يسوع يرى ويسمع ويلفحهم بكل هذا الحب اللامتناهي…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.