#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: أنا فوزي الراسي ابن “القوات”…

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1438:

يعرف الجميع الحكاية. التقى النعش بموكب الاعتقال. تقاطع الشهيد مع الأسير على ذات الدرب. فوزي الراسي وسمير جعجع.

هو ذاك العام، 1994. عام كل شيء. تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط، اعتقالات لشباب “القوات” واضطهادهم، هجرتهم بالآلاف، تشردهم، أسر سمير جعجع… هاجر من هاجر واعتقل من اعتقل ولوحق من بقي معلقاً ما بين الهجرة والتشرّد. الجهاز الأمني اللبناني السوري. جميل السيد وعدنان عضوم وأعوانهما. يومها لم يفكّر المناضل العتيق فوزي الراسي لحظة أنه سيلقى مصيراً مماثلاً. كان مؤمناً أنه عندما حمل النضال في بندقية على متراس إنما كان يصلّي، لذلك لم يشعر يوماً أنه ارتكب جرماً غير حب الأرض.

 

فوزي الراسي المقاتل حين تنده الجبهة، والمسالم حين يسمع صوت السلام. بعد تفجير الكنيسة طلب منه سمير جعجع الابتعاد قليلا عن المشهد ريثما تهدأ الأمور، ففعل. لكن الدولة المنحنية لاحتلال النظام السوري لم تتركه، فلاحقت عائلته وحاصرتها، ودهمت المنزل مرات ومرات، وعندما سألت زوجته ذات مرة أحد رجال الأمن عن سبب الاعتقال وبأي تهمة، أجابها الضابط  ساخراً: “شو مش عارفة إنو زوجك بينتمي لـ “القوات اللبنانية”؟ كانت تكفي هذه الكلمة لتتحول الى شبهة فتهمة، وبالتالي ليكون مصير أصحابها الاعتقال.

سكنت المخابرات بيت فوزي الراسي، أطبقت على أنفاس العائلة الى درجة أنها ما عادت تسمح لأصحاب البيت بتلقي اتصالاتهم الخاصة. تولوا الرد بأنفسهم لمراقبة أنفاسهم المتقطعة قهراً وخوفاً، وسكنوا المنزل. ما عاد بامكان الراسي الصمود، هو من صمد في وجه نيران العدو السوري والمنظمات المسلحة التي حاولت احتلال لبنان، ضعف أمام عاطفة الأب والزوج، فقرر تسليم نفسه لإنقاذهم يسكنه بعض أمل بعدالة ما، خصوصاً أنه كان يعاني من ارتفاع ضغط الدم ما يؤثر على قلبه، وظنا منه أنهم لن يطيلوا اعتقال رجل في الخامسة والأربعين وهو ليس بكامل صحته.

 

كان 19 نيسان، طرق باب الشرطة العسكرية في سن الفيل وقال لهم “أنا المناضل في “القوات اللبنانية” فوزي الراسي فكّوا الحصار عن عائلتي”. وعندما اقتادوه الى وزارة الدفاع، عرف أن تاج الشوك ينتظره بعدما غُرز في أجساد رفاقه من قبله، وأن لا مكان هنا للقيم الإنسانية أو الأخلاقية، إذ ثمة قلوب قاسية تتحكم بالأحرار بموافقة رسمية علنية من موظفي الدولة الذي تحولوا آنذاك الى أسياد، أسياد عبودية يسكنهم الموت واللعنة.

هناك وعلى “شرفه” منحوه جلاداً يدعى عطيّة، سفاك دماء يتمتع برؤية شباب “القوات” يصرخون ألماً تحت التعذيب بوسائل الموت الخاصة بوحشيتهم: “البلانكو” أو “دولاب التعذيب”. كان يُسمع صوت فوزي في أروقة الوزارة يصرخ: “يا عدرا خلصيني” حين تستفحل أساليب التعذيب، خصوصا أسلوب “الكرسي” الذي أدى الى خلع جسم فوزي، فأنقطعت أنفاسه من جراء ضغط الكرسي على رئتيه وشعر بالشلل يتغلغل الى أطرافه، وعندما لم يعترف بشيء سوى أنه مناضل في حب أرضه، اعتمدوا معه أسلوب “البلانكو” فعلقوه، ولما تفوق العذاب على قدرة القلب الضعيف على الاحتمال صرخ “يا عدرا ارحميني” ورحل إليها…

يقول ابنه هاني إنهم منعوا العائلة  آنذاك من الاطلاع على تقرير الطبيب الشرعي، بعدما  شرّحوا الجثة من دون إذن منهم، لكنهم تمكنوا لاحقا من معرفة مضمون تقرير المختبر الذي ذكر أن الجثة تعرضت للتعذيب بأسلوب غير مألوف وغير طبيعي، وهذا ما أظهرته آثار الكدمات على الجسم.

 

وعلى رغم الكارثة التي حلت بعائلة فوزي الراسي إلا أن ممارسات النظام السوري لم تتوقف، فقد استمرت ملاحقة العائلة وتعرضت لضغوطات أكثر بعدما هددوا ابنه الوحيد بالقتل. فهاجرت العائلة الى الولايات المتحدة لكن بقي الألم معلقا. راحت الأيام وخرج الاحتلال السوري مدججاً بذل العالم، والأسياد عادوا الى طبيعتهم الأصلية، وقررت العائلة أن تصون حق الشهيد، فرفعت دعوى على إميل لحود قائد الجيش آنذاك، ومدير المخابرات جميل السيد ومسؤول فرع التحقيق وما زالت الدعوى مستمرة.

21 نيسان عاد فوزي الراسي الى بيته الأبدي في ضيعته الشيخ طابا في عكار، التقى بموكب اعتقال الحكيم. عندما تحرر هو، دخل الآخر في حرية من نوع آخر، والسبب واحد موحد، ذاك الحب لتلك الكرامة. لم يطوَ الملف بعد ولن يطوى ، لأن الجرح المفتوح ما زال ينزف وإن كان صوت الصراخ غير مسموع، هو صوت القلب حين ينزّ على مهل ولا يجرح إلا مجرى الدماء ونبض القلب حيث مع الدم يسري الكثير من الحب والحب غالبا مؤلم.

“كلنا خسرناه بالبيت بس أنا بفتخر فيه كتير كتير وبفتخر بشهادتو”، يقول هاني ابن الشهيد.  كيف لحب أن يصمد بعد بهذا الشكل في بيت الكرامة؟ هو من “القوات”، وتكفي هذه “التهمة” ليستحق إكليلا مشابها لشوك يسوع…

 *لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

خبر عاجل