
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1487:
كيف تحب القهوة؟ مُرّة من دون سكر. طيّب السكّر جرّبه. لا، هكذا أفضل، القهوة المرّة فيها من مزاج الكتابة، رائحة البن تعبق في قلمي فأكتب بعنفوان أكبر، بجنون أكثر، بقلب يرتجف كلما ذكر اسم لبنان، على عبق القهوة أكتب ثورتي وأرتشفها كأساً من نبيذ الأرض حتى آخر القطرات… وكانت آخر القطرات. جبران التويني أعِرنا ألقلم…
لن أشارك بذكراه، صاروا تسعة أعوام، يا رجل ألا تشبع رحيلاً؟! غريب أن ننتظرك بعد ونحن على يقين من إستحالة العودة، لعلّنا ننتظر الشيء الآخر، أن نعود نحن بعدما ترحّلنا من ثورتنا، تلك التي تحب، الشال الأحمر، ساحة الحرية، نصب الشهداء، كم يشبهك ذاك، وذاك الصوت لـ بيودّي، بيدوّي… صوتك.
قهوة بعد. الجريدة في المطبعة على نار الحروف، “النهار”، تلك الثائرة، عروس الصحافة، كرامة الاقلام الحرّة، لا يصيح ديك قبل أن تكون فاحت رائحة حبرها، حبره، حبر جبران دماء وطن.
قهوة بعد، أريد أن أكتب وطني. ألم تكتفِ من الكتابة عنه؟ أبدا، أريد أن أروي حكاية حلوة عن أرض نهمة لا ترتوي من ينابيعنا، وينابيعنا لا تتفجّر ماء عذبًا وحسب، ينابيعنا تتفجّر بنا لتعود وتزرع غرسات جديدة لمواسم شهداء جدد.
كنت أعرف أنني سأصبح لها سمادا ذات لحظة، دوّت بي الأرض ولكنها لم تبتلعني، فاحت بي، بقهوتي، بحبري، بقلمي، بحرية وطني. أنا حقيقة مدويّة في قلب الثورة، لا قلب يتوقّف حين تحمله غير قلوب، لا ثورة تنطفئ حين تُنقل الشعلة.

أين الشعلة يا صديقي؟ أُسكب لي القهوة أريد أن أرتشفها معك، لي معك حديث طويل، منذ زمن وأنا أحاورك، منذ ذاك الـ 12/12/2005، حين ترحّلت، أحيانا تجيب وغالبا تفتعل الطرش، كيف سمحت لنفسك أن تغيب بهذا الشكل؟ ألم تعرف أن الشال الاحمر كان يجب أن يبقى زينة أعناقنا، عنقك، يعكس العنفوان في وجهك الحلو وتلك القامة العابقة كرامة؟ ألم تكن مصرا أن يبقى الشال ملتفا بإحكام حول رقبة الأعداء، الآخرين ما غيرهم الذين انتظروك بلهفة عاشق عند مفرق الحياة، لينتزعوا عنك الشال الأحمر وليحوّلوا ماء الحياة الى دماء في قعر واد؟ كيف سمحت لهم بذلك بهذه السهولة؟ أم لعل من لا تتسع الأرض لثورتهم،في العادة لا يكترثون لمجرمين صارت الأرض لا تتّسع إلا لإجرامهم وشيطان شرورهم؟
أسئلتي كثيرة وغضبي عليك أكبر وثورتنا جميعا لم تهدأ بعد، وأنت تمعن في إرتشاف القهوة بهدوء! هل يفعل هذا كل من ينتقل الى فوق، ولا أعرف ما هناك، أريد أن أقتنع أن هناك يسوع والعذراء مريم، ولكن الأهم والأكيد، أن يسوع الذي فوق هو في صورة الثائر الغاضب الذي اجتاح الهيكل ودمّره فوق رؤوس تجار الدين والقيم، وأظن أنك مع الشهداء كافة تجتمعون وتنسّقون، وتملون علينا من وقت لآخر ما يجب وما لا يجب أن نفعله، ولا أحب الاعتقاد بأن الإملاءات تصب في غالبيتها في خانة “السلام” وإدارة الخدّ الأيسر بعدما تلقينا ملايين الصفعات على الخد الأيمن!
لستَ أساسا من هذا الصنف وإلا لكنت بقيت حتى الساعة بيننا. تحدّيت المحظور، قطعت حواجز الخوف من النطق بالحقيقة، تجاوزت كل الحدود التي كانت مرسومة لك ولسواك، رغم التحذيرات والتهديدات فعلت، لا أعرف بما كنتَ تفكّر ولكنك فعلت، أأنت سعيد الآن؟ نحن لا، نشتاق إليك بغزارة، الغزارة للمطر وأنت مطر عنفوان في قناعتنا، في ضمير الثورة، الثورة يا جبران تلك الـ 14 آذار حين إجتاح مليون إنسان قلب الحرية ليطردوا محتلاً بشعاً أمعن في إذلالنا، لم يتمكّن منا صحيح، لكنه تمكّن من آخرين هم بالأساس لنا، وها هم معًا من جديد يجتاحون ثورتنا، ثورتك، الشال الأحمر الحلو الذي تراقص مع هواء ساحة الشهداء.
خلصت الركوة، ألا تشبع قهوة؟ أبداً لن أشبع من عبق الصباح، من أرضي، من قلمي، سأبقى أكتب، تكتبون عني غالبا، كثر من بينكم أنا، أقلامكم حبري، طالما في الأرض من يغضب، يزعل، يضحك، يقول لا، يثور ويشتاق الي بهذا الجنون، ويغضب مني ويتحدّاني وينهمر كل لبنان فوق ورقة تنده علي والشهداء بسطور القلب، إذن أنا حي، لبنان لم يخلع الشال الأحمر، المهم أن تغضبوا، أصرّ لنبقى أحياء… بخاطرك ينتظرني رفاقي الشهداء هنا أيضا قطعة من لبنان…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.