
بدأ الاحتفال، تصعد صبية الى المسرح وتبدأ بالأغاني الوطنية الثورية، يشتعل المكان حماسة، حفل تسليم بطاقات الانتساب لحزب “القوات اللبنانية” ـ منطقة البقاع، يتدخّل الكورال، شابان وصبيتان، أعلام تلوّح، يدخل الدكتور سمير جعجع يتماهى مع الأغاني، يقترب من الصبية ويقبّلها، تذهب الى مكانها ويصعد هو الى المنبر ويبدأ الخطاب، ونسأل: من صاحبة الصوت الجميل؟ يقولون أن اسمها نسرين ديب أرملة الرفيق الشهيد جورج ديب، ومن بين الكورال ابنها شربل، أرملة في عز الصبا!! من هو جورج ديب إذن ولماذا استشهد وماذا تفعل نسرين هنا؟

لا تنفصل حكايا الشهداء عن أبنائهم وزوجاتهم وأهلهم، يترك الشهداء خلفهم قصة نضال لا تتوقف إن هم رحلوا، يتركون بيتا وحكاية وقصص حب ووجع، يتحوّل مع الوقت الى ذكرى جميلة دامعة تسودها بسمة الرجاء وذاك الفخر.
“أنا زوجة شهيد” تقول نسرين بصوت الحب الخالص الذي لم ينته حتى هذه اللحظة، ولحظة نسرين تلك مستمرة منذ نحو سبعة عشرة عاما، أي تاريخ استشهاد جورج في 19 حزيران 1998.
لما تعرّفت إليه كانت في السابعة عشرة وتزوجا بعد سنتين خطيفة، لم يكن الأهل يريدون لها أن تتزوج بسن مبكرة “بعد بكير عليكي كفّي علمك”، لم يسمعا لأحد، تزوّجا وسكنا مع أهله في بيت واحد، هو وحيد وله أربع شقيقات “وصرت أنا الخامسة بيناتن”.

ابنة الكنيسة التي لم تدخل حزبا يوما، لم تكن تعرف أساسا ما معنى أن يناضل شاب ويدفع حياته ثمنا لأجل وطنه، كانت تعرف أن جورج قاتل على الكثير من الجبهات، تنقّل في الخطر، ساكنه، ولكنه لم يخف يوما، مرّت عليه أهوال كثيرة مثل الكثير من رفاقه في “القوات اللبنانية”، لكنه كان يعشق الخطر، يعشق المواجة حين يعرف أن وطنه على شفير انهيار ما أو خطر ما.

عندما كانت تطلب منه خوفا الابتعاد عن الحزب، يبتسم لها برقّة، يقبّلها، يجيبها كمن يقنع طفلاً لجوجاً “خلص حبيبتي إنتِ ما تعتلي همّي” فتفهم أنه لن ينفّذ لها طلبها، وكان هذا المطلب الوحيد الذي لم تتمكن نسرين من انتزاعه منه “كانت “القوات” قلبو وروحو وأنا زعلت كتير لفترة لأني اعتبرت انو جورج حبّ القوات أكتر مني”.

كان أحيانا يستيقظ ليلاً ويجلس وحيداً في سريره ينتحب بصمت، تصحو نسرين مذهولة خائفة “شو القصة جورج ليش عم تبكي” وعندما يهدأ قليلا يبدأ بسرد أسماء لرفاق له استشهدوا أمام ناظريه في المتراس أو في موقعة شرف في أرجاء الوطن “ما بقدر انساهم وما بيروحوا من بالي لو شو ما عملت وقد ما عيش بهالدني” كان يردد ولم تكن ابنة التاسعة عشرة لتفهم أبعاد هذه الدموع، لم تكن لتعرف أن جورج عايش قضيته حتى الذوبان مع شهادة رفاقه، كان يعتبر نفسه مشروع شهيد في كل لحظة، كان كأنه يعيش ليستشهد، لينتظر اللحظة الكبيرة حين يلتقي في السماء بمن يبكيهم على الأرض.

كانت العاشرة صباحا، خرج لشراء حاجيات لطفله ابن الأربعة أشهر وتأخر في العودة، اتصل مساء بنسرين وأخبرها أنه سيتأخر قليلا بعد “ضوّي شمعة للعدرا متل العادة قبل النوم وصلّي بغيابي بَوسي الصبي عني بكون أنا وصلت وما تنسي يسوع بيحبّك كتير” كانت آخر الكلمات قبل أن يقفل الخط، وفعلت.

الثانية بعد منتصف الليل قرع الباب بقوة، اقتحمت مخابرات الجيش المنزل، أخبرت والده فؤاد ديب أن جورج مات في انفجار سيارة في منطقة الدورة، فتشوا المنزل ركنا ركنا، مزقوا الصور، سيق كل من في المنزل الى التحقيق باستثناء نسرين لتبقى بجانب الطفل، وعندما أرادوا دفنه في تراب دير الأحمر بلدته، لم يجرؤ أحد على مرافقة الشهيد الى بيته الأخير، قلة قلّة تحدّت المخابرات وشاركت، ومن بعد الدفن أُخذ الجميع الى التحقيق حتى والده، ولم يجرؤ أحد على تقديم التعازي للعائلة التي انزوت في الحزن والخوف والذهول.
لماذا استشهد جورج؟ ماذا فعلوا به؟ ما خطيئة جورج غير أنه اعتنق القضية قبل كل شيء وناضل لأجلها قبل أي شيء في حياته؟ وبدأ الجهاز الأمني السوري اللبناني ببث الشائعات لتشويه صورة جورج و”القوات اللبنانية”، ولم يصدقهم أحد، كان يعرف الجميع أسلوب عمل ذاك الجهاز المزروع عملاء لبشار الأسد، وذهبت نسرين في رحلة أخرى مغايرة تماما، انتهت أيام الفرح وبقي الحب المجرّح بالفراق، رحل جورج وصارت الصبية أمًا أرملة شهيد.

رفضت أن تترك بيت عمها حتى الساعة “هودي أهلي وما فيي اتركن بحبّن كتير، هون مطرح جورج وأنا وابني منكون مطرح لـ هو بيريدنا نكون” تقول نسرين التي لم تتمكن حتى اللحظة من زيارة جورج في دير الأحمر حيث يركن الى ربه يسوع، حتى الساعة ترفض نسرين تلك الزيارة رغم إلحاح ابنها شربل “لفترة نقمت على جورج لأنو حبّ “القوات” أكتر منا ويوم لـ تحرر الحكيم من الاعتقال طلب بدو يشوفنا عبّرت له عن نقمتي ما ناقشني بس طلب مني يتعرّف على شربل”.
وحتى اللحظة يعيش جورج مع نسرين، تشعر بوجوده القوي من حولها وتخبر حوادث حصلت معها تثبت مرافقته لها في كل مفاصل حياتها “هو عن جدّ ملاكي الحارس وأنا وشربل عايشين بصلاتو لأجلنا” هي تؤمن بذلك وتشعر بأنفاسه تحيط بهما. أما شربل، ابن الشهيد فتشرّب من روح والده وهو لا يعرفه “كيف بتتغلغل القضية بجينات الإنسان، هيك شربل مع اني حاولت إبعدو عن الأحزاب أول فترة بس شربل مناضل متل جورج وأكتر لو بيقدر، بيدهشني بعنفوانو وصلابتو” بفخر تخبر نسرين عن ابنها الذي شاركها في الكورال حين غنّت في احتفال تسليم بطاقات الانتساب لمنطقة البقاع، وغيرها من الاحتفالات المماثلة في معراب.

صارت الأرملة الصبية وابنها من صلب النشاط الثقافي الحزبي الاجتماعي في المكان، صارا من أهل البيت، مهّد جورج لهما الطريق، ورغم العمر القصير معا، تحمل نسرين زوادة عمر من شهيدها الحي الذي علّمها أول الدروس وأكثرها عمقا بأن لا وطن من دون شهداء وأن دماء الشهداء هي كرامة الوطن هي الإيمان بالرب، وان لا شهيد يترك مكانه ويرحل إذ له في كل مكان عبق، أرزة، شجرة سنديان، بستان من بساتينه، نسرين وشربل من بستان جورج فؤاد ديب فهل يموت الشهيد بعد؟…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.