#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: شهادة من أجل المجتمع والوطن

كتب عبد المسيح أبو الياس والد الشهيد غسان أبو الياس الذي استشهد في 14 شباط 1989 في “المسيرة” – العدد 1432

ما من شك في أن الثامن عشر من كانون الثاني 2016 حمل حدثاً مفصلياً في تاريخ لبنان المعاصر. حدث ذو بعدين مهمين على الصعيد المسيحي والوطني.

إن هذا الإنجاز يتخطى الرئاسة والمصالحة المسيحية، ليرسم واقعاً جديداً يساهم مساهمة فعالة في تفعيل سياسة الإنفتاح وتجاوز الأحقاد والإصطفافات والتشنجات، هذه السياسة التي نأمل أن تنسحب على جميع الفرقاء والتكتلات.

إن التفاهم الذي حصل طوى صفحات بغيضة لتحل محلها صفحات جديدة لن تلامسها إلا أقلام الذين عَمَرت قلوبهم بالمحبة والتعالي عن الصغائر وصولاً إلى إرساء العلاقات الطيبة والإلتفاف حول المبادئ والمفاهيم والقواعد التي تعيد لهذا الوطن هيبته فينهض مثل طائر الفينيق نافضاً عنه غبار الخلافات والإنقسامات وصولاً إلى تفعيل مؤسساته التي لا بدّ أن تلعب دورها وتضطلع بمسؤولياتها وفقاً للمبادئ الدستورية بهدف تأمين الخدمات لجميع المواطنين وتكريس مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية.

من الطبيعي أن تكثر التعليقات ووجهات النظر سواء من خلال وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية وتتزاحم التغريدات عبر وسائل التواصل الإجتماعي. فمن مرحب بهذه المصالحة لأنه يرى فيها مبادرة جدية وفعلية لتذويب الجليد والعبور إلى التفاهم والتوافق على القضايا الأساسية بهدف تقديم المصلحة الوطنية على ما عداها من المصالح الفئوية والشخصية الضيقة، ومن شاجب ومنددّ بها إذ أنه يعتبر أن في ذلك تنكراً للشهداء وخروجاً عن مبدأ الوفاء لهم.

إننا لسنا مع الشاجبين والمنددين في موقفهم هذا ونختلف معهم في الرأي والنظرة والتقييم. فإذا استعدنا في ذاكرتنا أهم الاحداث في التاريخ، نجد أنه لولا الإقلاع عن التشنجات والأحقاد والتوترات والخصومات، لما وضعت أوزارها حرب ضروس إمتدت على مدى مئة وستة عشر عاماً بين فرنسا وإنكلترا وهي الحرب المسماة بحرب المئة عام والتي أوقعت بين العشرين والثلاثين مليون ضحية.

ولولا الإقلاع عن الأطماع والخصومات، لما حلّ السلام بعد الحرب العالمية الأولى التي ذهب ضحيتها ما يقارب الثلاثين مليون نسمة. ولما حلّ السلام بعد الحرب العالمية الثانية التي حصدت أكثر من خمسة وأربعين مليوناً، ولما عقدت المؤتمرات والمجالس والهيئات الدولية بين المتحاربين لحفظ السلام والأمن الدوليين خدمة للشعوب والمحافظة على مصالحهم وأمنهم وسلامتهم.

إننا من الذين يحملون في قلوبهم غصة وفي عيونهم دمعة لاننا معنيون بالشهداء، فنحن من آبائهم وأمهاتهم وأخوتهم وأخواتهم. ولا يساورنا أي شك بأن المصالحة التي أنجزت في الثامن عشر من كانون الثاني خطوة جريئة مجردة من الأنانية. إنها مبادرة تحمل في جوهرها الإنفتاح والتسامح والتعالي على الصغائر لطيّ صفحات التشنج والتوتر بين أبناء المجتمع الواحد والمدينة الواحدة والقرية الواحدة والعائلة الواحدة.

إنها حدث تاريخي يثلج قلوب شهدائنا في عليائهم. فهم استشهدوا من أجلنا، من أجل أمننا وسلامنا واستقرارنا، من أجل سلامة الوطن وكأني بهم يباركون هذه الخطوة ومن قام بهاوهم على يقين بأنه يحمل في صدره الغصة التي تحملها صدور آبائهم وأمهاتهم وفي عينيه الدمعة التي تبرق في عيون محبيهم. إنني أخالهم يباركون من عليائهم هذه المصالحة التي تحمل معها الخير والسلام لذويهم ولجميع اللبنانيين على حدّ سواء.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

خبر عاجل