كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1466:

هل يمكن أن يغفر المسيحيون اللبنانيون للعماد ميشال عون؟ سؤال طرحته إذاعة الفاتيكان يوم 7 شباط 1990 تدليلاً منها على فظاعة المذبحة التي أوقعتها الحرب في صفوف مواطني المناطق الشرقية آنذاك. سؤال آخر، هل غفر أهالي الشهداء، من “قوات لبنانية” وجيش لبناني الذين كانوا خاضعين لسلطة عون، هل غفروا له حرب الإلغاء تلك؟! لو كان غسطين حارس طنوس ما زال حيًّا لأجاب: “أكيد غفرت بس مش رح إنسى ولا بدّي إنسى اللي إستشهدوا ضيعان” هو الآن منهم، شهيد بس مش ضيعان…
كل شي فعله باكراً وباكراً جداً، كان مستعجلاً على الحياة، الحب والزواج والأولاد وتلك البندقية. لا يعرف أهل البيت في أي سنة تحديداً إنتمى للمقاومة المسيحية، يعرفون أن حسبه والمقاومة، هو و”القوات” واحد لا يتجزّأ، تقول غسطين تقول قوات. “من أول ما عرفتو بالبدلة الخضرا وحبّيتو بهالبدلة وبعدني بحبّو” تقول سيدة أرملة الشهيد… أرملة الشهيد؟ الأصح زوجته، هو موجود، ليس في الصورة المعلّقة على قلوب البيت وفي صدر الدار وفي عيون نيحا ضيعته، موجود في التفاصيل الصغيرة والكبيرة، في الصلاة صباحا ومساء، في تدخله غير المباشر في كل القرارات وعند كل المفارق والأوقات الحلوة والمرّة. “بيي عايش معنا ما فلّ وبفتخر بوجودو وبمسيرة حياتو وباستشهادو وكلنا منفتخر فيه” يقول خازن إبن الشهيد، ابن الشهيد؟ شهيد غائب حاضر وبقوة، هو نقص الصوت ربما، الرائحة، الحركة، لكن كل شيء منه ينبىء بحضوره المدوّي في البيت الذي رحل عنه عمليا ذاك الشباط في تلك الحرب، حرب الإلغاء.

تزوّج إبن 18 عاماً، إستشهد إبن 28، أنجب أربعة صبيان، غسطين الأصغر سنّا كان في شهوره الأربعة عندما خطف المتراس والده من حضن الدفء في البيت، ليسكن وهج المدافع والقتال دفاعا عن الوجود المسيحي من أطماع الغرباء وأبناء البلد أيضا. آخر معاركه لم تكن مكللة بذاك العزّ الذي كان يحلم به منذ دخوله “القوات”. كان يريد أن يشهد على طرد جيش الاحتلال السوري من لبنان، كان يريد أن يكون لبنان كله المنطقة الشرقية “كانوا واقفين ع حدود مناطقنا بيتنقوزوا علينا وبيحسدونا لأن كانوا يخافوا منّا، شو عملت فينا يا ميشال عون لوين أخدتنا”؟ كان يردّد مع كل طلقة رصاصة يطلقها دفاعا عن المنطقة ووجود الأحرار فيها.

كان يعرف أن الخراب سيحلّ بالبلد، وأن وجود ميشال عون لم يكن حدثا عابرا عفويا في تاريخ المسيحيين، لكنه لم يكن يسأل، كان مقاتلاً شرساً شجاعاً مؤمناً “بس خاف وإتردد وإطلب منو ما يروح ع الجبهة يحكيني ع رواق وبحنّية ويقلي “ع نية الله يسواني ما يسوى هالشباب”، ويصلّب إيدو ع وجّو ويروح” وتجلس سيدة مع أطفالها في الخوف، تنتظر أن يقرع الباب من جديد لتراه محمّلاً بكل شيء، وبتلك البسمة الطفولية عندما يعانقها ويلاعب الأطفال.

المقاوم الفلاح حمل سلاحين، البندقية لصدّ العدوان دفاعا عن الأرض، والمعول أيضا والكوفية البيضاء ليحرث الأرض ويزرعها ويرويها، هو الفلاح إبن الفلاح. من يساكن أرضه ويزرعها ويرعاها كإبن له، يعرف أن رائحة التراب وكي تفوح، تحتاج للحب والماء وتمريغ اليدين بحبيباتها، ومعانقة الفجر لاستلحاق المواسم. هو أكثر من يعرف أن الأرض أيضا لتبقى لأهلها تحتاج للدماء لتروي عطش الكرامة، تلك الكرامة التي لم ترتوِ بعد من دمائهم دماؤنا.
خارج الخدمة كان دائما في الضيعة يساعد والده في الاعتناء ببساتين التفاح والبطاطا واللوبياء وسواها، يلاحق الطبيعة في موسم الصيد ويعبىّء خوابي البيت من خيرات مواسمه، وعندما يدقّ النفير، يترك كل شيء كل شيء من دون تردد ويذهب “كنت جرّب أوقات إقنعو ما يروح من شدّة خوفي بس أكيد ما كان يقتنع مني ولا مرّة ويقللي واجبي روح وما فيي إقعد بالبيت ورفاقي ع الجبهة بيقاتلوا كرمالنا وبيموتوا عنّا، ع نية الله ما تخافي راجع”.

ذاك الشباط وكان في منطقة الصفرا، اُصيب برصاصات قاتلة في كتفه ورأسه، لم يصمد ليصل الى المستشفى، استشهد على الطريق التي كانت تُزرع قصفاً وهدير موت مجاني عنيف لا مبرر له بين الأهل والأخوة.
حصل ما حصل ودخل غسطين في الصورة والإطار الأسود إياه، وصار حكاية من حكاياتنا المبللة عرق البطولة، وبقيت زوجته الشابة التي تزوجها ابنة عشرين، بقيت حتى الآن زوجته، في ريعان شبابها ترفض أن تحمل غير أسمه “تجوّزتو عن حب وبعدني بحبّو ولو رجعت الأيام لورا ما بتجوز غيرو”. ما زالت وفية لقضية زوجها هي وأولادها “أهل الضيعة كلن هيك” “قوات لبنانية”؟ نسألها “أكيد أكيد “قوات” نحنا ولاد القضية”… هؤلاء أشخاص ليسوا عابرين، وليسوا عاديين، ولا هم أسماء تعيش لتغيب في الرحيل، هؤلاء لبنانيون كتبوا حكايتهم بالدم بالتراب بالحب بالحياة، إن استشهدوا لا يموتون، وإن بقيوا أحياء يرسمون للحياة غير معان، معان محفورة بالكرامة وبشغف الحياة وبحب المسيح وبمجد شهدائهم…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.