
كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1528
الصامت الهادئ السمات المبتسم دائماً، في داخله عصفت رياح عاتية لم تستكن إلا حين ألقى بندقيته من دون حتى أن يصرخ. ولماذا كان سيفعل ألم يحملها أصلاً ليكون مشروع شهيد؟ ليكون الشهيد؟ جوزيف الياس حداد يا مغوار السكون أوغلت فيه، صار دورنا الآن أن نحكي عنك، أن نثير من حولك كل الضجيج المثمر وأنت والرفاق الشهداء ضجيج القضية، شعلة المقاومة.

قبل أن تدهم بوسطة عين الرمانة أحياء الوطن، كان العام 1973، كان مصطلح “الفدائيون” يتردد في أنحاء البلاد وخصوصاً الجنوب، كان أولئك الفلسطينيون المسلحون الذين أرادوا أن يكون لبنان الوطن البديل عن فلسطين، نعرف جميعاً الحكاية، ونعرف أن ثمة شباباً مسيحياً انضوى في أحزاب الجبهة اللبنانية آنذاك وأنشأ من لا شيء ألوية مقاتلة للدفاع عن المناطق المسيحية والوجود الحر نواتها شباب متحمس غاضب من ممارسات غريب جاء لاجئاً وتحول الى مقاتل ضد الناس الآمنين.

إشارات الغضب المسيحي بدأت خصوصاً عندما استهدف المسلحون بصاروخ كاتيوشيا مركزاً للجيش اللبناني في الأشرفية فسقط على أحد المباني السكنية، تحولت الشوارع كلها الى صواريخ غضب، شعر الجميع أن الصاروخ استهدفهم فرداً فرداً وبدأ الرد يتحضّر، بدأت عمليات تدريب ما كان يسمى بالأشبال وكان جوزيف حداد من بين الأوائل الذين التحقوا بهم.

لم يعان جوزف ليلتحق بالشباب وهو في العاشرة من عمره، الوالد في الجيش اللبناني والأخوة الشباب الثلاثة الآخرين والصبيتان، كلهم عاشوا العنفوان ذاته، وتشرّبوا ماء الثورة ذاتها، جوزف ابن النبطية صار في عداد المقاتلين وكان المجتمع المسيحي بأكمله بات يتحضّر لمعاركه الوجودية، لم يكن يعرف ما ينتظره لكن حسبه أنه كان بدأ يستعد للدفاع عن الناس والأملاك والكرامات، وكانت الدولة بدأت في مراحل التحضير لحرب ما كبيرة، لمخطط ما غامض مخيف بدأت أعاصيره تلوح بوضوح وغموض في آن في الأفق القريب.

انضم جوزف الى فرقة “طنوس البيروتي” الذي استشهد لاحقاً في الأشرفية، وتزامناً كانت أنشئت الأقاليم في المناطق اللبنانية كافة ومن بينها إقليم النبطية في حزب “الكتائب”، وكانت قوة عسكرية خصصت لتخدم على الجبهات والتحق جوزيف معها على جبهة المتحف.
كان طري العود، شاباً في مقتبل العمر والثورة، لكن صمته وجديته وصلابته جعلوه يبدو في عامه الثلاثين وهو لم يصل بعد الى العشرين من عمره. في النهار وعندما تسمح الظروف الأمنية، كان يلتحق جوزف بالمدرسة، وفي الليل مدرسته متراسه، كان يريد أن يكون مقاتلاً مناضلاً على الجبهات كافة، في العلم وفي المقاومة “هيك منعمل لبنان الصح” كان يردد في الساعات القليلة التي يجلس ليحادث بها أصدقاءه أو اخوته.

كبرت الجبهات وكثرت مهام الشباب والتحق جوزف مع البشير بالمجلس الحربي وكان العام 1981، صار من ضمن عديد الشعبة الثالثة، وتعرّض للخطف مع أربعة من رفاقه على يد جيش الاحتلال السوري أثناء توجههم للتبرع بالدم لرفاق جرحى، بقي بضيافة السوريين في مركز المخابرات في الأشرفية لنحو أسبوع الى أن أطلقوا بعدما تدخّل البشير وحررهم، خرج من الاحتجاز وهو أكثر صمتا وأكثر حزما وعنادا لضرورة مواجهة هؤلاء، كان يعرف أن هدفهم احتلال كل لبنان تمهيدا لمحوه عن خارطة الدول الحرة المستقلة وليصبح إمارة ملحقة لا كيان لها ولا كرامة، كان الغضب كبيراً كبيراً بحجم صمته، وحجم إيمانه بأن لبنان سيتحرر يوماً ما ليس ببعيد لأن فيه مقاومين وفيه الشيخ بشير.

الصامت صاحب الهيبة والاحترام، انتقل الى فرقة المغاوير، ولبى نداء البشير الشهير لنجدة زحلة من براثن جيش حافظ الأسد، كان أصبح في “القوات اللبنانية”، وكان الوصول الى زحلة المحاصرة سيراً في الجبال الباردة المكسوة بالثلوج، لم يتردد، كانت ريح المقاومة تدفئ القلوب المغامرة المسكونة بوطنها، ذهب مع مئات الرفاق الى هناك، قطعوا الوديان ووعر الخوف والحصار وصاروا في قلب زحلة يدافعون عنها بقلوبهم وأجسادهم قبل بنادقهم، وانتصرت زحلة، انتصرت المقاومة وعاد الرفاق الى منازلهم وبقي جوزف في زحلة “طلب منو الشيخ بشير يبقى فوق مع كم شب بشكل مدني لحماية الناس من غدر السوريين” يخبر أخوه، ولما تأكد البشير أن زحلة آمنة عاد الى بيروت بعد غياب شهور وكان من وقت لآخر يرسل الصور لأمه وأبيه ليثبت لهم أنه حي.

بغيابه أكثر والده من شرب الكحول وتدهورت حاله الصحية بسبب الخوف على ابنه البكر “ومرة كشفت عليه تـ أعرف شو القصة حسيتو عم يختنق، وبرحمة جوزف شفت قلبو أزرق نافر من صدرو من كترة الخوف على جوزف وعم يخبّط بسرعة هائلة” ولم يعد قلب الأب المذعور الى مكانه الى أن أطل جوزف من الباب حاملاً قلب الحب وحب زحلة المنتصرة هدية لأهله وناسه.

… واستشهد البشير، غضب جوزف، كان الغضب أقوى من الحزن، لأن رغم حبه للقائد واحترامه له كان يعتبر أنه يدافع عن قضية وليس عن أشخاص والبشير كان سيحمل لبنان قضية كرامة الى جمهورية الحلم، غضب لكنه لم ينهزم، كان عليه والرفاق أن يكملوا الدرب، بشير كان قوياً بهم وهم قرروا أن يبقوا أقوياء لأجل لبنان وما حمله البشير في نضاله، فرفض صوت الهزيمة أو الانكسار وعاد يتنقل مع رفاقه في جبهات العز. وجاءت حرب الجبل، تلك الحرب القاتلة، التحق بجبهة كفرمتى، وكان اخوته كل الى جبهة، أحدهم التحق في البحرية، وآخران على جبهات الجبل، والأب والأم والأختان ينتظرون في البيت في الملجأ مع الآلاف من الأهالي القابعين في السؤال والخوف، أي خبر عن الشباب، وحدها تلك الشموع ليسوع ومار شربل كانت تطفئ بعضاً من نار الانتظار. كان جوزف قائد الهجوم على تلك الجبهة، وكان مضى خمسة أيام على وصوله، وكان ينفذ واحداً من تلك الهجومات وإذ بصاروخ غراد يسقط قريباً منه ليرخي جوزف البندقية ويرتفع فوق التلّة شهيداً ولتتوقف المعارك لنحو 12 ساعة لأنه كان قائد الهجوم. ارتفع قلب القائد فوق قلب وطن غادر، وطن كبير صغير، وطن المستحيل وطن الحب، ليكون جوزف المغوار ابن الثانية والعشرين، الصامت الذي جعل من صمته أنشودة نضال، ليكون شهيد كل تلك المعاني الصارخة بالحب، الحب المضرّج بالدماء، دماء العطر، عطر التراب، تراب الأرز يا حب يا قلب يا جوزيف.

“لما وصلت بدي خبّر الوالد إنو جوزيف استشهد بلشت إبكي شافني الوالد تطلع فيي وسألني ليش عم تبكي؟ قلت شو نحنا صخر نحنا مقاتلين صحيح بس منزعل ومنبكي وجوزيف خيي، وإذ بالوالد بيفاجئني بالجواب وبيقول “إي أكيد نحنا صخر وبدنا نضل صخر”.

بضجيج كبير استشهد جوزف، الهادئ السمات الذي تحدى الفلسطينيين والسوريين وذهب في وضح النهار وعلّق مناشير المقاومة في بلدته النبطية، ذاك الصامت الذي لم يره أحد إلا نادرا ببدلته الزيتية الرائعة، كان يريد أن يقول للناس إن القوة ليست في البدلة أو الاستقواء بها إنما بالقلب الكبير الشجاع الذي لا يهاب إلا ربه وضميره، وعندما يلبس البدلة الزيتية دفاعا عن وطن إنما هو وطن بحاله. كان صمته صراخ الكرامة ولا يزال، اشتقنا لصوتك الهادر أيها المقاوم…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسَ فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.