كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1461:

في الضيعة الكثير من الأخبار عنه. ابن جريس كان قبضاي سألوا عنو بجرود زحلة… وتسأل عنه تلك الجرود، فتسمع حكاية تظن أنك سمعتها مئات المرات، لكن في الواقع هي حكاية أيضا مميزة عن “قبضاي” يشبه كثراً لكنه مميز من بين كثر، جوزف جريس مطر.
تفتح كتاب القراءة، يصف الراوي شعوره وعواطفه تجاه أبطال بلاده يوم ذكرى الاستقلال، تظن أنها أدبيات، مجرّد أدبيات تروي فصول بطولات تنهمر فوق صفحات كتاب، وتطوى معه مع آخر السطر فوق رفوف الغبائر… يختلف الأمر هنا، مع هؤلاء الشهداء والمقاومين، مع أبطال حرب زحلة تحديدا.

تخبر الرواية أن جوزف كان يملك محلا لتصليح الدواليب في ضيعته الفرزل، ويتابع دراسته في وقت واحد، وكان له أخوان وخمس أخوات. ذات صباح من العام 1975، قرر جوزف وأخوه الاكبر غابي أن ثمة أمر ما أصبح ناقصا في كيانهما، وما عاد بامكانهم جميعا في البيت العيش كما في السابق. كانت إندلعت الحرب وصار الخطر على الكيان داهما، فالتحق غابي بجبهة عين الرمانة حيث كان يسكن دفاعاً عن الوجود المسيحي من الوجود الفلسطيني المسلّح آنذاك، بينما التحق جوزف بـ”الكتائب” بداية، وصار من بين الشباب الكثر الذين يحرسون ليل الناس ونهاراتهم في جرود زحلة وقريته الفرزل، وتحوّل البيت لاحقا الى بيت مناضل تجنّد كل من فيه لخدمة القضية.

… وجاء العام 1981 وكان التحق جوزف بـ”القوات اللبنانية” مع الشيخ بشير، وكان من بين أول من لبّوا نداءه الشهير للالتحاق بالجبهات دفاعا عن زحلة. حوصرت زحلة، وقف جيش حافظ الأسد عند أبوابها يستعد بنهم لاقتحامها وإبتلاع الكرامة فيها. يوم النداء الشهير وقبل الذهاب وكما عادته دائماً توجّه جوزف الى أمه “شوفي يمّي ما بروح ع الجبهة قبل ما تترضّي عليي”، وتضحك أمه وهي تعرف أنه ذاهب ذاهب ولو وقفت في وجهه جيوش العالم فلن تردعه، “روح الله معك ويحميك من شرّ عدوينك” وذهب. لكن الوالدة لم تكن تعرف أن أبنها وقبل أيام قليلة من استشهاده، جلس في لحظة هدوء هاربة وقال لرفاقه “أنا بدّي استشهد”، وأمام دهشة الرفاق مزّق علبة دخان فارغة ورماها جانبا، وهي عادة من عادات الضيعة أن يمزقو علب الدخان في خلال المأتم!!!

كانت زحلة في النار، كان الشباب يتوافدون من كل المناطق للدفاع عنها، من الأشرفية وجونيه وهناك وهنالك، وكان هناك جوزف في جرود زحلة فوق تلة في منطقة تدعى المقلع. كان المطر غزيراً والصقيع ينخر الجرود بطبقة جليد تنذر بما ستكون عليه الساعات المقبلة. شن جيش الاحتلال هجوماً عنيفاً، وطوّق الشباب من كل الجهات، كان من الضروري الانسحاب من تلك البقعة تمهيداً لتطويق المهاجمين من اتجاه آخر، كان يجب أن يبقى أحدهم لإلهائهم عن الهدف الرئيس. طالبهم جوزف بالانسحاب وتولّى لوحده أمر تغطية الجبهة. بدأوا ينسحبون وبدأ السوريون بالاقتراب. جنت فيه الثورة، ذاك الجنون الذي لا يعرف حدوده حين ترى محتلين يدعسون وبوقاحة لا متناهية تراب الوطن، وتحت أنظار رفاقه أفرغ كل ما لديه من ذخيرة في المحتلين، كان يدور على نفسه ليحصد منهم ما يستطيع كي لا يتمكنوا من الموقع ومن رفاقه، قُتل منهم الكثير، المهاجمون، وأنقذ من شبابنا كثرًا وبقي وحيداً. فرغت ذخيرته لكن كان حان وقت زجاجة الحياة فيه لتفرغ، فاقتربوا منه وأفرغوا كل حقد السنين وروح الانتقام في إبن الـ 18 عاماً، ووقفوا عنده يتباهون، كانوا كثرًا وكان واحدًا، قتل منهم كثرا ولم يتمكنوا سوى منه فاحتفلوا بالنصر الجبناء…

بقي جوزف هناك يومين ولم يتمكن رفاقه من إسترداده، كان الجبناء يريدون إذلاله وإذلال الشباب معه تعويضاً عن خساراتهم الفادحة. ويروي أحد الاهالي في الضيعة، أن السوريين أصيبوا بالذهول، إذ لم يصدّقوا أن مقاتلاً تمكّن منهم بهذه البساطة ليحمي رفاقه والموقع. ويُروى أن أحد المهاجمين صرخ برفاقه “لو كنتو متلن ولو عنا مقاتلين متلو ومتل “القوات” كنا إحتلينا إسرائيل من زمان”…

لكن لم تنته حكاية جوزف هنا، كان ثمّة ما هو أسوأ بعد في إنتظاره بالضيعة، لم يتمكّن أهله من دفنه كما يليق بشهادته وبطولته الفائقة، إذ عمد مسلحو الحزب “القومي السوري” الى تهديد الأهل، ومنعوا أمه من الذهاب الى الكنيسة لوداعه، كما منعوا إقامة جنازة حاشدة له، وهددوا أهل البيت والام المفجوعة بعدما دهموا المنزل ومنعوها من البكاء. ذهب جوزف الى بيت يسوع وحيدا لم يرافقه الا القليل القليل من الأهل، لكنه ذهب مكللاً بالشهادة وبالنصر وبالحب الكبير وبالاحترام الفائق. هو الآن يسكن بيوت الجميع، صورته موزعة هناك وهنالك مع صور أبطال زحلة وشهداء الضيعة وهم كثر، بينما يسكنون هم اللعنات والاحتقار والشفقة. هو الآن يشعل سيكارة ولا يمزّق العلبة الفارغة، لا مآتم حيث يسكن، ويراقب من فوق مأتم المحتل اليومي ويضحك في قلبه ويسامح، اذ يعرف أن لبنان لا يموت. وحدهم هؤلاء التجار والعملاء والمحتلين يعيشون في المقبرة وان ظنوا أنهم أحياء… هذه كانت حكاية جوزف ابن جريس القبضاي…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.