كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1425:
لن نكتب قصة حزينة. أبدا. هي حكاية طوني سمير ضو. سطورها قليلة نسبة الى عمر الشهيد، لكنها طويلة ومن عمر الشهادة نسبة الى نضاله. في الثالثة والعشرين، ماذا يفعل شاب بسنين لم يكتمل فيها حلم، ولا حلم؟! يفعل الكثير اذا شاء…
شهادتنا دوت كوم. صار طوني ضو من أهل هذا الموقع. منذ ستة أعوام قرّر أن ينقل عنوان اقامته ويصبح من ساكني المكان. هو موقع “القوات اللبنانية” لتكريم شهدائها. “أبو العجقة” الذي تضجّ به الحياة وتعرف البناية والحي في عين الرمانة انه وصل البيت من صوته حين ينده على الجميع من الطريق، كان يعرف انه لن يبقى طويلا في ذاك المكان، وان في انتظاره علم الشهادة.
“روح ملفوف بعلم مش أحسن ما روح زليط؟!” كان يرى نفسه عاريا من خارج إطار الشهادة، من خارج إيمانه بـ “القوات اللبنانية”. “كان يعرف إنو رح يموت قريبا” تقول والدته السيدة ليندا. وكان دائما يقول لها “بس تجي ساعتي بدها تجي انت مش مؤمنة أمي؟” هو الخوف من خسارته، والخوف إياه الذي دفع الوالدة لرفض انغماسه بـ “القوات اللبنانية”، لكنه فعلها سرا. “كان أوقات يلبس قميص أسود وبس اسألوا ليش هالقميص اليوم يجاوبني هيك خطر ع بالي، وتاني يوم شوف صورن بالجريدة وأعرف أنه كان عم يشارك بنشاط للحزب”.
كانت تخاف عليه هو “غنوج العيلة”، وتخاف على أخيه واخته أيضا خصوصا في فترة الاحتلال السوري حين كانت “القوات” محظورة وغالبية الشباب أصبحوا من نزلاء وزارة الدفاع، لكن الأولاد تمردوا على إرادة الأهل، وحفروا طريق نضالهم بعنادهم وعنفوانهم وإصرارهم على المشاركة في صنع استقلال بلادهم.
“لا أخاف من الموت بل أخاف من دمع أمي” كان يردد أغنية مرسال خليفة، هو من يحب الموسيقى ويعمل بها، ومع ذلك كان لديه إصرار غريب على مرافقة النائب أنطوان غانم لحمايته رغم معرفته أن نواب 14 آذار عرضة للاغتيال في كل لحظة “بدي روح مع أستاذ أنطوان أمي ما بحب اتركو وحدو” وقبل عشرة أيام من استشهاده وغانم، استدعى والدته على غير عادة وسوّى حساباته المالية معها “هلّق صفّيت نيتي معك، اتركي هالمصاري على جنب ليوم أسود ما حدن بيعرف شو ناطرو” وكانت المرة الأولى التي يخاطبها بهذه الجدية.
مساء الثلاثاء، أي قبل ليلة من استشهاده قال لأخته “إذا متت ضميري رح يكون مرتاح ويللي بدي أعملو عملتو”. الأربعاء 19 أيلول 2007 صباحا دوّت به الشهادة وصار حيّا فينا… كيف لمناضل في الثالثة والعشرين أن يقول “عملت لـ عملتو” يا الله، ما تراه فعل ونحن لا نعلم؟! وكأنه كان يرسم درب شهادته قطرة دماء وراء قطرة، أكيد ذهب مبتسما لأن علما ينتظره، يتلفلف به وكأنه قطعة صيف تدفئ كانون.
كان ينتظر اللحظة التي تنفجر فيها الكرامة، الشهادة كرامة، لم يكن يخاف. يرسم إشارة الصليب صباحا وينطلق سهما في الحياة، يعشق “القوات اللبنانية”، “أنا خلقت ت كون بالقوات”. يحب وطنه “لشو بدنا نعيش إذا راسنا بالأرض؟” أخبار وحكايا عنه لا تنتهي، في الكشافة، في مصلحة الطلاب، رئيس لجنة الإحصاء في خلية الدكوانة في دائرة المهنيين، يتابع اختصاصه لنيل إجازة امتياز فني اختصاص كهرباء وكان مفترضًا أن يتخرج لو لم…. هذه عبارة تسبق دائما شهداء المقاومة المسيحية، لو لم، لو لم يسبقه مجرمون ظنوا أنهم قتلوه فإذا بهم يُقتلون.
كأنه ما زال موجودا “لأ بعدو موجود مش كأنو” تقول والدته التي تحادثه بشكل اعتيادي، تتناول طعامها معه، تطهو له الكوسا التي يحب وورق العنب والكبة بصينية، ترتب سريره وخزانته وأغراضه وعدة الموسيقى التي كان يعشق وعدّة الكشافة أيضا.
طيب لو بقي هنا ماذا كان أصبح؟ “أحلامه كبيرة جدا، لكنه بذات الوقت كان عارف انو رايح”! هل لأنه مناضل رأى درب شهادته؟ من أخبره عنها؟ من أنبأه بها؟ هل الأحلام التي رسمها تضمّنت مساحة أكبر للشهادة؟ هل الشهادة حلم؟ لا يُسأل مقاوم هكذا سؤال، فيه الكثير من التشكيك وقلّة الإيمان، طوني ضو وبنظرته الزرقاء البعيدة، تخطى المساحة والسؤال، صار حيث كان ينشد، حيث أحب أن يكون، ذهب مبتسما، دمعت عيون أمه، دمعت كثيرا، وكذلك والده المريض الذي ما تحمّل الغياب أكثر من تسعة أشهر فلحق به واستراح، ولا أخته ولا شقيقه تحملا، لكنهما يبتسمان له دائما. صار لهم عند الثائر الأول والشهيد الأنقى في الدنيا، عند المسيح، صار لهم زهرة وبندقية، نعم بندقية لكنها محشوة بالرجاء والمحبة، وكل يوم يمر طوني الشاب الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين، صار بلحظة من عمر الأرض، من عمر أرزة تشبهه، خضراء تنضح منها الحياة جذورها لبنان وأغصانها منتصبة الى فوق حيث السماء. هي الشجرة الوحيدة التي لا تنحني للريح، هي كما شهداؤنا، وهذه حكاية ليست حزينة لأنها تحكي كبرياء وطن….

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

