كتبت ستيفاني جرجس في “المسيرة” العدد 1420:
الزمن لن يطول فسأعود بطلاً مكفناً إلى قريتي الحبيبة “عبدين” إلى مأواي الأخير، وإن طال الهجر وجارت علينا الايام وصيتي ان ادفن تحت “سنديانتي” بين أهلي قرب كنيستي.
كان يستيقظ في الصباح الباكر ليسجد لرّبه و يشكره على ما اكتسته الأرض من عطاءات. ليبدأ بعدها نهاره بالسير على الأقدام وصولاً إلى مدرسته في طورزا. قضى أجمل أيام طفولته وهو تارة يتنزه في الحقول ويجمع زهور البنفسج وطوراً يقصد الوديان ويتسلق التلال.
.jpg)
هو أنطوان العنداري، إبن البيئة المسيحية والعائلة المقاومة والمثالية في قدوتها. عشق الأرض وما فيها جاعلا من السماء غطاءه والكنيسة ملجأً له ولمشاكله. طفولته البريئة وأجمل أيامها كسرتها الظروف القاسية والحاقدة من دمار وخراب الى أرض مدنّسة بالأعمال الشنيعة الى أرواح شباب تحصدها القذائف ووطن يصارع الموت بالشهادة.
شقيقان من لحمه ودمه يقاتلان في أرض المعارك وطبع اندفاعي ومقاوم. خلفية دفعت به تلقائيا الى أن يمشي على خطاهما. “كان ذلك في يوم من أيام شباط الباردة حين قررنا ورفاقي الالتحاق برفاقنا على الجبهة الشمالية. مساء الأربعاء اتجهنا الى المركز البحري فقضينا الليلة هناك وفي الصباح اتجهنا الى الثكنة الجردية وانتظرنا على نار ساعة انطلاقنا الى أرض قنات أرض المعركة. انطلقنا مرافقين الصعاب مع كل 10 أمتار قذيفة، لكننا والحمد لله وصلنا بخير واتجهنا مباشرة الى المتاريس الامامية والرصاص يلعلع بين أرجلنا. أشرق الصباح وأشرقت معه الهجمات السورية، ثلاث هجمات باءت بالفشل فعدنا الى المراكز الأساسية وقلبنا مليء بالفرح فرحة النصر”.
.jpg)
لكن الفرحة لم تكتمل فأعز شاب عرفه في حياته والأحب الى قلبه قتل في تلك المعركة، فما كان له إلا أن يعاهده “أعاهدك يا رفيقي الشهيد وأعاهد دماءك الطاهرة أنني سوف أكمل طريقك طريق الشهادة التي بدأتموها ورفاقك ورسمتموها بدمائكم. أعاهدك أن أسقي أرزة لبنان في أي لحظة وفي أي يوم وأن لا أبخل دقيقة واحدة عن الاستشهاد في سبيل حرية لبنان واستقلاله”. أكمل انطوان طريق رفيقه وخاض معارك عدة في كل الجبهات وفقا لمهمته باستثناء معركة الجبل حيث تم فصله الى معركة بحمدون كآمر حضيرة في سلاح المضاد.
في٤ أيلول ١٩٨٣، مهمته اختلفت. لقاؤه بشقيقه بول بعد طول الهجر كان الأكبر والأخير. فقبل ليلة من استشهاده يروي بول “كان أنطوان بمركز القيادة قاعد على الدرج وراسو بالأرض، تطلع فيّي والدمعة بعينو وقال: “أنا على الخطوط الأمامية وما بعرف بأي لحظة بتجي ساعتي وبستشهد فانتبه يا خيي على حالك ووصيتي إلك ترجع وتدفني تحت السنديانة بين أهلي وكنيستي”.
150 مترا تفصل بين الأخوين، بول في المركز برفقة الحكيم وأنطوان يتنقل في الـ “jeep” هو ورفاقه الثلاثة شوقي الزغبي ونايف أبو أنطوان وغسان بعقليني من منطقة الى منطقة في قلب شوارع بحمدون. لكنهم فوجئوا بـ 10 مسلحين على الحاجز فاعتقدوا لوهلة أنهم رفاقهم لكن الحاجز كان مجرد كمين للإيقاع بهم، فأصيب أنطوان فورا واثنين من رفاقه.
سقط أرضاً وتم نقل جثمانه ليبقى على مذبح الكنيسة، ليعود بول بعد 9 سنوات لينفذ وصية شقيقه. لكنه لم يجد أثرًا لكنيسة أو مذبح بل صخرة صغيرة الى جانبها بعض الرفات. إنها رفات أنطوان. أتى بول ليأخذها وليدفنها بعد 30 عاماً في عبدين كما طلب أنطوان الى جانب 8 من رفاقه وقرب أهله وناسه.
في 5 أيلول 1983 استشهد أنطوان فكان هذا اليوم بداية لمسيرته على درب الشهادة ويوم الوفاء لصديقه الشهيد. أعطى أنطوان ولاءه للبنان وقدم على مذبحه روحه و دمه.فالدفاع عن عرضه وشرفه وعائلته اللبنانية المقدسة هو واجب وطني مقدس.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.