#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: سليمان الشدياق شهيد واحد بمعارك كثيرة… أوقفوه في ليلة عرسه

كتبت ريتا عازار في “المسيرة” العدد 1421:

غريب هذا الحضور، كأنه هنا بينهم، كأن القصف الذي طاول محطة الإرسال التابعة للمؤسسة اللبنانية للإرسال في فتقا في حرب تموز 2006، لم يطله. سليمان بولس الشدياق ببشاشته وقلبه الكبير وعافيته، كأنه هنا، على السطيحة في بيت أهله. إنه ليس هنا فقط في كلام والدته مارسيل وشقيقه ايلي وشقيقته رفقا، بل في حنايا أصواتهم وبريق عيونهم والتماع الدموع فيها، في قلوبهم وذكرياتهم ودائماً في أحلامهم. إنه هنا أيضاً في بيته المقابل لبيت العائلة، مع دوللي زوجته وشربل وبول ولديه. غريب هذا الحضور الطاغي، أو ربما ليس غريباً. فسليمان هكذا كان حضوره دائماً في عائلته وفي بلدته فتقا. كان المسؤول عن القوات اللبنانية فيها. محب ومحبوب، والأكيد أن كل هذا الحب والتفاني والفرح هو ما جعله دائم الحضور في قلوب من عرفوه.

دموع كثيرة رافقت الحديث عن سليمان، إيلي شقيقه الوصي على ولديه، وعده يوم استشهاده أن شربل وبول سيكونان ولديه هو، “صحيح ما في شي بيعوّض خسارة البيّ، وخصوصي بيّ متل سليمان، بس كلنا عم نجرّب أنا واختي وخيي جاك نكون دايماً حد مرتو وولادو”.

سليمان أطلق اسم شربل على ولده البكر تيمناً باسم شقيقه الأكبر الذي استشهد في العام 1983 وكان في الثالثة والعشرين من عمره، وكان شربل توأم جاك، وسليمان ترتيبه الثالث في العائلة، لم ينس شقيقه الشهيد.

شارك سليمان في معارك كثيرة على جبهات كثيرة، تقول رفقا، وقتلوه في عمله قرب بيته. كان عمر ابنه شربل ستة أعوام وعمر بول ثلاثة.”

حكاية سليمان مع القوات اللبنانية طويلة، التحق بها يافعاً، غافل والديه في احدى الليالي ليرافق الشباب ويلتحق بهم على جبهة جاج، وكان في حصار دير القمر. تقول رفقا “عندما عاد كانت الجوارب ملتصقة بقدميه وكان اللحم ينزع عنها عندما كان والدي يساعده في نزعها.”

ويروي إيلي من جهته، إنه كان رفيقاً دائماً لسليمان، حتى انه كان في فرقته، وان سليمان لم يكن مطلقاً يميزه عن سواه من الشباب. ترافقا على الجبهات وفي الدفاع عن لبنان، وبعد الحرب وفي زمن الوصاية كان لهما حصة كبيرة من التوقيفات والتحقيقات، “بليلة عرسو إجوا وسحبوه لسليمان من البيت، وأخذوه ع التحقيق، صاروا الناس عنا بالبيت وسليمان موقوف من دون سبب إلا لإنو قوات لبنانيي”.  لم يتخلّ سليمان يوماً عن قناعاته، وفي أول انتخابات بلدية لم يخش التحرك وكان له التأثير الكبير على أهل فتقا في تلك الانتخابات.

ويوم كان البطريرك الماروني السابق مار نصر الله بطرس صفير سيزور فتقا، أوقفت المخابرات سليمان، كانوا يخشون أن يرفع الشباب علم “القوات” أو صورة الحكيم أثناء الزيارة، وكانوا يعرفون مكانة سليمان عند الشباب.

قلب سليمان الشجاع والوفي للقضية ترجمه في كل مسيرته، وفي زمن ثورة الأرز، كان حاضراً طول الوقت في ساحة الشهداء، وبنى صداقات جديدة وجسورًا مع كثيرين.

يذكر إيلي كيف بكى سليمان وهو يشاهد الحكيم خارجاً من السجن على شاشة التلفزيون، لم يتفوه بكلمة. ركع وقبّل الأرض لانقضاء الظلم.

كما ترافق الشقيقان في الدفاع عن القضية اللبنانية كذلك ترافقا في تفاصيل حياتهما العملية. يوم قرر إيلي السفر إلى غامبيا للعمل، دعا له سليمان بالتوفيق. لكنه اشتاق كثيراً إليه. ويوم رجع إيلي مع عائلته قال له سليمان “كان جانحي مكسور اليوم رجعت طير”. يتذكر إيلي هذه العبارة ويحزن ويقول “أنا انكسر جانحي على طول”. تحزّ كثيراً في قلبي رفقا وإيلي كلمات يقولها شربل لأولادهما، يبكيان عندما يستعيدانها: “نيالكن فيكن تقولو يا بيّ”.

الأعياد لم يعد لها الطعم نفسه بعد استشهاد سليمان. كان يحب جمع العائلة خصوصاً في عيدي الميلاد ورأس السنة. يريدهم كلهم ليفرحوا معاً، اليوم تبدّلت الأحوال. سليمان الحاضر كثيراً، رحيله موجع على قدر حضوره.

أثناء حديث إيلي عن سليمان يمر صبي صغير، فيقول: ابني أنطوني، لما مات سليمان كان عندي بنتين وقلت لخيي خلص، هلأ بدي عيش أنا ومرتي وننبسط مع بناتنا. بعد ما استشهد صار جو البيت قاسي كتير وصعب. بعد تمان شهور، شفت سليمان بمنامي وجّو أبيض مرتاح “يلا يا خيي هلأ بدنا نجيب الصبي”. وتاني يوم قصدنا الطبيب وعرفنا انو ديانا (زوجته) حبلي. كان يريد أن يسمّيه سليمان لكن أستصعبت العائلة الأمر، فسليمان وقلبه المحب حاضر جداً وموجع جداً غيابه، وسيبقى.

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

خبر عاجل