
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1493:
لما صار عمر دايفيد تسعة وعشرين يوما، قرر هنري أن يفتح باب السماء ليصبح من ساكنيها، لماذا لم يبق قليلا بعد ليتعرف إليه ابنه؟ لان الشهادة لا تنتظر مواعيد الارض والأرض لا تحتمل إيقاع روزنامة الناس حتى أقرب المقربين، هو النداء وهم يلبّونه ساعة يجب وكان يجب، هنري داوود داوود “أبو دايفيد” العريس الشهيد.
ابن زحلتا في جزين، وجزين تلك لها ما لها من حكايات أبطال وشهداء ومناضلين، لا يعرف الاهل كيف عبر العمر بهنري، كل شيء على عجل، إنتمى الى المقاومة باكراً، تزوج ميشلين باكراً أنجب دايفيد. ناضل… استشهد وصار حكاية. ستة وعشرون عاماً لا تكفي لنفعل كل شيء بذات الوقت وبأسرع وقت أيضا، يمضي عمر ونحن لا نلحق أن نفعل الكثير فكيف بعمر قصير كهذا؟! ربما لأنهم يعرفون أن العمر سيقطفهم باكراً الى الرحيل فيستعجلون؟

لم يكن هنري يسأل عن شيء، لا عن مقابل لنضاله ضمن “القوات اللبنانية” بطبيعة الحال، ولا عن الثمن الذي قد يدفعه بسبب هذا الاندفاع اللامحدود نحو تحقيق هدف القضية، الهدف الكبير جلاء جيش الاحتلال السوري عن لبنان، تحقيق حلم البشير بجمهورية قوية واستقلال لبنان، هذا ما كان يريده، في السادسة والعشرين لكن عقله ونضاله كمن تجاوز الاربعين، وحمل كل خبرات الحياة في الوجه الحلو والقامة الطويلة والقلب الذي لم يعرف لحظة معنى التردد أو الخوف.
“كان كتير شجاع وقلبو طيب كتير وما يخاف الا ع الناس انو يتأذو من القصف حتى لو كانوا من ضمن المناطق المحتلّة” يقول أحد رفاق نضاله من المقاومين. كان يسكن في برج حمود وزحلتا، أو زحلتي بلغة ابناء الضيعة، وكل جزين في القلب والبال، كان يعرف أن الأرض ستتحرر مهما طال الوقت طالما ثمّة ثوار حق، ثمّة “قوات لبنانية”.

تعرّف الى جارته ميشلين، أحبها وتزوجها بعد ستة أشهر من اللقاء. “تزوجتو لأن كان بـ”القوات” وكنت ضل ناطرة أيمتى بيوصل ع البيت، كنت خاف عليه كتير بس مع الوقت تعودت عالخوف، كان يبقى بالخدمة أكتر بكتير مما يبقى معي” تقول زوجته ميشلين ولا نقول أرملته. “مرق وقت كتير بس بعدو معنا متل أول يوم” غريب كيف تتوّحد مشاعرهم، أهل الشهداء، غريب كيف تصبح معاناتهم شمعة تضيء درب رجاء ترشد قلب يائس قليل الايمان.
“بالوقت القليل ل قضيناه سوا اكتشفت شب حنون مهضوم روحو حلوة ومرة ما عندو للزعل مطرح بس خبّرتو اني حامل صار يجرّب يكون حذر اكتر شوي بوقت الخدمة أو ع المتاريس لكن وقت اللي ربنا بيرسم درب انسان مستحيل يتغير الدرب ونحنا ناس مؤمنين” لما ولد دايفيد شعر هنري انه امتلك كل شيء، كان ينقصه فقط تحقيق الفرح الكبير الكبير، حرية لبنان، وبدل ان ينكفئ زاد اندفاعا، “بس ما يكون في عندك ولاد بتقاتل لارضك وبس يصير عندك ولاد بتقاتل لارضك وولادك” قال مرة لرفيق له.

كان عمر دايفيد تسعة وعشرين يوما، وكان عمر هنري ستة وعشرين وعمر ميشلين عشرين، وكان من المقرر أن يلتحق في الغد بمركز خدمته في منطقة عاريا، لكنه استبدل الغد باليوم لينوب عن صديق له لم يكن زار أهله منذ اسبوع “روح إنت عند أهلك وأنا باخد مطرحك، أنا مبارح شفت العيلة”. ذهب بالجيب مع أربعة من رفاقه، وهناك عند غاليري خيرالله استهدفتهم قذيفة، جُرح الاربعة وذهب هنري الى المقلب الاخر يزرع الدروب صلاة وقيامة مع يسوع “لو كان مخبّى تحت سابع أرض كان رح يموت، نحنا ناس مؤمنين وفخورين بشهادة هنري وخبّرت ابني كل شي عنو وابني فخور ببيّو لأنو مات فدى قضية، كل لـ راحوا راحو لأجل أرض وقضية حوّلتها الدولة لمهزلة، هني مقاومين بس الدولة عملتن ميليشيا وحلّتن لكن بقوة الله والحق رجعنا”.
رفضت أم دايفيد الزواج لتبقى وفية لابنها وزوجها، وصار الطفل شابا يحكي عن والده كمن يروي حكاية من زمن بطولات مستحيلة “بيتفاجأوا أصحابي أوقات لان بيي شهيد، أكيد شهيد وشايف حالي فيه وبشهادتو وهيك رح ضل كل عمري، كل الشهدا دافعوا عن رسالة ولو لم يفعلوا وين كنّا اليوم؟ لست أفضل من غيري ولو ما كان بيي شهيد لكان رح يكون بي حدن غيري”.

بداية حقد دايفيد على القتلة ولعنهم، ولكن لما كبر ونضج وانضوى ضمن الكنيسة تعلّم أن الحقد سلاح الضعفاء، فسامح لكنه لم ينس “بيقولو اني بشبه بيي كتير وبحب اني بشبهو، هو محبوب بكل الضيعة والكل يحترمه جدا ويتكلم عنه بعنفوان وفخر، صحيح لست مقاوما مثله لكنني أرفع رأسي أني ابن الشهيد هنري داوود”.

تبدو جميلا في بدلة العرس، أكثر جمالا بالبدلة الخضراء، في منتهى النقاء صورتك وأنت تطل من غياب 33 عاما، غيابك من عمر يسوع، وأنت تحتفل معه قل له “ربي هلّا جعلت من شهادتنا عرس الحق في لبنان؟” ليتك تفعل وليته يستجيب وسيفعل بالتأكيد لأجلكم أولاً..

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
*هذه الصور خاصة لمجلة “المسيرة”