كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1417:
كان قلبو قوي. تقول آمال الأخت الكبرى. لكن قوة القلب جعلته شهيدا في الـ18 ربيعًا. حقيقة قاسية لكنها حقيقة.

مارون جبرايل طنوس. نقول إن اسمه مقاوم أم هو شهيد؟ لا فارق طالما رائحة الكرامة هي ذاتها تعبق في الحالين. كان وكأنه مسكون بريح الغياب. لا يهدأ، لا يستكين، موجود في البيت لكنه غائب عنه، أفكاره في غير مكان. لم يكن يعجبه شيء لا يعرف ما يريد وإن كان في سره يعرف وخشي بداية أن يبوح. ترك المدرسة لأنه لم يستطع أن يستمع الى شرح الأستاذ في حين كان يعرف أن شبابا من عمره، وربما أصغر سناً بعد، يجلسون الى غير مقاعد غير جلسة، خلف المتراس. كان مسكوناً بجنون المواجهة. حاول بالإكراه حيناً، بقوة المنطق التي كانت تدعوه لاستكمال دراسته أحياناً، لكنه لم يصمد، فشل في الصمود كشاب عادي يتلقى العلوم ويسمع الأخبار ويهرب مع الأهل الى الملجأ حين تشتد وتيرة القصف، أراد أن يكون في قلب الحدث، أن يكون مع الشباب حين يحرسون ليل الناس ونهارهم والطرق والبيوت، أراد أن يحمل معهم ربطات الخبز الى الملاجىء حين يتعذر عليهم الوصول وقت تنهمر القذائف السورية طحينا فوق رؤوسهم، أراد أن يقف وجها لوجه مع عدو هذه الأرض ليقول لهم “شيلوا إيديكن عن لبنان”، وهذا ما حصل، هذا ما فعل.

ترك مارون البيت وقال لأهله “مأخّر ما تنطروني ع العشا”، وذهب الى الثكنة في المجلس الحربي وخضع لدورة تدريبية لمدة عشرين يومًا، وبدأ يتسلم مهامًا صغيرة هنا وهنالك عند بعض الجبهات، الى أن جاء القرار الكبير والذهاب الى فوق حيث كانت تدور حرب الجبل إياها. كان في الثامنة عشرة، في دمه تغلي المقاومة، وفي باله أن كل ما هو غير مقاوم هو ليس بلبناني، وأن من هو غير لبناني فهو إذن لم ينل بركة الله ولا القديس شربل. كان يعيش نعمة الانتماء الى لبنانيته لذلك عندما أخبروه أنه مطلوب للدفاع عن الناس في تلك الحرب، حرب الجبل، كاد يطير فرحًا، “أنا رايح ع الجبهة” قال لأخته، وكأنه ذاهب الى العرس، وكان العرس.

خرج من البيت الصغير ولم يعد، إذ سكن بيتا أكبر بكثير فيه من الشعاع ما يغمر عالمًا، ومن الضوء ما يبهر دنيا بحالها. هو الآن مع تسعة شهداء يسكنهم عطر الشهادة في كنيسة مار يوسف. هو الآن يسكن صفحات حياة لا تعرف عتم الاحتلال، ولم تذق يومًا قهر الذل والعبودية، هي حياة مكللة بغار الكرامة ومجد القيامة مع سيد القيامة، وليس أقل من هذا.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” مع عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.