
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1490:
فجأة سقطت قذيفة هاون من عيار 60 ملم أمام حاجز لـ”الانضباط” في الصيفي، طارت شظية وحطت في صدر إيلي، بعد ثوان تنبّه لحاله، شعر بشيء ما ساخن يسري فوق ثيابه، نظر الى رفاقه مندهشا “يي هيدا دم! أنا منصاب هون” ودلّ الى قلبه، ولما وصلت سيارة الاسعاف كان إيلي بدأ يغيب الى أن تلاشى، فكتبوا في تموز 1976 استشهد ابن الكحالة إيلي توفيق بجاني وهو في العشرين! ألم يبكر في إستشهاده؟!
هذا صار سؤالاً عبثياً سوريالياً حين نتكلم مقاومة مسيحية. هل عندما كان يلتحق الشباب ببعضهم البعض في الأحزاب المسيحية “الكتائب” والأحرار” وغيرهما بداية، عند اندلاع الحرب مع المسلحين الفلسطينيين بداية السبعينات، هل تمكن أحد من ردعهم آنذاك؟
هل ترددوا حين التحقوا خوفاً من الموت استشهاداً؟ هل تراجعوا إذعانا لارادة الاهل أو الأصحاب والأقارب؟
هل سمعوا صوت “العقل” ينده عليهم بالعودة آمنين هانئين الى منازلهم، بدل أن يسكنوا المتاريس ويعتنقوا البواريد؟ لو حصل كل ذلك لكنّا الان في غير مكان، ولكان لبنان ليس لبنان بالتأكيد.

هو ابن الكحالة إذن، تلك المتمرّدة الواقفة حجر عثرة على تخوم الجبل، قشّة في عين حاسد، جملة اعتراضية في سطر محتل. كان في السادسة عشرة من عمره، وكانت تلك الاخبار تتوارد عما يسمى بالفدائيين آنذاك، أي الفلسطينيين، ومواجهاتهم في جنوب لبنان مع الاسرائيليين في عزّها.
كان المسلحون الفلسطينييون مددوا وجودهم المسلح في بيروت والضواحي وحوّلوا المخيمات الى ثكنات مدججة تعيش بين المواطنين العزّل، وكان ذاك المناضل وليم حاوي. أربعة شباب وثلاث صبايا ووالد هو صديق لحاوي وللشيخ بيار الذي كان إشبينه، وبيت يغصّ دائماً باجتماعات “الكتائب”، ووالدة دائمة الابتسام والترحيب بكل ما يشير الى الدفاع عن لبنان.
كل ذلك انطبع في ضمير إيلي، فقرر ترك كل شيء والالتحاق بشباب “الكتائب”، هو العام 1973، حروب في كل الاتجاهات، سوريا واسرائيل، سهل البقاع تحول مسرحا لطائرات الاسد التي كانت تهوي تباعا تحت ضربات العدو الاسرائيلي، كانت حرب تشرين، قُصف ما كان يعرف آنذاك بالرادار عند أعالي قمة جبل الباروك، كانت حروب الكبار على أرضنا الخضراء الحلوة، كل ذلك والمسلحون الفلسطينيون يتوغلون بعمق في قلب بيروت وهنا وهنالك.
لم يحتمل المشهد، مثله مثل مئات سبقوه وآلاف لحقوا به، قرر انه سيكون مقاتلا في المقاومة المسيحية، فتسلّم بطاقته الحزبية من الشيخ بيار وكان مثاله الاعلى الشيخ بشير وكان مقرباً جداً منه، وبدأ بالتدريبات العسكرية المكثفة.

لم يمر وقت طويل حتى أصبح ما يريد أن يكونه، مقاتلاً وليس أي مقاتل، خاض كل المعارك قبل أن يخسر معركة حياته، ذهب الى الفنادق ووقف جبهة بوجه الفلسطينيين وحلفائهم من اللبنانيين، ومنع مع رفاقه تمددهم الى بيوتنا وأراضينا، حارب دفاعا عن بلدته الكحالة التي كانت على مرمى أطماع ممن كانوا في ذاك المحور المضاد لوجود لبنان الجمهورية اللبنانية الحرة المستقلة، إستبسل في معركة الاسواق وكأنه مقاتل عتيق معتّق في المواجهات خاض أشرس الحروب وأخطرها، وغيرها وغيرها من الجبهات التي ذاقت وقع أقدامه وخبطة بندقيته التي لم تعرف لحظة خوفا أو ترددا.
“كان كتير منضبط بس بذات الوقت كان عندو روح قتالية عالية كتير وشجاعة استثنائية واندفاع مخيف، وكان عندو أفكار مثالية لناحية الدفاع عن مناطقنا بهيداك الوقت” يقول أخوه روبير الذي كان أيضا مقاتلاً في جبهات الحرية “كلنا كنا كتائب بالبيت بس هو كان شعلة حركة واندفاع”.
شعلة الحركة والاندفاع تلك جعلت رفاقه في بيت الحزب بالأشرفية يطلقون عليه لقب “وَرْوَر” أي سريع الحركة فعّال، يتنقّل بين الجبهات وفي مهماته بسرعة وفعالية فائقة. في العشرين وكان تولى مراكز إدارية حساسة وخصوصا في ما كان يعرف آنذاك بالـ “إس كا إس”، وهكذا كان يُتداول اسمه بإعجاب بين الجميع: ذهب ورور وعاد ورور، وهو لا يبالي لا بمديح ولا بإشادة، ولا ينتظر أو يتوقّع الا أمراً واحداً، تحرير بلاده من المسلحين الفلسطينيين ومن السوريين الذين كانوا بدأوا ينغلون بطول البلاد وعرضها، وكان يريد شيئاً آخر بعد، أن يصبح اللبنانيون قلبا واحدا لمواجهة الغرباء.

الوسيم الاشقر ذو العيون الخضراء الواسعة، كان كالضوء تتحلّق حوله الفراشات، في عزّ عشرينه والصبايا من حوله فراشات عمره، كثيرات كنَّ كذلك. ولم يتسن الوقت لقلبه أن يختار واحدة يسكنها تلك النبضات المتسارعة خلف خطر الوطن. أخذ الحزب منه كل شيء، هذا حبّ. أعطى أرضه كل حاله قبل أن تحتضنه طري العود قوي التجربة.
قبل استشهاده بفترة قصيرة وكان إيلي الى جبهة وروبير الى اخرى والوالد في اجتماعات الحزب، سألت سيدة والدته “ولادك بالشارع ليش ما بتضبيّن وبتفلوا من البلد؟” لم يعجب السؤال الام المناضلة التي غرزت فيهم الوطن غذاء الانسان قبل خبزه “اذا رحنا كلنا مين بيدافع عن المسيحيين” أجابت، ولما استشهد إيلي سُئلت للمرة الثانية “مش أحسن لو فلّيتو؟” هزت رأسها وأجابت “ومين بيبقى ت يدافع عنا؟” وماتت لاحقا وهي مقتنعة بالقضية، ومات أيضا الوالد بصمت وخوف على أبنائه وهو مقتنع بأنه أحسن تربيتهم على حب الأرض، واستشهد إيلي وهو مقتنع بأنه لولا شهادة الشباب لما بقيت أرض لنا ولما بقينا، وأن الشارع الذي جعلناه ذات تاريخ منزل المتاريس وجعبة البنادق، ولولا رائحة البارود التي عبقت به عطراً، لكان صار لبنان مذلّة المسيحيين والمسلمين، ولكانت الريح نهشت الارض والكواسر نبشت قبور الشهداء ولما بقي عطر في هذا الشرق اسمه لبنان…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.