
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1432:
صار عمر ساندرا 25 عاماً. لو بقي حياً في الحياة وليس فينا فقط، لكان صار عمره خمسين. هي لا تعرفه شخصياً أو لا تذكره، هو استلحق حاله وكحّل قلبه الرقيق بقبلاتها البريئة الحلوة. ساندرا ابنة أخته، وهو غسان أبو الياس شهيد “القوات اللبنانية”.
أما كاهن أو مقاتل في “القوات”، ماذا يجمع النقيضين؟ لا أظن أنهما نقيضان، هي صلاة انما الأسلوب مختلف. الأول يصلي من أجل المحبة والسلام وينقل رسائل المسيح وأقواله، والثاني يقاتل من أجل الحق ليصل الى السلام ومنطق الحرية وفي الحرية محبة، ويصلي لتحقيق الهدف، حرية لبنان. إذاً ثمة لقاء، غسان كان في اللقاء، المقاتل كان يسعى لأن يكون راهباً مكرّساً لخدمة ربّه، لكنه في وقت الشدة “اذا لبست التوب وصار شي فيه خطر ع القوات وع لبنان رح احمل سلاحي ودافع”.

كيف يمكن لقضية أن تلبس ناسها بهذا الشكل وكيف تختار تلك القضية ناسها أصلا؟ سؤال يحيّر كلما عبرت سيرة شهيد في قلم أو بال. غسان لم يتمكّن من لبس ثوب الكهنوت، لكنه فعل ما يجب أن يفعله وكرّسه الخطر لخدمة القضية. غفله الزمن، وان كانت الغفلة من أهل الأرض وليس من تدبير السماء. هو من عاش فترة اعتبرها عصيبة جداً في تاريخ “القوات”، تلك التي سبقت مرحلة الانتفاضة واعادة التأهيل.
كان يريد ان يغيّر صورة المقاتل غير الملتزم او غير المنضبط، كان يرى “القوات” من عيون الناس، وبعض تلك العيون لم تكن الرؤيا عندها جيدة بسبب بعض الممارسات الفردية الخاطئة، التي تكاد تطيح بما فعله الشيخ بشير. لذلك ثار على قيادة ايلي حبيقة والتحق برفيقه سمير جعجع في القطارة، وهناك قرّروا تأسيس معهد بشير الجميل، كانوا هم النواة، 24 شاباً بقيادة جعجع، وحصل ما حصل في المنطقة الشرقية، وحقق غسان بعضاً من حلمه. انتظمت “القوات”، صارت قوى نظامية ذات أداء وسلوك عال تحكمها القوانين وتهتم بشؤون الناس، وتحمي حدود المنطقة الشرقية، تلك البقعة المقاومة مخرز الاحتلال السوري وكل احتلال.

كان مسؤولاً عن سلاح المدفعية مع رفاقه ملحم سمعان وحنا أيوب، مهمة ليست بعيدة عن اختصاصه الجامعي، الرياضيات، لكنها مهمة محفوفة بالخطر، لكن هل يُسأل ابن عين الرمانة عن الخطر هو الذي عايش منذ زمن منظومة المواجهة وخط التماس الرئيس للدفاع عن الوجود المسيحي الحر آنذاك؟ وهل يُسأل عن الخطر شاب لم يخلع عنه البزة الزيتية إلا حين ألبسه الإله ثوب النقاء بجانبه؟
ليس ما هو جديد في الحكاية، هو منزل مقاوم، ثلاثة شبان وصبية “كنت نام وحولي البواريد والجعب والرناجر وبس اطلب من الشباب يزيحوا شوي الرناجر ت اقدر اغفى يصرخوا فيي نام يا صرصور” يخبر روجيه شقيق غسان مبتسماً. طبعاً في البسمة الف مرارة لكن الحكاية تروي سيرة البيت الذي آوى إليه مقاومون، وكانت الأم أم الجميع والأب أبو الكل.

لكن غسان العقل المنظّم والثائر في آن، كان بدأ يسكنه بعض من هواجس اللحظة التي كرّست ميشال عون رئيساً للحكومة. كان بدأ يعرف الخوف، منذ التحاقه بـ “القوات” في العام 1981 لم يسكنه هاجس الخوف الذي سكنه في تلك المرحلة، كان يعرف عقل الرجل “بخاف من ديكتاتوريتو” ليس خوفاً على حاله، لكنه عرف أن مهمّة الرجل ليست الدفاع عن لبنان وانقاذه من الميليشيات كما كان يعلن أمام مناصريه، إنما ثمة حقد دفين يسكنه، وأخطر من ذلك، كان يقول إن هدف وجوده هو لضرب الوجود المسيحي القوي في لبنان. “المرحلة سيئة كتير” يردد دائما أمام رفاقه وأهله. “ما كنا كتير نستوعب ليش غسان بيقول هالكلام يلّي كان يعرفو ويحس فيه وما كنا نحنا نعرفو”، يقول روجيه. عرف كما سواه أن ثمة صداماً عسكرياً مع الجنرال آتٍ لا محال، كل شيء كان يوحي بذلك، إذ لم ينفع شيء معه لردع ذاك “القدر”، وبدأ التوتر من هناك وهنالك، أحداث فردية لكنها كانت إشارات الى الأمر الكبير الزاحف موتاً الى قلب المسيحيين.

14 شباط 1989، أخذ روجيه سيارة غسان وذهب الى الجامعة “نبّهني بإنو السيارة مليانة سلاح وقلّي ما تتأخر عندي مهمة، ولكني تأخرت. “اتصل ع الجامعة حتى إرجع وكنت سمعت إنو الوضع متوتر والحواجز منتشرة بالمنطقة وبس وصلت سألتو وهو فالل أي ساعة بترجع في فيلم كوماندوس بدنا نحضرو، قللي انطرني منحضرو سوا”. ومن الكرنتينا اتصل غسان فوراً بامه: “امي انتبهي ما تروحوا مطرح الوضع مش منيح”، كانت المناوشات بدأت مع عناصر الجنرال عون. مساء اتصل روجيه بالكرنتينا ليعرف أين أصبح غسان قالوا له إنه في مهمة، الرابعة فجرا قالوا إنه في مهمة، كان ليل 14 -15 شباط نُصب له كمين مسلح في منطقة صربا، وذهب في “المهمة” مع أربعة من رفاقه، وسكن المكان النهائي إياه في القوزح قريته الجنوبية…

انتهت حرب ميشال عون ولم تنته حرب العائلة مع النظام الامني السوري، اقتيد روجيه مرات الى التحقيق، ووقع مع مئات الرفاق على أوراق تمنعه من التعاطي في العمل السياسي والحزبي. تغيّرت حال البلد، عزز الاحتلال السوري مواقعه، صار مسكنه قلب قلب لبنان وحوّل قلوب أمهات وآباء الى فحم، لكنه لم يتمكن يوماً، لحظة، عمرا، من محو شهادة غسان وكل الشهداء، سكن الشهيد حياً في قلب البيت، “اسسشتهد كرمال قضية ومش كرمال أشخاص”، وصار غسان هو القضية التي ما زال يحملها روجيه وعائلته، لكنه حتى الآن لم يستطع ان يحضر فيلم “كوماندوس” وهو لن يفعل…
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.