#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: الشهيد جوزف أبو الياس… يا نجار المقاومة أي سرير صنعت؟

كتبت فيرا بومنصف في “المسيرة” – العدد 1531

شهيد أخ شهيد. نكتب عن واحد منهما لكن في قصة كل منهما سطور عن ألف شهيد، الآلاف، عن وطن. جوزف جريس أبو الياس… آه عفوا نقصد B 10 ، نحن لا نفهم هذه اللغة، وحدهم ساكنو الجبهات، معانقو المدافع يعرفون انه إسم مدفع، وأن جوزف حمل هذا اللقب ليس لأنه أحب لغة الحرب، لكن لأن الحب أخذه الى حيث المدفع ليمنع الحرب عمن يحب وعن الارض التي إليها انتمى، هيك بتقول الحكاية…

لكثرة الجبهات نسي الرفاق اسمه الأصلي، هو جوزف ابن القوزح الجنوبية سكان الأشرفية، ربيب ساحاتها ونضالاتها رفيق البشير رفيق البندقية أخ ابراهيم وألفريد، ابن البيت الكتائبي بالأصل القواتي لاحقاً، زارع الجبهات من بصمات عنفوانه فماذا نقول بعد؟

لم نقل شيئاً أساساً، ففي الحكاية تفاصيل كثيرة مغمورة لم تكشف بعد عن أبطال تلفظهم ذاكرة وطن لا تدوّن الا حكايا اناس يعيشون لأن ثمة أبطال ماتوا عنهم واستشهدوا ليعيشوا هم وليحيا الوطن والوطن حتى اللحظة لم يحي كما يجب وعلى قدر تلك الشهادة.

لم يُسأل يوماً واحد من هؤلاء الأبطال لماذا تذهبون صاغرين الى الموت، كانوا يذهبون وحسب عندما يرون أن البندقية التي يجب أن تحمي الوطن صارت مغمسة بالذل فقرروا أن الذل للغريب للمحتل للعميل، وهكذا وفي السابعة عشرة حمل جوزف مع شقيقه ابراهيم البندقية وتوزعا على الجبهات.

كانت بداية الحرب في منتصف السبعينات، صار جوزف من ضمن عديد فرقة “طنوس البيروتي” في الأشرفية والتي تولت جبهات الأسواق التجارية، ثم التحق لاحقاً بجبهات الشمال كافة، وبين الجبهة والجبهة كان يلتحق بدورات تدريبية عسكرية حتى صار القتال بالنسبة اليه كمن يتنفّس أو يلتقط حبة مطر من أرض ليروي بها عطش كرامة في أرض أخرى، استشهد أخوه ابراهيم في الأسواق في العام 1976، لم يتوقف، لم يتردد، ذرف دمعاته في قلبه قبل عينيه، وحمل شهادة أخيه أيقونة على نضاله، عضّ على الجرح لأن الأخ الذي أحب ارتفع شهيدا وكأنه في عقله الباطن، في قلبه المفعم حبا عرف أن الشهادة مصيره لا محال، أو لعله علم بقرارة الحب أن من يحب بهذا القدر سيسكن حتماً جوار يسوع ليعيش معه في القيامة.

اندلعت حرب تل الزعتر والنبعة فكان في الواجهة، تحررت تل الزعتر فذهب الى أبعد من المكان، أبعد من بيروت والضواحي، هو المغوار في وحدة المغاوير يا لبنان الغالي، درز جبهات الشمال من سواعده، من حنكته العسكرية التي جعلته واحداً من أكثر المقاتلين براعة واحترافاً وذكاء، كان رفاقه يعرفون ان جوزف لن يموت يوماً على جبهة او في الحرب، كانت خبرته أكبر بكثير من أن يتمكن أحد منه أو أن تنال منه قذيفة أو رشاش أو ما شابه “مرّة وصل ع البيت شفافو مورّمين من الصقيع سألتو خيي وين كنت؟ قلي جايي من عيون السيمان مشي بهالجرد” يخبر أخوه ألفريد، المناضل الثالث بين أخوته.

مهنته بالأساس نجار موبيليا، وبعدما هدأت حرب السنتين سافر الى السعودية كما كثر من الشباب اللبناني ليؤمن مستقبله، لكن المفارقة ان جوزف وكلما كان يعلم أن جبهة ما اشتعلت يترك عمله ويطلب اجازة ليلتحق بوطنه، هذا بعض من نذر، من رهبنة ما جعلت من جبهات الوطن كنيستها الصغيرة ليبقى الوطن كبيراً.

في حرب زحلة، وكان جوزف أصبح من ضمن عديد “القوات اللبنانية” مع الشيخ بشير، أطلق البشير نداءه الشهير لنجدة زحلة من الاحتلال، فصعد اليها مع المئات سيراً في الصقيع تحت الثلوج وحاصروا جيش حافظ الأسد من التلال العالية حيث لم يتمكن ذاك الغادر من الوصول الى القمم، وحيث طأطأ رأسه تحت وابل المقاومة اللبنانية من قلب زحلة ومن خارجها، وعاد جوزف منتصراً مع رفاقه، كان سعيداً بالنصر، امتلأ قلبه بالعنفوان والإيمان بأن وطناً فيه مقاومة من هذا الطراز لا يمكن الا أن تبقى مرفوعة الجبين، لم يكن يعرف ما ينتظره ولا ما ينتظر بلاده.

عاد الى عمله في السعودية، لم يُطل الغياب، إذ ما لبث أن رجع بعدما طلب إجازة  شهر كامل بعدما علم أن حرباً ما اندلعت في الجبل، وأن على الشباب الحفاظ بأي ثمن على الوجود المسيحي هناك وعلى حياة الناس، وكيف كان له أن يعلم أن الغدر أكبر عدو، وأن الغدر إياه  سيحوّل مجرى الأحداث وسيجعل من المسيحيين واللبنانيين فوق خنجراً يطعن في قلب المقاومة، وشظايا ستزرع في قلوب من أحبّوا الوطن حتى آخر رفّة قلب؟

كان العام 1983 هبّوا جميعاً الى تلك الجبهة المشؤومة، حرب الجبل، كان مضى عليه هناك عند جبهة كفرمتى نحو عشرة أيام، سقطت قذيفة قربه فطارت تلك الشظية الملعونة لتستقر في العنق مباشرة وليسقط المحارب الكبير ابن الخامسة والعشرين وهو مبتسم، “كل عمرو مبتسم ولا مرة حتى بعز الصعاب شفتو متجهّم” يقول أحد أصدقائه.

 

لم يصدق أحد ان جوزف اصيب بالحرب، كانوا يؤمنون أن مهارته العالية ستنقذه من أي خطر “ما صدقت إنو خيي هيك رح يموت، شجاع ومحنّك بأساليب القتال بيعرف كل تفاصيل الحروب وأخطارها، كان بطل حقيقي قبضاي كبير مليان عنفوان معبّي الجبهات بدعساتو ومعبّي بدلتو بالشرف”، لكن جوزف استشهد، سيرة البطولة بقيت سيرة، وقلب البطل الذي أحب صبية وخطبها لم يلمع خاتمه الذهب في إصبع الحياة، إنما ذهب لتصبح سيرته ذهب النضال وإيمان القيامة حيث اللقاء بيسوع وبأخيه وأمه أيضاً. ذهب الى حيث أصبح نجار المقاومة يصنع لها سريراً من خشب أرز، خشب الاستشهاد المغمّس برائحة بخور ما، خشب الأرز من ضلع الرب، خشب لسرير تغطيه وسائد كرامة يرتاح إليها شعب بكامله، ننام على الحرير الذي يغطي ذاك السرير، حرير مبلل بالشوك صحيح، لا يزال حتى اللحظة كذلك، لكن حسبنا أن جوزف، أن الوجوه والأجساد التي صنعت لنا بدمها، بيديها كل هذا الشرف، حسبها أن تعيش في المجد وهذا ما يفعله النجار الجنوبي ابن الاشرفية…

 *لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

خبر عاجل